مجتمع
صيف بطعم دراسي .. استثمار في المستقبل أم تجارة تثقل كاهل الآباء؟
19/07/2026 - 15:58
فدوى العزيزي
مع إعلان المدارس عن عطلتها الصيفية، تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحة عرض مفتوحة لإعلانات "المخيمات الحضرية" ومراكز اللغات وبرامج المواهب الموجهة للأطفال.
وهي ظاهرة باتت تطرح تساؤلات قوية لدى الأسر المغربية حول الجدوى التربوية لهذه البرامج الكثيفة، وما إذا كانت تشكل استثمارا حقيقيا في مستقبل الأبناء وضرورة فرضها العصر الرقمي، أم مجرد "تجارة موسمية" تستنزف ميزانيات الأسر وتستغل قلقهم الاجتماعي.
هيمنة الجانب الاقتصادي وتحول القيم التربوية
لتفكيك أبعاد هذه الظاهرة، يرى الأستاذ عادل غزالي، أستاذ علم النفس بالمحمدية، أن هذه "الحمى" لا يمكن فصلها عن سياق عام وسوسيولوجي أعمق، حيث أوضح في حديثه لـ SNRTnews أن قطاع التعليم والتدريس عرف تحولا جذريا تمثل في "هيمنة الجانب الاقتصادي والرأسمالي على ما هو تربوي وتعليمي".
وأشار الأستاذ غزالي إلى أن منطق "تسليع التعليم" انتقل من مجرد منافسة بين الشركات الاستثمارية في قطاع المدارس الخصوصية (بدءا من التعليم الأولي وصولا إلى الجامعي)، ليخترق المنظومة الأسرية نفسها.
واعتبر المحلل النفسي أن الأسر المغربية أصبحت تتبنى هذا المنطق البراغماتي، مما جعل "ضحية" هذا السياق بالدرجة الأولى هو الطفل أو المتعلم، الذي تسرق منه فترات راحته، مشددا على أن دماغ الطفل، يحتاج فترات خمول وراحة لإعادة شحن طاقته، خاصة في فصل الصيف الذي لا تساعد ظروفه المناخية والحرارية على التركيز والتحصيل.
استلاب للطفولة
هذا التحول المتسارع في مفهوم العطلة الصيفية يثير أيضا قلقا كبيرا لدى الممارسين التربويين، وفي هذا السياق، يرى الأستاذ والفاعل التربوي فيصل العرباوي، أن تحويل العطلة الصيفية إلى ما يشبه "الفصل الدراسي المدفوع الأجر" ليس مجرد ظاهرة عابرة، بل هو مؤشر على تحول مقلق في رؤيتنا الجماعية لمنظومة التربية.
وأوضح الأستاذ العرباوي أن هناك اعتقادا خاطئا ساد في المجتمع يرى العطلة كـ "زمن ضائع" يجب ملؤه بالدروس بأي ثمن، محذرا من أن تحويل الصيف إلى امتداد للموسم الدراسي يضع الأبناء تحت ضغط "الأداء المستمر"، ويحرمهم من فرصة بناء شخصيتهم بعيدا عن صرامة المقررات.
كما شدد العرباوي على أنه عندما تصبح المهارات "سلعة" تشترى في مراكز خاصة، فإننا نعمق الفجوة بين أبناء الطبقات الميسورة وأبناء المدرسة العمومية، مما يجعل النجاح مرتبطا بالقدرة الشرائية للأسرة أكثر من ارتباطه بالموهبة أو الجهد الشخصي.
وهم المقارنات الاجتماعية وتحدي وظائف المستقبل
من جانبه، عاد الأستاذ عادل غزالي ليسلط الضوء على عمق "الأزمة النفسية" داخل البيوت المغربية، واصفا ما يحدث في الصيف بأنه "اغتصاب لحقوق الطفل في الراحة"، وفرض لقوالب جاهزة ضد دافعيته وإيقاعه النفسي. وتأسف غزالي لتحول النقاشات بين الأمهات والآباء إلى ساحة للمقارنات الاجتماعية والمفاخرة حول "علامات الأبناء والمدارس المستقبلية التي سيلجونها"، وهو ما يدفع الآباء لقرارات مصيرية سيئة وغير مدروسة.
وطرح أستاذ علم النفس مفارقة مثيرة للاهتمام تتعلق بالمستقبل، مؤكدا أن الاستثمار الحقيقي يجب أن يركز على "بناء شخصية متوازنة للطفل" وليس على شحنه بمهارات قد تختفي قريبا.
وأوضح غزالي أنه مع الطفرة الحالية للذكاء الاصطناعي، فإن المهن المستهدفة بالمحو مستقبلا هي مهن المهندسين والأطباء التقليديين، بينما قد يصبح المجتمع في حاجة أشد إلى أساتذة الفلسفة والتخصصات الإنسانية، فضلا عن حاجته الطبيعية للحرفيين والميكانيكيين والمحامين، داعيا الأسر إلى إعادة التفكير بوعي مرن يستشرف العشر سنوات القادمة بدل حصر الأطفال في نماذج جامدة لا تستجيب لمتطلبات المستقبل الحقيقية.
نحو موازنة البدائل وحماية زمن العطلة
خلص الأستاذ عادل غزالي على أن الحل لا يكمن في إدانة هذه المراكز أو لوم الأسر، بل في خلق وعي متوازن يضمن للطفل حقه في الترويح عن النفس دون انقطاع كامل عن المعرفة، شرط أن تنبع الرغبة من الطفل نفسه عبر تطبيقات ذكية أو قراءات اختيارية حرة.
كما دعا الأستاذ فيصل العرباوي، من جانبه، إلى ضرورة إرساء سياسات عمومية توفر فضاءات ثقافية ورياضية مجانية أو مدعمة، تضمن حماية "زمن العطلة" من منطق السوق، وتجعل من المدرسة العمومية فضاء حاضنا وضامنا فعليا لتكافؤ الفرص في شتى فصول السنة.
مقالات ذات صلة
فن و ثقافة
مجتمع
مجتمع
فن و ثقافة