مجتمع
اكتشاف أثري شمال المغرب يعيد كتابة تاريخ سكان شمال إفريقيا
17/02/2025 - 10:41
مراد كراخي | محمد فيزازي
تمكن فريق بحث أثري يشرف عليه عالم الآثار المغربي، يوسف بوكبوط، الأستاذ الجامعي بالمعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث، من اكتشاف أول قرية ما قبل تاريخية من العصر البرونزي في المغرب الكبير قبل وصول الفينيقيين.
ويرتقب أن يخلق هذا الاكتشاف العلمي الغير المسبوق، المنشور في المجلة العلمية الإنجليزية العالمية "Antiquity" بتاريخ 17 فبراير 2025، ثورة في المعطيات العلمية المتعلقة بتاريخ المغرب وشمال إفريقيا.
ووفق المقال، فإنه وعلى عكس الاعتقاد السائد بأن المجتمعات الأمازيغية القديمة بشمال أفريقيا لم تكن متطورة كثيرا قبل وصول التجار الفينيقيين المشارقة، فإن هذا البحث كشف عن وجود مجتمعات محلية نشيطة تمارس الزراعة وتربية الماشية ولها علاقات تجارية وتلاقحات ثقافية بمجتمعات حوض البحر الأبيض المتوسط والصحراء الكبرى، وتقام هذه الأبحاث الأثرية في إطار أطروحة دكتوراه للطالب حمزة بنعطية، تحت إشراف الأستاذ يوسف بوكبوط.
وأشار المقال إلى أن هذا الاكتشاف "سيغير نظرتنا عن المستوى الحضاري للسكان المحليين لشمال افريقيا ومدا مساهمتهم في بناء الحضارة وانتشارها، ومدى انفتاحهم على كل ما يدور في محيطهم الإقليمي والقاري، وذلك في الفترات المتأخرة لما قبل التاريخ، وتحديدا خلال فترة استعمال معدني النحاس والبرونز، والتي تؤرخ بـ4400 إلى 2900 سنة خلت".
وسيبرز هذا الاكتشاف المزيد من المعطيات التي همشت في السابق، والتي من شأنها أن تعيد كتابة التاريخ المغاربي انطلاقا من الداخل، وليس عبر نظارات أجنبية.
وتتناول هذه المقالة الاكتشافات التي تمت في موقع كاش كوش ظهر المودن (كاش كوش) (وادي لاو، المغرب) والتي تشهد على الاستيطان البشري بين 2200 و600 قبل الميلاد، وتأتي هذه النتائج نتيجة إنشاء وتطوير مشروع كاش كوش الأثري، وهو برنامج بحثي للدكتوراه تم إنجازه بمساعدة فريق دولي يتكون بشكل رئيسي من باحثين شباب من المعهد الوطني لعلوم الأثار والتراث بالرباط (INSAP).
قرية من العصر البرونزي
تقع قرية كاش كوش على نتوء صخري يطل على الحوض السفلي لـ"واد لاو"، وتحتل موقعا استراتيجيا بالقرب من مضيق جبل طارق، وكان من شأن هذا المكان أن يسمح لسكان المنطقة بالسيطرة على ممر بين البحر الأبيض المتوسط وجبال الريف، وبالتالي تسهيل التبادل التجاري والثقافي مع المناطق الأخرى. وقد أتاحت الحفريات تحديد ثلاث مراحل من الاستيطان البشري.
تهم المرحلة الأولى 2200-2000 قبل الميلاد، وتتوافق هذه المرحلة مع المرحلة الانتقالية بين العصر النحاسي والعصر البرونزي، إذ تم العثور على بقايا قليلة، مما يشير إلى استيطان محدود. وتشمل الأشياء النادرة التي تم اكتشافها شظايا فخارية وأحجار الصوان وعظام الماشية.
وتخص المرحلة الثانية الفترة 1300-900 قبل الميلاد، وخلال هذه الفترة أصبح الموقع قرية زراعية مستقرة، مع منازل من الطوب اللبن وحفر محفورة في الصخر لتخزين المنتجات الزراعية، ويعتمد الاقتصاد على الزراعة (القمح والشعير والبقوليات) والثروة الحيوانية (الخنازير والأبقار). وتوجد أيضا روابط مع شبه الجزيرة الأيبيرية ومناطق أخرى في البحر الأبيض المتوسط، كما يتضح من اكتشاف قطعة معدنية برونزية.
أما المرحلة الثالثة، فتخص القرنين الثامن والسابع قبل الميلاد، وتتزامن هذه المرحلة، التي تتوافق مع الفترة التي يطلق عليها الآن اسم الموريتانية الأولى، مع وصول الفينيقيين إلى المنطقة وتأسيس ليكسوس.
ولوحظ بعد ذلك استمرارية المنازل المبنية من الطوب اللبن، ولكن أيضا تغييرات في تقنيات البناء مع ظهور المباني المستطيلة ذات الأساسات الحجرية، المستوحاة من النماذج الفينيقية.
