فن وثقافة
العين الأخرى.. تغيير الجمهور أم تغيير السينما؟
04/03/2025 - 10:49
محمد باكريم
هذا العنوان في الحقيقية مقتبس من عنوان لحالة سياسية ظهرت في ظرفية خاصة تلك التي ميزت بعض الأنظمة السياسية، حين باشرت تنظيم انتخابات مفتوحة نسبيا، فإذا بها تفرز نتائج مضادة لما كان متوقعا، باكتساح التيارات المحافظة صناديق الاقتراع وهزالة نتائج القوى المحسوبة على اليسار بشكل عام. فكانت خيبة كبير بمثابة الصدمة لدى مجموعة من المثقفين الذين استيقظوا على دقات واقع مرير كانوا يقرأونه إيديولوجيا مما دفع البعض منهم الى الحديث في نوع من السخرية السوداء عن "ضرورة تغيير الشعب"... الشعب الذي لم ينساق أمام ما كانوا يعتبرونه حقيقة تاريخية...
استحضر هذه الحالة وأنا أتابع مآل بعض الأفلام التي استيقظ أصحابها على واقع شباك التذاكر، ليس لكون نسبة الإقبال كانت متوسطة أو ضعيفة، بل لهول الفرق بينها وبين نوع خاص من الأفلام مستحوذ على السوق. ولم يتردد البعض من أصحاب هذه الأفلام في التسرع في إصدار أحكام قيمة على هذه الأفلام وبشكل غريب حتى على الجمهور الذي خص هذه الأفلام بتلقي ساهم في نجاحها.
قد نتفهم ردة الفعل الغاضبة من هكذا وضع، ولكن لابد من لحظة الوعي والعودة إلى إعمال الفكر النقدي لمحاولة فهم وتفكيك الظاهرة. نعم إنها ظاهرة تجد تجسيدها في الأرقام الرسمية الصادرة عن المركز السينمائي المغربي. وهي على كل حال ليست وليدة اليوم، بل نحن أمام معطى هيكلي يسم السينما المغربية منذ زمان وإن اتخذ في السنوات الأخيرة مستويات مقلقة فعلا.
بماذا يتعلق الأمر؟ نبدأ بما هو واضح ومباشر. هناك مجموعة من الأفلام حظيت بتلقي نقدي وإعلامي كبير ولكنها فشلت في فرض نفسها في السوق، بل إن البعض منها تم سحبه من العرض في أقل من يومين من الحضور. وهي نوعان من الأفلام؛ صنف ذو بعد دولي وإن كان إنتاجا مغربيا استفاد أيضا من متابعة ودعم دوليين سمح للبعض منها بالحضور (المشرف) في مهرجانات عالمية كبيرة وعرضت مباشرة بعد تتويجها عالميا وفشلت في إيجاد مكان لها لدى المشاهد المغربي (عصابات، كذب أبيض..). وهناك صنف ثان من الأفلام "محلي الإنتاج" -إن صح التعبير- حظي بسمعة طيبة لدى المهتمين بل ومنها أفلام حصدت عددا من الجوائز في المهرجان الوطني ورغم ذلك كان مآلها الفشل حين اصطدمت بجدار شباك التذاكر (خريف التفاح..).
ان أكبر خطأ تفسيري هو القول بانتشار التفاهة عبر مختلف الوسائط والتي خلقت جمهورا يساهم في إعادة إنتاجها في مجال السينما.
من جهتي، أنطلق من مجموعة من المبادئ ومن فرضية.
مبادئ موجهة لمقاربة الحركية السينمائية بشكل عام مفادها بأن على المحلل (فاعل سينمائي، ناقد، متتبع) ألا يعتبر نفسه أذكى من الجمهور أو أن يقوم بترتيب الأفلام بإلغاء/إقصاء الأجناس "الشعبية" باعتبارها لا تستحق أي اهتمام. والفرضية التي أنطلق منها هي أن كل الأفلام لها جمهورها، لأن الجمهور صناعة تتأتى أو تكون حصيلة مناخ/ بيئة متكاملة. والحاصل أن في الحالة المغربية هناك غياب لهذه البيئة المساعدة، بل إن البنية التحتية المتوفرة حاليا تدفع في اتجاه استمرار وسيادة الأحادية القطبية (قطب الكوميديا الشعبية). نجدد دعوتنا لبروز سياسة عمومية حقيقية لتوسيع خريطة القاعات السينمائية بما فيه التفكير في صيغة مغربية لقاعات "فن وتجربة" المنفتحة على السينما المختلفة والتي لا يكون هاجسها الربح السريع والتي من شأنها أن تمنح لكل فيلم حقه في لقاء جمهوره.
إن الأزمة ليست في الجمهور وليست في نوعية الأفلام.
مقالات ذات صلة
فن و ثقافة
فن و ثقافة
فن و ثقافة
فن و ثقافة