اقتصاد
ما الذي يعيق تطور قطاع التكنولوجيا المالية في المغرب؟
03/06/2026 - 15:49
وئام فراج
كشف المركز المغربي للتكنولوجيا المالية، في "كتاب أبيض" صدر الثلاثاء 02 يونيو 2026، عن استمرار عدد من التحديات البنيوية التي تعيق تطور منظومة التكنولوجيا المالية (Fintech) بالمغرب، منبها إلى أن "هذه الإكراهات ما تزال تحد من قدرة الشركات الناشئة على النمو والابتكار واستقطاب الاستثمارات"، وذلك رغم التقدم الذي أحرزه المغرب في مجال الرقمنة والخدمات المالية.
يأتي هذا التشخيص في وقت تشهد فيه التكنولوجيا المالية نموا متسارعا على الصعيد العالمي، مدفوعة بتطور خدمات الأداء الرقمي والذكاء الاصطناعي والتمويل المفتوح، وفق معطيات الكتاب الأبيض، "وهو ما يضع المنظومة المغربية أمام تحدي مواكبة هذه التحولات والاستفادة من الفرص التي تتيحها".
مواكبة تحولات القطاع
ويرى الإصدار أن المغرب يتوفر اليوم على عدد من المقومات الأساسية الداعمة لنمو القطاع من بينها انتشار الإنترنت والهواتف الذكية وتطور البنية التحتية للأداء الإلكتروني، إلا أن "الإطار التنظيمي ما زال بحاجة إلى مزيد من التطوير لمواكبة التحولات السريعة التي يعرفها القطاع".
ومن بين أبرز الإشكالات المطروحة، في هذا الإطار، تطرق الكتاب الأبيض إلى غياب وضوح كافٍ بشأن بعض نماذج الأعمال الجديدة، مثل خدمات "اشتر الآن وادفع لاحقا" (BNPL) وبعض التطبيقات المرتبطة بالأصول الرقمية والتقنيات المالية المستجدة.
كما تشير الشركات الناشئة العاملة في المجال إلى أن متطلبات الترخيص والامتثال التنظيمي قد تشكل أحيانا عائقا أمام المشاريع في مراحلها الأولى، خصوصا بالنسبة للمقاولات الصغيرة ذات الموارد المحدودة.
وفي هذا السياق، دعا الكتاب الأبيض إلى اعتماد مقاربة تنظيمية أكثر مرونة وتدرجا، ترتكز على مستوى المخاطر المرتبطة بكل نشاط، مع التفكير في إحداث آليات تجريبية تتيح للشركات اختبار حلولها المبتكرة في بيئة مؤطرة قبل طرحها في السوق على نطاق واسع.
حماية الحقوق الرقمية
من جهة أخرى، تطرق المركز في كتابه الأبيض إلى إشكالية حماية المعطيات الشخصية واستعمال البيانات، خاصة في ظل تنامي الاعتماد على الحوسبة السحابية وتقنيات الذكاء الاصطناعي. فوفقا لمعطيات الكتاب، تعبر العديد من شركات التكنولوجيا المالية عن حاجتها إلى مزيد من الوضوح بشأن قواعد معالجة البيانات وتصنيفها، إلى جانب تبسيط وتسريع بعض المساطر المرتبطة بالموافقات التنظيمية، بما يحقق التوازن بين الابتكار وحماية الحقوق الرقمية للمواطنين.
وعلى مستوى التمويل، يرصد الكتاب الأبيض "فجوة" بين المغرب وعدد من الأسواق الإفريقية الرائدة في مجال التكنولوجيا المالية. فعلى الرغم من تسجيل بعض النجاحات البارزة واستقطاب عدد من الشركات المغربية لاستثمارات مهمة خلال السنوات الأخيرة، إلا أن "أغلب المقاولات الناشئة لا تزال تواجه صعوبات في الحصول على التمويل، خصوصا في مراحل التأسيس والانطلاق".