وتم العثور كذلك على فخار مصنوع على اللولب، وهو من سمات هذه الثقافة. ولكن التقاليد المحلية لم تختف تماما: إذ واصل السكان استخدام الطين وأشكال معينة من الفخار التقليدي. تم هجران الموقع حوالي عام 600 قبل الميلاد. وقد يكون ذلك مرتبطاً بالتغيرات الاقتصادية والاجتماعية، بدءاً بتأسيس مستوطنات ساحلية جديدة.
وكانت منازل المرحلة الثانية 1300-900 قبل الميلاد، دائرية أو نصف دائرية، مبنية من الطين المصمت والمغطى بإطار خشبي (مشابه للنوالة الحالية).
خلال المرحلة الثالثة 800-700 قبل الميلاد، نلاحظ ظهور منازل مستطيلة الشكل مكونة من جدران ترتكز واجهاتها المصنوعة من الطين على أسس حجرية.
ويشهد هذا التغيير على تأثير خارجي، ربما فينيقي، يتعايش مع عناصر محلية. وفي الوقت نفسه، تم حفر في الصخر، وكان بعضها بمثابة مخازن للحبوب والبقوليات.
وكشفت التحاليل الأثرية النباتية عن وجود القمح والشعير والفاصوليا والحمص، مما يدل على ممارسة الزراعة المتطورة منذ المرحلة الثانية.
خلال المرحلة الثالثة، ظهرت محاصيل جديدة، وخاصة الكروم وأشجار الزيتون، مما يشير إلى التأثير المتوسطي. وكانت تربية الماشية متنوعة أيضًا: حيث كانت الأغنام والماعز هي المسيطرة، ولكن الخنازير والأبقار كانت موجودة أيضًا. وقد تم التعرف على آثار صناعة الجلود والحرف اليدوية الأخرى، مما يدل على وجود مجتمع منظم جيدًا ومكتف ذاتيا.
وكشفت الحفريات عن مجموعة غنية من الأواني الخزفية والأدوات الحجرية والمعدنية، إذ كان الفخار المحلي يصنع يدويا، وغالبا ما كان يتميز بزخارف مطبوعة أو محفورة أو بارزة.
وابتداء من المرحلة الثالثة فصاعدا، سنجد الفخار المخروط، ولا سيما الأمفورات (الخابيات)، وهي سمة من سمات الثقافة الفينيقية. توفر الأدوات المصنوعة من حجر الصوان أدلة على وجود نشاط حرفي.
ومن جهتها، تشهد المناجل على الدور المهم الذي اكتسبته الزراعة. أما فيما يتعلق بالقطع المعدنية، فيجب الإشارة إلى أن القطعة البرونزية التي تنتمي إلى المرحلة الثانية، تشكل اليوم أقدم دليل على تعدين البرونز مؤرخ بالكربون المشع (1110-920 قبل الميلاد) في كامل المغرب. أسفرت المرحلة الثالثة عن العثور على أدوات حديدية تشهد على اعتماد التقنيات الجديدة.
وأبرز المقال ذاته أن "الاكتشافات الأخيرة في موقع ظهر المودن (كاش كوش) تدحض المقولات التقليدية القائلة بأن شمال إفريقيا كانت ضعيفة التطور قبل وصول الفينيقيين.
ويثبت هذا الموقع أن السكان المحليين كانوا يتمتعون بالفعل باقتصاد زراعي متقدم وحافظوا على التجارة مع العالم المتوسطي قبل هذه الفترة بكثير. لم تكن ساكنة ظهر المودن سلبيًة في مواجهة التأثيرات الخارجية: بل على العكس من ذلك، فقد أدمجت ببعض العناصر الثقافية الأجنبية مع الاحتفاظ بتقاليدها الأصيلة، وبالتالي خلقت ثقافة هجينة.
وخلص المقال إلى أن موقع ظهر المودن (كاش كوش) يدعونا إلى إعادة التفكير في عصور ما قبل التاريخ الحديثة لإفريقيا المتوسطية، والتي تظهر الآن كمساحة ديناميكية للتبادلات والابتكارات والهويات المتعددة. وقد تكشف الأبحاث المستقبلية عن وجود مواقع أخرى مماثلة، مما يساهم في إثراء فهمنا للمجتمعات ما قبل التاريخ في المغرب الكبير.
ويأتي هذا الاكتشاف بعد الاكتشافات الأركيولوجية الاستثنائية لمركب زراعي ماقبل تاريخي هو الأقدم والأكبر في إفريقيا كلها في قرية واد بهت بالجماعة القروية لآيت سيبرن بإقليم الخميسات، والذي نشر في ذات المجلة، بتاريخ 24 شتنبر 2024.
مقالات ذات صلة
مجتمع
فن و ثقافة
فن و ثقافة
فن و ثقافة