رياضة
هل يعيش الجمهور المغربي تحولا جديدا في ثقافة التشجيع؟
10/09/2025 - 09:23
خولة ازنيزني
مع دوي صافرة نهاية أي مباراة رياضية، لا يقتصر النقاش على النتيجة أو أداء اللاعبين وخطة المدرب، بل يمتد ليشمل تفاعل الجمهور وأجواء المدرجات. الأمر بدا جليا في مباراة المغرب والنيجر، برسم التصفيات المؤهلة لكأس العالم 2026، حيث لم يكن الفوز أو النتيجة هما محور النقاش، بقدر ما استقطب المشهد في مدرجات ملعب الأمير مولاي عبد الله بالرباط في حلته الجديدة الأضواء.
الملعب الذي تجاوز تقديم صورة حديثة عن البنية التحتية لكرة القدم المغربية، إلى الكشف عن تحول ثقافي واجتماعي في نمط حضور الجمهور.
المشهد كان مختلفا؛ أسر بكامل أفرادها تهتف لـ"أسود الأطلس"، وفتيات يرفعن الرايات الحمراء، وأزواج وأصدقاء يتقاسمون لحظات المتعة، يتمايلون على إيقاع الأهازيج الكروية، أجواء وصفت بالآمنة والمنظمة حولت حضور المباراة إلى تجربة ترفيهية متكاملة، أقرب إلى "نزهة عائلية" منها إلى متابعة رياضية تقليدية.
يعتبر عبد الرحيم بورقية، السوسيولوجي والباحث في علم اجتماع الرياضة، هذا التحول طبيعيا، لأنه يعكس انفتاح المجتمع على مجال رياضي كان إلى وقت قريب حكرا على الذكور، مؤكدا أنها صورة تؤشر على مسار يتطور باستمرار نحو ثقافة كروية جماعية تتجاوز حصر اللعبة في دائرة الشباب فقط.
ويضيف بورقية، في تصريحه لـSNRTnews: "لطالما ارتبطت الملاعب بصورة ذهنية وثقافية اعتبرتها فضاء ذكوريا بامتياز، وكان حضور النساء فيها أمرا غير ملائم، واليوم، دخول الفتيات والنساء غيّر هذه المعادلة؛ فوجودهن لم يعد مجرد عدد يملأ المدرجات، بل صار عنصرا ثقافيا وسلوكيا يساهم في تفكيك الصورة النمطية وخلق ثقافة أكثر شمولية".
وأوضح بورقية أن هذا الانفتاح سمح للعائلات بالانخراط في التجربة الكروية، ليصبح الملعب امتدادا للفضاء العمومي، قائلا: "إن حضور النساء والرجال معا يضفي طابعا مختلفا على الفرجة، ويجعلها أقرب إلى أجواء السينما أو المسرح، كما أن وجود الآباء والأمهات يمنح الاطمئنان للأبناء والبنات الراغبين في الذهاب إلى الملعب، بعدما كان الخوف أو الخجل يمنعهم".
وأشار الباحث إلى أن هذه الدينامية ترافقها ظواهر حديثة مثل الاستهلاك الأحادي من خلال "السيلفي" و"الستوري"، وهي ممارسات فردية أصبحت جزءا من الثقافة الجماهيرية المعاصرة، وتدل على أن الملعب لم يعد فضاء للاحتفال الجماعي فقط، بل أضحى أيضا مجالا لعرض الهوية الفردية ورأس المال الرمزي على شبكات التواصل.
وأكد أن الجمهور المغربي لم يعد مجرد خلفية للفرجة الكروية، بل صار جزءا من صناعة الحدث، بفضل تنوعه وقدرته على نقل صورة إيجابية عن المغرب في كل الملاعب التي يحط فيها.
ودعا بورقية إلى الاستثمار في الرأسمال البشري، قائلا: "إذا كان الملعب اليوم فضاء آمنا ومناسبا للجميع، فلأننا نحن من جعلناه كذلك عبر ثقافة الاحترام والتربية على التعايش، فهو يشكل مجتمعا مصغرا يعكس صورتنا في المرآة".
من جهته، يرى المحلل الرياضي أسامة البراوي أن هذه التجربة تشكل منعطفا مهما في علاقة الجمهور المغربي بكرة القدم.
ويضيف البراوي، في تصريحه لـSNRTnews: أن الجمهور المغربي لم يتردد يوما في التنقل خلف منتخبه من أقاصي البرازيل إلى الصين وجنوب إفريقيا، حاملا حماسه المعتاد.
يقول: "جيل المنتخب الحالي، الذي بُنيت لبناته منذ سنوات، ساهم بدوره في تعزيز هذا الارتباط؛ فمنذ مونديال روسيا 2018، حيث احتل المشجعون المغاربة المركز الثاني من حيث العدد بعد الروس، إلى مونديال قطر الذي مثل محطة تاريخية، ليشكل الجمهور ركيزة أساسية في رحلة الأسود، إذ تضاعف الحضور كلما تقدم المنتخب في الأدوار، ليتحول التشجيع إلى حالة استثنائية من التلاحم أثارت إعجاب العالم، كالاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا" الذي كتب أن الجماهير المغربية كانت "اللاعب رقم واحد"، بعدما لم تصمت لحظة خلال دور المجموعات، وزئيرها بث الحماس في قلوب اللاعبين".
ويؤكد البراوي أن مباراة المغرب والنيجر تمثل نموذجا للمستقبل، حيث اجتمع الأداء المقنع للمنتخب، والبنية التحتية العصرية، والجمهور المنظم والمتنوع.
والتحول لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة تراكمات على مستوى البنيات التحتية والتنظيم، يمثلها ملعب مولاي عبد الله في حلته الجديدة موفرا كل الشروط المثالية: من مقاعد مريحة، ومرافق صحية عالية الجودة، وكاميرات مراقبة، ورقمنة شاملة للتذاكر سهلت عملية الدخول والخروج، وفقا للمتحدث.
وأوضح أن هذا التنظيم السلس منح الجمهور شعورا بالراحة والأمان، ما فتح الباب أمام أجيال جديدة لخوض تجربة الحضور المباشر بعيدا عن هواجس الشغب.
ويشدد البراوي على أن الرهان اليوم هو الحفاظ على هذه الصورة وتعزيزها، حتى تبقى الجماهير المغربية نموذجا للانضباط والفرجة الحضارية.
وأضاف المحلل الرياضي أن الجمهور المغربي، الذي أذهل العالم في مونديال قطر، يخطو اليوم خطوة جديدة من داخل الوطن، حيث سيشكل الجيل الجديد من الملاعب نقلة إيجابية في المشهد الكروي، حيث التشجيع فرجة عائلية حضارية، تمنح المملكة صورة مشرقة ستظل راسخة في كل المباريات المقبلة، داخل المغرب وخارجه.
مقالات ذات صلة
رياضة
رياضة
رياضة
رياضة