اقتصاد
رغم الارتفاع القياسي.. لماذا يستمر المستثمرون في شراء الذهب؟
25/04/2025 - 11:43
خولة ازنيزني
يواصل الذهب جذب الأنظار باعتباره أحد الأصول التي يُعول عليها في فترات الاضطراب الاقتصادي، خاصة في ظل التغيرات المتسارعة التي يشهدها الاقتصاد العالمي وتذبذب الأسواق المالية. ففي يوم الثلاثاء 22 أبريل 2025، سجل المعدن الأصفر أعلى مستوى له على الإطلاق، بـ3500 دولارا للأونصة، مدفوعا بزيادة الطلب من البنوك المركزية والمستثمرين من مختلف أنحاء العالم. فما الذي يدفع المستثمرين إلى ضخ أموالهم في الذهب رغم هذا الارتفاع؟ وهل يعد استثمارا آمنا أم مخاطرة مقنّعة؟
يؤكد الطيب أعيس، الخبير المالي والاقتصادي، أن "الذهب أصبح اليوم ملاذا آمنا للمستثمرين، خاصة مع تصاعد التوترات السياسية وتراجع الثقة في العملة الأمريكية".
ويشرح أعيس، في تصريحه لـSNRTnews، أن السياسات المفاجئة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بعد عودته إلى البيت الأبيض، مثل فرض الرسوم الجمركية وخفض تمويل المؤسسات الحكومية، ولّدت حالة من عدم اليقين دفعت العديد إلى التخلي عن الدولار لصالح الذهب.
ويرى أعيس أن الطلب على الذهب لم يعد مقتصرا على الأفراد أو صناديق الاستثمار، بل أصبح كذلك رهانا للمؤسسات المالية الكبرى والبنوك المركزية في عدد من الدول، إذ تواصل العديد من البلدان تراكم احتياطيات الذهب كوسيلة للتحكم في السيولة الداخلية وتحقيق نوع من الاستقلالية النقدية.
وقد أفاد مجلس الذهب العالمي أن البنوك المركزية اشترت أكثر من ألف طن من الذهب خلال سنة 2024 فقط، وهو ثالث عام على التوالي تسجل فيه هذه المؤسسات أرقاما بهذا الحجم، مدفوعة بمخاوف من النزاعات الجيوسياسية وتداعياتها على استقرار العملات العالمية، إضافة إلى توتر العلاقات بين العديد من الدول والولايات المتحدة نتيجة فرض الرسوم الجمركية.
وفي سياق التوتر الأمريكي-الصيني، يوضح المحلل الاقتصادي أن "فرض رسوم جمركية جديدة على الواردات الصينية يُربك سلاسل التوريد العالمية، ويعزز الإقبال على الذهب كملاذ أكثر استقرارا".
وفي هذا الإطار، واصل بنك الشعب الصيني شراء الذهب بوتيرة قياسية. فمنذ أكتوبر 2022، رفع البنك المركزي الصيني حيازته من الذهب بنحو 16%. وقد زادت حيازته بنحو 90 ألف أونصة خلال الشهر الماضي، مع توقعات بأن تبلغ 2264.3 طن بنهاية أبريل 2025.
بين الذهب والدولار: علاقة متأرجحة
يشير أعيس إلى أن التاريخ الاقتصادي يوضح الكثير. فقد ربطت اتفاقية "بريتون وودز" سنة 1944 الدولار بالذهب، ما منح العملة الأمريكية قوة استثنائية، لكن هذا الارتباط فُك في عهد الرئيس ريتشارد نيكسون سنة 1971، ليصبح الدولار غير مغطى بالكامل بالذهب. ونتيجة لذلك، تضخمت الكتلة النقدية العالمية لتصل إلى 212 تريليون دولار، في حين لا تتجاوز القيمة الإجمالية للذهب في العالم 14 تريليون دولار، ما خلق فجوة دفعت الكثيرين للاستثمار في الذهب كضمان حقيقي للقيمة.
في هذا السياق، يرى أعيس أن الذهب لم يعد مجرد مادة تستخدم في الزينة أو الصناعة، بل أصبح رمزا للثقة، ويتفاعل السوق معه بمنطق نفسي بقدر ما هو اقتصادي. ويُفسّر: "الذهب أصبح جزءا من استراتيجيات البنوك المركزية في عدد من الدول، حيث تسعى لتراكمه بهدف التحكم في السيولة الداخلية وتحقيق قدر من الاستقلالية النقدية".
من جانبه، يؤكد زهير لخيار، الخبير الاقتصادي وأستاذ التعليم العالي بجامعة الحسن الثاني، أن الذهب لا يُصنف ضمن السلع "العادية"، بل هو "سلعة تظاهرية"، أي أن قيمته تزداد بالإقبال عليه، ولا يخضع لمنطق العرض والطلب التقليدي، بل يتأثر بالعوامل الاستثمارية. ويضيف: "عندما ترتفع قيمة الذهب، لا ينخفض الإقبال عليه كما هو الحال مع السلع الأخرى، بل يزداد، لأن المستثمرين يتوقعون استمرار منحى الارتفاع".
ويوضح لخيار في تصريحه لـSNRTnews أن الذهب يتميز بكونه قابلا للتخزين، وأصلا نادرا وملموسا لا يتآكل بمرور الزمن، ما يجعله من بين أكثر الأدوات فاعلية في تخزين القيمة على المدى الطويل، حيث يُستخدم كأداة تحوّط ضد التضخم والتقلبات في أسعار الفائدة والدولار الأمريكي.
ويفسر أن هذا السلوك الاستثماري يُعرف في علم الاقتصاد بـ"التوقعات الراشدة"، والتي تعني أن المستثمر يتخذ قراراته بناء على ما يتوقع حدوثه، لا فقط على ما يجري حاليا في السوق، وبالتالي يتزايد الإقبال على الذهب كلما توقع المستثمرون استمرار صعود أسعاره.
ويختم لخيار بالقول: "لهذا السبب، تسعى البنوك والمؤسسات وحتى الأفراد إلى تخزين الذهب، خاصة في أوقات فقدان الثقة في الأسواق".
وفي ما يخص العلاقة مع الدولار الأمريكي، يشير إلى أن "الذهب يُسعَّر بالدولار، ما يجعله عرضة لتأثير السياسات المالية والنقدية الأمريكية. فعندما ترتفع أسعار الفائدة في الولايات المتحدة، تصبح أدوات الاستثمار بالدولار أكثر جذبا، مما قد يؤثر مؤقتا على جاذبية الذهب".
ويضيف: "يبدو أن الذهب يستعيد وظيفته التاريخية، ليس فقط كمجوهرات أو مدخرات فردية، بل كضمانة استقرار في زمن الشكوك. وبينما تتغير السياسات والنظم النقدية، يبقى الذهب وفيا لدوره الكلاسيكي كخزان للقيمة وملاذ وقت الأزمات".
مقالات ذات صلة
عالم
عالم
اقتصاد
عالم