مجتمع
“اللايفات” التعليمية.. إعادة تشكيل ملامح التدريس في العصر الرقمي
01/06/2026 - 17:04
شهرزاد عيوش
تحولت منصات التواصل الاجتماعي في السنوات الأخيرة من فضاءات للترفيه وتبادل المحتوى اليومي إلى أقسام دراسية مفتوحة، بعدما لجأ عدد متزايد من الأساتذة إلى تقديم الدروس عبر البث المباشر “اللايف”، في محاولة لمواكبة التحولات الرقمية وتقريب المعرفة من التلاميذ بأساليب أكثر تفاعلا.
هذا النمط الجديد من التدريس، الذي عرف انتشارا واسعا خلال فترة جائحة كورونا، أصبح اليوم واقعا تعليميا يعتمد على التفاعل الفوري، وتبسيط الدروس، وكسر الحواجز الجغرافية بين الأستاذ والمتعلم.
بداية التحول الرقمي
في هذا الصدد، أكد أستاذ الفيزياء والكيمياء، زهير عنقود، في تصريحه لـSNRTnews، أن اعتماد “اللايفات” في التدريس يمثل “تطورا لا بد منه”، موضحا أن الهاتف الذكي أصبح الصديق الأقرب للتلميذ، وهو ما يفرض على الأستاذ أن يكون حاضرا داخل هذا العالم الرقمي.
وأضاف أن الهدف الأول بالنسبة إليه هو “أن نكون جزءا من حياة التلاميذ”، معتبرا أن هذا القرب يمنحهم حافزا أكبر لمتابعة الدروس والتفاعل معها.
وأشار عنقود إلى أن بدايته مع التعليم الرقمي تعود إلى سنة 2018، حين أنشأ قناة على “يوتيوب” قبل ولوجه الرسمي لمهنة التعليم، مدفوعا برغبته في مساعدة تلاميذ من مستويات ومناطق مختلفة، خاصة أبناء القرى الذين وجدوا في هذه الدروس فرصة لتبسيط المفاهيم العلمية، لا سيما خلال فترات العطل الدراسية.
وأوضح أن مرحلة جائحة كورونا شكلت نقطة تحول حقيقية، بعدما أظهرت هذه الطريقة التعليمية قدرة كبيرة على جذب التلاميذ وتحقيق نسب نجاح مرتفعة، ما دفعه إلى الاستمرار فيها حتى بعد انتهاء الجائحة.
وفي ما يتعلق بطريقة الاشتغال، أوضح أستاذ الفيزياء والكيمياء أنه يحضر حصصه الرقمية بنفس الجدية التي يحضر بها الدروس الحضورية، معتمدا على تطبيقات متخصصة تتيح عرض العمليات الكيميائية بشكل تفاعلي.
كما شدد على أهمية التفاعل المباشر داخل “اللايف”، سواء عبر الإجابة عن التعليقات أو مناداة التلاميذ بأسمائهم وطرح أسئلة غير متوقعة للحفاظ على انتباههم، مضيفا أن بعض التقنيات المعتمدة على الذكاء الاصطناعي أصبحت تساعد في التفاعل مع عدد أكبر من المتابعين والإجابة عن تساؤلاتهم.
التفاعل وبناء الدرس
من جانبه، يرى أستاذ الفلسفة، حمزة بدان، أن التعليم عن بعد فرض نفسه تدريجيا داخل المنظومة التربوية، خاصة بعد جائحة كوفيد-19 التي دفعت الجميع إلى الانفتاح على الوسائط الرقمية ومجموعات “الواتساب” لاستكمال الدراسة، معتبرا أن هذا التحول يشبه ما حدث مع التجارة الإلكترونية، حيث انتقل المجتمع من التردد إلى القبول التدريجي لفكرة التعلم عبر الإنترنت.
وأوضح بدان، في حديثه لـSNRTnews، أن جوهر الدرس لا يختلف بين الحضوري والرقمي، إذ يقوم على تحديد الأهداف واختيار المضامين المناسبة، مع الحرص على إشراك التلميذ في بناء المعرفة بدل الاكتفاء بالتلقين.
واستعرض مثالا لطريقة تدريسه لمفهوم الحرية في مادة الفلسفة، حيث يطرح أسئلة تفاعلية على التلاميذ عبر “فيسبوك” أو “إنستغرام” ويفتح النقاش من خلال تعليقاتهم، بما يسمح ببناء المفاهيم الفلسفية بشكل تشاركي.
كما لفت إلى أن “خصوصية الشاشة” تفرض تحديات مختلفة عن القسم الحضوري، أبرزها صعوبة التحكم المباشر في انتباه التلاميذ، ما يستوجب تقديم محتوى مختصر وقريب من واقع المتعلم.
وأكد المتحدث ذاته أن التعليم الرقمي يتيح إمكانية التوسع في الشرح وتقديم تطبيقات إضافية يصعب إنجازها داخل الزمن المدرسي المحدود، خاصة في مادة الفلسفة التي تتطلب الفهم والممارسة أكثر من الحفظ.
وفي حديثه عن البعد الإنساني للمهنة، شدد بدان على أن دور الأستاذ لا يقتصر على نقل المعرفة فقط، بل يشمل أيضا التوجيه والدعم النفسي والتحفيز، معتبرا أن النجاح الحقيقي للأستاذ يقاس بقدرته على تكوين جيل واع ومسؤول، وليس فقط بتحقيق النتائج الدراسية.
التكنولوجيا والتفاعل الإنساني
أما أستاذ الرياضيات بالتعليم الثانوي التأهيلي، عادل الهلالي، فاعتبر أن التفاعل داخل “اللايف” هو “المحرك الأساسي للحصة”. وأوضح أنه لا يقدم الحلول بشكل مباشر، بل يمنح التلاميذ وقتا للتفكير والمحاولة، ثم يدفعهم إلى مشاركة النتائج والصعوبات عبر التعليقات، حتى يصلوا إلى الحل بأنفسهم بدل الاكتفاء بحفظ الطريقة.
وأكد الهلالي، في تصريحه لـSNRTnews، أنه يعتمد على الدمج بين التبسيط البصري والدقة العلمية، من خلال استخدام “التابليت غرافيك” لشرح التمارين كما لو أن التلميذ داخل القسم، إلى جانب برامج مثل “GeoGebra” التي تتيح مشاهدة تغير المنحنيات والمعادلات بشكل حي وتفاعلي، وهو ما يساعد على كسر الصورة النمطية للرياضيات باعتبارها مادة جامدة.
وأضاف أن العنصر الإنساني يبقى أساس نجاح هذه التجربة، إذ يحرص على التفاعل المستمر مع التلاميذ، وتشجيع المتعثرين منهم، وتنظيم مسابقات تحفيزية داخل الحصص المباشرة، مؤكدا أن هذا القرب يجعل آلاف التلاميذ يتابعون الحصص لساعات دون شعور بالملل، لأنهم يشعرون بوجود أستاذ يستمع إليهم ويفهم مشاكلهم رغم المسافات.
في خضم هذا التحول الرقمي المتسارع، يتضح أن التعليم عبر “اللايفات”، بوصفه تجربة ظرفية فرضتها الجائحة، قد تطور إلى واقع جديد يعيد صياغة العلاقة بين الأستاذ والتلميذ. فبين شاشات الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية والحواسيب من جهة، ومنصات التواصل الفوري أو التواصل الاجتماعي من جهة أخرى، برزت أساليب تدريس أكثر قربا من المتعلمين، تعتمد على التفاعل الفوري والتبسيط والمرونة.
مقالات ذات صلة
مجتمع
مجتمع
مجتمع
مجتمع