ويرى معدو الكتاب أن محدودية التمويلات المتاحة في مرحلتي "ما قبل الإقلاع" و"الإقلاع" تعد من أبرز العقبات أمام نمو القطاع، ما يستدعي تعزيز صناديق رأس المال المخاطر الموجهة للتكنولوجيا المالية، وتشجيع آليات الاستثمار المشترك بين القطاعين العام والخاص، فضلاً عن إقرار حوافز ضريبية وتشجيعات مالية لفائدة الشركات الناشئة والمستثمرين.
التمويل المفتوح
في الجانب التكنولوجي، ورغم التطور الملحوظ الذي عرفته البنيات الرقمية بالمملكة، فإن الكتاب يشير إلى استمرار بعض الصعوبات المرتبطة بسرعة إدماج الحلول التقنية الجديدة داخل المؤسسات المالية التقليدية. كما أن آجال الربط التقني بين الشركات الناشئة والبنوك أو مؤسسات الأداء لا تزال تشكل تحديا يؤثر على سرعة طرح المنتجات والخدمات الجديدة في السوق.
ولمعالجة هذه الإشكالات، يوصي الكتاب الأبيض بتسريع تنزيل مشاريع "التمويل المفتوح" (Open Finance)، وتوحيد المعايير التقنية بين مختلف المتدخلين، وتوسيع استخدام واجهات البرمجة المفتوحة بما يتيح تبادل البيانات والخدمات بشكل أكثر سلاسة وأمانا.
أما على مستوى السوق، فيؤكد المركز أن استمرار هيمنة المعاملات النقدية (الكاش) يشكل أحد أكبر التحديات أمام تطوير الخدمات المالية الرقمية. كما يسجل استمرار ضعف الولوج إلى الخدمات المالية في بعض المناطق القروية، إضافة إلى الفوارق المرتبطة بالنوع الاجتماعي والفئات العمرية، وهو ما يحد، بحسبه، من استفادة شرائح واسعة من الإمكانيات التي توفرها التكنولوجيا المالية.
ومن هذا المنطلق، يدعو الكتاب الأبيض إلى تطوير منتجات وخدمات مالية رقمية تستجيب لاحتياجات الفئات غير المستفيدة من الخدمات البنكية التقليدية، مع تعزيز التعاون بين شركات التكنولوجيا المالية وفاعلي الاتصالات من أجل توسيع نطاق انتشار الخدمات الرقمية داخل مختلف جهات المملكة.
تطوير الرأسمال البشري
وفي محور الموارد البشرية، يسلط الكتاب الأبيض الضوء على "النقص المسجل في الكفاءات المتخصصة القادرة على الجمع بين الخبرات المالية والتكنولوجية والقانونية"، معتبرا أن تطوير الرأسمال البشري يشكل شرطا أساسيا لإنجاح التحول الرقمي للقطاع المالي.
ويقترح، في هذا الإطار، تعزيز الشراكات بين الجامعات والمؤسسات التكوينية وشركات التكنولوجيا المالية، وتطوير برامج للتكوين التطبيقي والتدريب المهني، فضلا عن تشجيع البحث العلمي والابتكار في المجالات المرتبطة بالتقنيات المالية.
وخلص الكتاب الأبيض إلى أن المغرب يمتلك اليوم معظم المقومات الضرورية لبناء منظومة مالية رقمية تنافسية على المستوى الإقليمي، غير أن تحقيق هذا الطموح يظل رهينا بقدرة مختلف الفاعلين على معالجة التحديات التنظيمية والتمويلية والتكنولوجية والبشرية التي ما تزال تعيق نمو القطاع، وتحويل التكنولوجيا المالية إلى رافعة حقيقية للشمول المالي والتنمية الاقتصادية خلال السنوات المقبلة.
مقالات ذات صلة
ذكاء اصطناعي
ذكاء اصطناعي
اقتصاد
مجتمع