اقتصاد
مجلس المنافسة يشخص أعطاب توزيع المواد الغذائية
02/07/2025 - 15:26
وئام فراج
في سياق اتسم بارتفاع أسعار المواد الغذائية وتأثير ذلك على القدرة الشرائية للمواطنين، أصدر مجلس المنافسة رأيه حول وضعية المنافسة على مستوى مسالك توزيع المواد الغذائية، بحيث توقف عند مجموعة من الاختلالات التي تؤثر على السير العادي للأسواق وعلى عدالة الأسعار لفائدة المستهلكين.
واعتمد مجلس المنافسة، لاستيعاب الإشكالية المطروحة، مقاربة منهجية معززة بنماذج لمنتجات غذائية محددة، وذلك بغية توفير بيانات موثوقة ودقيقة، واستند اختيار المنتجات إلى معيارين رئيسيين.
تعدد المتدخلين
وارتبط المعيار الأول بمستوى ارتفاع أسعار استهلاك هذه المنتجات، بينما اقترن المعيار الثاني بالحصة الكبيرة لهذه المنتجات في النفقات الاستهلاكية للأسر.
واستثنيت من نطاق هذه المبادرة للإدلاء بالرأي بعض أصناف المنتجات لكونها شكلت موضوع آراء سابقة أصدرها المجلس، على غرار الخضر والفواكه وزيوت المائدة، فضلا عن منتجات الحبوب المعنية بالتحول الأولي (الدقيق والسميد وغيرها) والأسماك مثل السردين، حيث يعكف المجلس على معالجتها في إطار مشاريع آراء قيد التنفيذ.
ويرى مجلس المنافسة أن الحليب المبستر على الخصوص والزبدة وبدرجة أقل الجبن المذاب، منتجات طازجة وسريعة التلف وتظل صالحة لفترة قصيرة الأمد، مما يتطلب استيفاء شروط محددة من حيث درجة حرارة تخزينها ونقلها.
ومن تم يتعين تصريفها بسرعة أكبر باستخدام سلسلة توزيع مباشرة أو قصيرة. في المقابل، تعتبر المصبرات النباتية والعجائن الغذائية وسميد الكسكس منتجات معقمة وغير قابلة للتلف، وتبقى صالحة لفترة طويلة الأمد، ولا تستلزم شروطا خاصة، بمعنى تمتد سلسلة توزيعها لفترة أطول، ويتدخل أكثر من وسط واحد قبل أن تصل إلى المستهلك النهائي.
وتتمثل أولى ملامح الخلل التي رصدها المجلس في تعدد المتدخلين المؤسساتيين وتشتت أدوارهم، مما يؤثر سلبا على فعالية تنظيم مسالك التوزيع.
وأشار المجلس إلى أن غياب حكامة موحدة يفرز عراقيل في التخطيط والتقنين، ويجعل القطاع عرضة لعشوائية القرارات وصعوبة توجيه السياسات العمومية بفعالية.
وسجل الرأي أن الإطار القانوني الذي ينظم توزيع المواد الغذائية يتميز بالصلابة، إلا أنه يعاني من التشتت بين عدة نصوص وقوانين أفقية، مما يخلق نوعا من التداخل والصعوبات في التفعيل، خاصة في ما يتعلق بتنظيم الأسعار وضبط شروط التسويق وضمان جودة المنتجات.
غياب نص تنظيمي
وأشار المجلس إلى غياب نص تنظيمي خاص يعنى بتنظيم قطاع التوزيع بكل مكوناته، وإلى حدود الساعة تفتقر عدة جوانب رئيسية إلى الدقة والتأطير اللازمين، مما ينعكس مباشرة على حسن سيره، وفق رأي المجلس.
