اقتصاد
تقرير يرصد تطورات متباينة في مستوى الفوارق .. كيف نحمي الفئات الهشة؟
10/09/2025 - 17:46
وئام فراج
رغم التقدم الملموس الذي حققه المغرب في محاربة الفقر وتعزيز التنمية البشرية، ما تزال الفوارق الاجتماعية والمجالية واحدة من أبرز التحديات التي تواجه البلاد، وفق ما جاء في تقرير حديث للمندوبية السامية للتخطيط.
وأظهر التقرير، الصادر بعنوان: "محاربة الفقر، تقليص الفوارق الاجتماعية والترابية، التنمية البشرية والإنصاف بين الجنسين في المغرب: تقدم وتحديات"، أن المغرب شهد تطورات متباينة في مستوى الفوارق في العيش.
مسار متقلب
ويبرز التقرير أن المغرب عرف بين 2001 و2022 مسارا متقلبا في ما يخص توزيع الثروة ومستوى العيش، يمكن تقسيمه إلى ثلاث مراحل، بحيث اتسمت المرحلة الأولى (2001-2014) بتراجع معتدل للفوارق، بعدما شهد المغرب تحسنا عاما في مستويات العيش بفضل نمو اقتصادي مطرد وإصلاحات اجتماعية.
وأشار إلى أن الفئات الفقيرة والمتوسطة استفادت نسبيا من هذه الدينامية، ما سمح بتراجع بسيط في مؤشر جيني (من 40,6% إلى 39,5%)، ويبرز هذا الانخفاض الطفيف أن النمو كان أكثر شمولا من ذي قبل، لكنه لم يكن كافيا لتقليص الفوارق بشكل جذري.
وشهدت المرحلة الثانية (2014-2019) تحسنا نسبيا في هذه الفترة، بحيث تسارعت وتيرة تحسن أوضاع الفئات الأقل دخلا، وارتفع مستوى عيشهم بنسبة أسرع من الفئات الغنية، وفق معطيات التقرير، مشيرا إلى انخفاض مؤشر جيني إلى 38,5 في المائة، وهو أدنى مستوى منذ بداية الألفية.
أما المرحلة الثالثة (2019-2022) سجلت عودة قوية للفوارق بفعل الأزمات الصحية والاقتصادية، واعتبرها التقرير مرحلة انتكاسة ضربت أسس هذا التحسن، بحيث تحمل الفئات الأفقر والأكثر هشاشة العبء الأكبر، وتضررت الطبقة الوسطى.
وأوضح التقرير أن المؤشر الجيني قفز مجددا إلى 40,5 في المائة، أي العودة تقريبا إلى وضع 2001، مسجلا تفاوتات في الاستهلاك الغذائي، ما أجبر الأسر الفقيرة على التخلي عن جزء من حاجاتها الأساسية.
وكشف هذا التحول عن كون التحسن السابق لم يكن متينا، إذ انهار بمجرد تعرض الاقتصاد لصدمات من قبيل جائحة كورونا والتضخم والجفاف، ما يجعل الفقر والفوارق في المغرب لا يرتبطان فقط بالنمو الاقتصادي، بل أيضا بغياب آليات حماية اجتماعية قوية تحمي الفئات الهشة في أوقات الأزمات.
تحسين مستوى المعيشة
وفي هذا الإطار، أكد أستاذ الاقتصاد الاجتماعي بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بجامعة عين الشق بالدار البيضاء، رضوان زهرو، أن تقرير المندوبية يأتي تجاوبا ما ورد في خطاب العرش الأخير الذي يعد خطابا لتجديد مسار التنمية في البلاد.
وأوضح زهرو، في تصريح لـSNRTnews، أن التقرير تحدث عن التقدم الملموس في مجال التنمية البشرية من خلال تراجع الفقر متعدد الأبعاد لكن في المقابل شدد على ضرورة بدل مجهود أكبر لصالح المناطق القروية؛ خصوصا في مجالات البنية التحتية والمرافق الأساسية عبر تحسين الدخل ومحاربة الفقر وبالتالي تحسين القدرة الشرائية ومستوى معيشة الأفراد.
وأكد الأستاذ الجامعي على أن النمو الاقتصادي ليس له معنى إذا لم يؤثر في تحسين ظروف عيش المواطنات والمواطنين، وهو ما يفرض ضرورة الانتقال من مقاربة التنمية الاجتماعية إلى مقاربة أخرى تتعلق بالتنمية المجالية المندمجة عبر جيل جديد من الإصلاحات والسياسات العمومية التي تدعم التشغيل خاصة في المجال القروي، وفق ما شدد عليه جلالة الملك محمد السادس.
ضعف التدبير وقلة الاستثمار
وفي ما يتعلق باستمرار الفوارق المجالية والاجتماعية التي تحدث عنها تقرير المندوبية، يرى زهرو أنها تعود لسببين رئيسيين وهما سبب مؤسساتي تدبيري وسبب اقتصادي.
وأوضح الأستاذ والخبير الاقتصادي أن السبب الاقتصادي يكمن أساسا في ضعف النمو بالمناطق القروية بمعنى أنها لا تجذب الاستثمار ورأس المال، مشيرا إلى إمكانية تجاوز ذلك عن طريق ميثاق الاستثمار الذي يجب أن يكون تحفيزيا وتنافسيا.
وأشار إلى أن هذا الميثاق من شأنه "إصلاح العطب" لكي تتجه الاستثمارات إلى مناطق أخرى غير محور طنجة الدار البيضاء الذي يخلق فرص الشغل وينتج الثروة.
أما السبب المؤسساتي، فيكمن وفق الأستاذ الجامعي، في ضعف التدبير وضعف النخب المسيرة في المناطق القروية أو المهمشة، ما يمنع من خلق الثروة وفرص الشغل بالنسبة للعاطلين في تلك المناطق.
كما يرى زهرو أن هناك سببا ثالثا يرتبط بتوالي سنوات الجفاف والتي أدت إلى ضعف الإنتاج الفلاحي وهجرة واسعة نحو المدن، مشيرا إلى أن المناخ والظروف الطبيعية أثرت بدورها على المناطق الفلاحية وعلى العاملين بها.
إعطاء دور أكبر للجهة
وشدد الاقتصادي على ضرورة تطوير النظام اللامركزي ببعديه التدبيري والحكماتي، لتجاوز هذا الوضع، عبر إبراز مجالس محلية وجهوية دمقراطية، وإبراز نخب محلية مسؤولة وقادرة على التسيير وخدمة المجال الترابي.
وذهب إلى أن إعطاء دور أكبر للجهة من شأنه تضييق دائرة الفقر في البلاد خاصة في المناطق الأقل نموا، مع ضرورة العمل على تكريس مبدأ المساواة بين الجنسين من أجل المساهمة في تحريك عجلة النمو وتحقيق التنمية المنشودة في المملكة.
بدوره دعا تقرير المندوبية إلى الانتقال من منطق السياسات الاجتماعية التقليدية إلى مقاربة ترابية شاملة، تستند إلى العدالة الاجتماعية والجهوية، وتربط النمو الاقتصادي بالعدالة التوزيعية، مشددا على أهمية الاستثمار في التعليم، والحماية الاجتماعية، ودعم الطبقة الوسطى والنساء، من أجل جعل التنمية أكثر استدامة وإنصافا.
مقالات ذات صلة
مجتمع
مجتمع
فن و ثقافة
مجتمع