مجتمع
هكذا تجنب المغرب آلاف الوفيات واختار اللقاح الأغلى والأكثر أمانا
08/12/2020 - 22:43
مهدي حبشي
لا يتجادل الخبراء حول كون عالم ما بعد "كورونا" لن يكون كقبله، فقد وجهت الجائحة صفعة للإنسانية دفعتها لإعادة النظر في أولوياتها. وعلى الصعيد المغربي، سيستأثر قطاع الصحة بحصة الأسد من النقاش العمومي، لاسيما أن المختصين المغاربة يحذرون من قابلية هذا النوع من الأزمات للتكرار مُستقبَلاً، ما يستدعي الاستعداد له على النحو المطلوب.
لماذا اختار المغرب لقاح "سينوفارم" الصيني؟ وكيف تجنبت البلاد وقوع آلاف الضحايا يومياً كما حدث في دول أكثر نمواً وذات أنظمة صحية أصلب؟ وما الذي ينبغي فعله كي يتفادى المغرب صدمات مُستقبلية شبيهة بأزمة "كورونا"؟ تلك أسئلة خاض فيها مختصون خلال ندوة "إعادة التفكير في محددات السياسة الصحية بالمغرب"، اليوم الثلاثاء 8 دجنبر، وخلصت إلى أن المغرب في حاجة لرفع أهبته لهذا النوع من الصدمات.
لماذا لقاح "سينوفارم"؟
يتساءل الشارع المغربي عن اللقاح الصيني الذي طوره مختبر "سينوفارم"، وعن نجاعته والسر وراء اختياره، بل يذهب الكثيرون للارتياب منه. إلا أن عضو اللجنة الوطنية العلمية حول "كوفيد-19"، البروفيسور عز الدين الإبراهيمي، طمأن إلى أن المغرب اختار اللقاح "الأكثر أماناً والأغلى سعراً"، رداً منه على المشككين في جودة اللقاح الصيني، استناداً إلى أحكام مسبقة حول السلع الصينية.
وأورد المتحدث أن جرعتين من اللقاح الصيني تكلفان 137 دولاراً، مقارنة بـ5 دولارات بالنسبة للقاح "أسترا زينيكا"، مشدداً على أن الاختيار بُني على كون ذلك اللقاح طور انطلاقاً من 10 سلالات للفيروس، تبين أنها لا تختلف عن تلك المرصودة في المغرب.
وعزا الإبراهيمي غلاء اللقاح الصيني للتكنولوجيا المستخدمة في إعداده، مضيفاً أنه "كان يجب الحصول على اللقاح، لأن ظهور الجيل الثاني من اللقاحات كان سيتطلب الانتظار إلى غاية شهر يونيو المقبل"
وطمأن الإبراهيمي أن 600 شخص في المغرب خضعوا للتجارب السريرية للقاح، طوروا جميعاً بفضله مضادات للفيروس، ولم تظهر عليهم سوى أعراض جانبية بسيطة، مؤكداً أن الصين والإمارات العربية المتحدة قد شرعتا بالفعل في التلقيح بواسطة لقاح "سينوفارم".
وقال إن المغرب سيتوفر في المرحلة الأولى على 10 ملايين جرعة، ما يفرض إعطاء الأولوية في التلقيح لشرائح معينة من المجتمع، ومؤكداً على أن المغرب مستعد على المستوى اللوجيستيكي لتوزيع اللقاح، ويبقى الرهان الآن على كسب ثقة المواطنين.
كيف تفادى المغرب آلاف الوفيات يومياً؟
سؤال آخر يُطرح بين المغاربة وتحوم حوله الكثير من الشائعات، بخصوص نجاح المغرب في تفادي المأساة التي شهدتها دول عديدة، والتي عرفت سقوط آلاف الضحايا يومياً بسبب "كورونا"، على الرغم من تطور بنياتها الصحية مقارنة بالمغرب، والذي لم يسجل سوى عشرات الوفيات يومياً منذ تفشي الوباء.