وأوضح أن الإطار القانوني الحالي لا ينص على تصنيف منهجي أو اصطلاحي يتضمن تعريفا للمفاهيم الأساسية ذات الصلة بأنشطة التوزيع، والتي تتيح التمييز بين الفئات المختلفة من المحلات التجارية، خاصة المتاجر التقليدية، ومتاجر البيع بالجملة والمتاجر الكبرى، والأسواق الممتازة، ومتاجر الجملة القائمة على الأداء نقدا عند الاستلام.
ومن ضمن أوجه الخلل البنيوي التي تم تشخيصها، أكد المجلس وجود نقص كبير في البيانات والمعطيات الإحصائية المتعلقة بمسالك التوزيع، وهو ما يعيق تتبع دينامية السوق ويضعف القدرة على تقييم مردودية الفاعلين وظروف المنافسة.
ورغم ما شهده المغرب من توسع في المساحات التجارية الكبرى والمتوسطة، فإن التجارة التقليدية المكونة من التجار بالجملة وشبه الجملة وأصحاب محلات البقالة المعروفون بـ"مول الحانوت"، لا تزال تهيمن على معظم مسالك توزيع المواد الغذائية، وفق رأي المجلس، مستحوذة على نحو 80 في المائة من رقم المعاملات وعلى 99 في المائة تقريبا من نقاط البيع.
وتتوفر مسالك التوزيع التقليدية على حوالي 86 في المائة من منتجات الحليب و75 في المائة من المصبرات النباتية على غرار مركز الطماطم والمربى، وأكثر من 95 في المائة من الكسكس والمعجنات الغذائية.
وشدد المجلس على أن بطء تحديث هذا النمط يساهم في تعميق الاختلالات، سواء من حيث الشفافية أو من حيث القدرة على مراقبة الأسعار وهوامش الربح.
ارتفاع هوامش الربح
وفي تحليله لهيكلة الأسعار، أشار مجلس المنافسة إلى وجود فروق واضحة بين أسعار البيع النهائية وأسعار التفويت من قبل المصنعين، وهو ما يعكس ارتفاعا في هوامش الربح، لا سيما في حلقات التوزيع الوسيطة. وأكد أن هذا الوضع يساهم في تغذية التضخم ويثقل كاهل المستهلك.
وأظهر تحليل أصناف المنتجات، في إطار هذا الرأي، أن قيمة هوامش الربح الخام المتعلقة بتسويق منتجات الحليب في المسالك التقليدية ارتفعت من 10 في المائة بين سنتي 2021 و2022 إلى 22 في المائة بين سنتي 2022 و2023.
وبرزت الزيادة بوضوح، وفق رأي المجلس، في حالة المصبرات النباتية؛ إذ بلغت 18 و12 في المائة بالنسبة لمركز الطماطم والمربى على التوالي.
أما بخصوص صنف المعجنات الغذائية والكسكس السائب، ازدادت نسبة هامش الربح الخام بنحو 20 في المائة سنة 2022، ثم تراجع سنة 2023 محتفظا، في الآن ذاته، بمستوى أعلى مما كان عليه سنة 2021.
كما أبرز الرأي اختلالات في العلاقة التعاقدية بين الموردين والموزعين، خاصة في ما يتعلق بآجال الأداء وهوامش الربح "الخلفية"، التي يتم التفاوض بشأنها خارج إطار الشفافية، وهو ما يضعف المنافسة ويمنح أفضلية غير متكافئة لبعض الفاعلين.
يشار إلى أن مجلس المنافسة استشار، إعمالا لمسطرة التحقيق المتعلقة بمبادرة الإدلاء بالرأي، عددا كبيرا من الجهات الفاعلة في القطاع، وعقد أزيد من ثلاثين جلسة للاستماع إلى الفاعلين الاقتصاديين الخواص في قطاع التجارة والتوزيع بمن فيهم الموردون والعملاء والمنظمات المهنية وجمعيات المستهلكين، وإلى الجهات المؤسساتية، على غرار القطاعات الوزارية الوصية والهيئات العمومية المعنية.
مقالات ذات صلة
اقتصاد
مجتمع
اقتصاد
مجتمع