وترى البروفيسورة رجاء عواد أن رد الفعل السريع والمبكر الذي اتخذته السلطات المغربية عبر قرار الإغلاق، وإيقاف حركة السفر من وإلى المغرب، لعب دوراً حاسماً في ذلك، بحيث اعترفت أن الكثيرين، بمن فيهم أخصائيون، عابوا على المغرب في البداية جنوحه لإجراءات بتلك الصرامة واعتبروها متسرعة وسابقة لأوانها، قبل أن يتبين دورها الفعال في إنقاذ البلاد من مأساة.
من جهته، اعتبر الإبراهيمي أن عوامل كثيرة وقفت في صف المغرب وبقية الدول الإفريقية، يبقى أبرزها شباب الهرم السكاني في القارة بشكل عام، مقارنة بحالة الشيخوخة التي يعرفها ذلك الهرم خصوصاً في القارة الأوروبية، ذلك أن فئة الشيوخ هي الأكثر عرضة لخطر الفيروس.
كما لاحظ البروفيسور أن مشاكل صحية عديدة يعاني منها المواطنون في الولايات المتحدة الأمريكية، مثل السُمنة المُستشرية في تلك البلاد، والتي يُمكن أن تكون أثرت على مناعة مواطنيها وجعلتهم فريسة سهلة للوباء.
واعتبر البروفيسور أن الكثافة السكانية في المغرب والدول الإفريقية، الأقل مقارنة بالدول الأكثر تضرراً من الوباء، ساهمت في تخفيف حدة انتشاره في القارة السمراء ودعم مبدأ "التباعد الاجتماعي" الحاسم في الوقاية من الفيروس.
ولم يفوت المشاركون في الندوة الإجماع على أن مناعة المغاربة والأفارقة، تعززت نظراً لتعرضهم لمجموعة من الفيروسات خلال أمد حياتهم، مقارنة بشعوب "دول الشمال"، التي تعيش عادة في بيئة وصفت بـ"المُعَقّمة".
الحاجة للاستثمار في الصحة
أجمع المشاركون في الندوة على أن واقع النظام الصحي في المغرب بات في حاجة لتفكير عميق، وفي سبل الرقي به تحسباً لظروف مشابهة في المستقبل.
واعتبر البروفيسور غابرييل مالكا، مسؤول القطب الصحي بجامعة محمد السادس متعددة التخصصات، أن الصحة ينبغي أن تكون في قلب التفكير في تحقيق التنمية المستدامة، مشدداً على أن إصابته الشخصية بفيروس "كورونا"، وتواجده مدة 18 يوماً في غرفة إنعاش، جعله يقف على مجموعة من الاختلالات التي تشوب النظام الصحي المغربي.
وركز المتحدث على أن هذا الأخير أبان عن ضعف كبير على مستوى العناية النفسية ومصاحبة المرضى، إذ أن المريض "يبقى وحيداً طوال اليوم، ولا يرى غير الطبيب الذي يظهر مرة واحدة في اليوم ثم يختفي".
"ينبغي بذل جهد على مستوى التمريض، لأن المرضى بحاجة للمصاحبة، والارتقاء بتكوين المساعدين الطبيين. كما ينبغي أن تكون هنالك آلية للتقييم داخل المستشفيات العمومية"، يرى مالكا.
ولأجل تحقيق ذلك، يحتاج القطاع الصحي في المغرب لإصلاح على مستوى تمويله، يرى بيرت بريس، الاقتصادي في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، والذي أجرى دراسة حول تمويل النظام الصحي بالمغرب.
وأورد الخبير أن الدراسة خلصت إلى كون المغرب يحتاج لتوسيع وعائه الضريبي، لجني مداخيل جبائية توجه للاستثمار في قطاع الصحة، مشدداً على أن الاستثمار في هذا القطاع ينبغي ألا يقتصر على القطاع الخاص بل يشمل كذلك القطاع العام.
وقال المتحدث إنه، في سياق الحديث عن تعميم التغطية الصحية في المغرب، فإنه يتوجب رفع مساهمة الرجال، وخصوصاً النساء، في سوق الشغل المغربية، مما سيمكن من جني مساهمات إضافية للرقي بالقطاع. ولأجل ذلك سيكون المغرب مطالباً بدعم نموه الاقتصادي وخلق المزيد من فرص الشغل ذات الجودة.
مقالات ذات صلة
الأنشطة الملكية
مجتمع
مجتمع