مجتمع
هل مازال العمل الجمعوي فضاء لتأطير وتنشئة الشباب؟
10/10/2025 - 17:21
خولة ازنيزني
في ظل التحولات الاجتماعية والثقافية التي يعرفها المغرب، يبرز العمل الجمعوي كفضاء حيوي لتأطير الشباب وتعبئة قدراتهم الإبداعية، وإكسابهم مهارات القيادة والمبادرة، وإتاحة الفرص لهم للتعبير عن ذواتهم والمساهمة في المجتمع. هذا الدور يجعل العمل الجمعوي أداة أساسية في التنشئة الاجتماعية، لكنه يواجه في الوقت نفسه تحديات عميقة تتعلق بالمصداقية والشفافية والارتباط الفعلي بالمجتمع.
كما يشكل العمل الجمعوي مساحة لتجسيد قيم المواطنة والمشاركة، من خلال الانخراط في مجالات سياسية واقتصادية وثقافية واجتماعية، ما يمنح الشباب فرصة المساهمة الفعلية في التنمية المحلية والوطنية، وفقا لأستاذ علم الاجتماع والأنثروبولوجيا بجامعة محمد الأول بوجدة، الصديق الصادقي العماري.
وأكد العماري، في تصريحه لـSNRTnews، أن العمل الجمعوي يعد اليوم أحد أهم قنوات التنشئة الاجتماعية للشباب، إذ يتيح لهم التعبير عن ذواتهم بشكل جماعي، ويغرس فيهم قيم المسؤولية والمواطنة الفاعلة.
وأضاف أن الممارسة الجمعوية تمكن الشباب من الانتقال من موقع المتفرج إلى الفاعل، وتخلق لديهم إحساسا بالانتماء، كما تسهم في إعادة بناء الثقة بين الفرد ومحيطه، خصوصا في سياقات تشهد تحولات قيمية وثقافية عميقة.
ويشير الباحث في علم الاجتماع إلى أن العمل الجمعوي شهد تحولات كبيرة قبل سنة 2011 وبعدها، حيث كانت الجمعيات تقوم بأدوار طلائعية على مستوى الشبيبة والأطفال، مثل النوادي الثقافية والأدبية وحلقات النقاش، لتكمل أدوار الأسرة والمجتمع في التربية والتعليم على القيم.
وتوسعت هذه الأدوار بعد سنة 2011 لتشمل الديمقراطية التشاركية، من حق الترافع المدني والتظاهر وصولا إلى المشاركة في مراقبة السياسات العمومية، ما أتاح للشباب مساحة للتعبير عن حقوقهم ومصالحهم، وفق الدستور الجديد.
غير أن الواقع الميداني يظهر أن كثيرا من الجمعيات لم تعد قادرة على تلبية احتياجات الشباب ولا تواكب تطورهم، إذ أصبح العمل الجمعوي أحيانا وسيلة لتحقيق مصالح شخصية، بدل أن يكون أداة للتنمية المجتمعية، ليكون متأرجحا بين المصلحة الخاصة وخلق الوجاهة الاجتماعية داخل المجتمع.
ويؤكد العماري أن الحركات الاحتجاجية التي تشهدها الساحة اليوم، والتي تركز على مطالب التعليم والصحة والعمل، تعكس فقدان الشباب للثقة في المؤسسات بما فيها الجمعيات، التي قد يرى فيها البعض أنها لا تمارس العدالة الاجتماعية ولا تخدم مصالح المجتمع، ما يعكس حاجة ماسة إلى إعادة بناء منظومة العمل الجمعوي على أسس شفافة وذات مصداقية، قادرة على استقطاب الشباب وتمكينهم من ممارسة دورهم في التنمية بطريقة ملموسة ومسؤولة.
ويضيف الباحث أن تأهيل العمل الجمعوي رهين بمدى القدرة على بناء حكامة ديمقراطية داخل الجمعيات، قائمة على الشفافية والمساءلة، لأن الشباب بحاجة إلى فضاءات يشعرون فيها بأن صوتهم مسموع وأن مبادراتهم تحظى بالثقة والدعم.
من جانبها، ترى ليلى فجاح، رئيسة جمعية السلام للإنماء الاجتماعي - فرع أنفا بالدار البيضاء، أن العمل الجمعوي ليس مجرد تطوع، بل مدرسة للحياة ومجالا لتعلم القيادة والتواصل والابتكار، وتأسيس جسر ثقة بين الشباب والجمعيات والمجتمع.
وتوضح فجاح، في تصريحها لـSNRTnews، أن الجمعية عملت على تأطير الشباب ضمن "نادي بذور السلام"، بهدف التربية على قيم المواطنة والعطاء والانضباط، وتمكينهم من الانخراط في مشاريع مجتمعية متنوعة تشمل الأنشطة الثقافية والتطوعية والخيرية، مثل حفر الآبار، ومساعدة الأيتام، وتنظيم القوافل الطبية.
وتشير فجاح إلى أن البرامج التي تشرف عليها الجمعية لا تقتصر على الأنشطة العملية فقط، بل تشمل لقاءات فكرية وورشات حول القيادة، والحياة الجمعوية، وريادة الأعمال الاجتماعية، وهي كلها من اختيار الشباب ، كما أن قواعد الانخراط والعمل من اقتراحهم، ما يساعد الشباب على تشكيل وعي وهوية خاصة، وإعداد جيل متوازن قادر على المبادرة والمشاركة في التنمية المحلية.
ورغم هذه الإيجابيات، ترى رئيسة الجمعية أن العمل الجمعوي يواجه تحديات عدة، أبرزها هيمنة الأجيال القديمة على التسيير، وضعف إشراك الشباب في مواقع القرار، وغياب رؤية واضحة لدعم الجمعيات الشبابية، بالإضافة إلى الخلط بين العمل السياسي والعمل الجمعوي، مشيرة إلى أن تجاوز هذه العراقيل يتطلب "تشبيب" الهياكل الجمعوية، وبناء شراكات بين القطاعين العام والخاص لتوفير التمويل والتكوين، مع ترسيخ ثقافة التطوع والالتزام الجماعي.
وتشدد فجاح على أن العمل الجمعوي يظل فرصة ثمينة للشباب المغربي، سواء على مستوى اكتساب المهارات الحياتية أو المشاركة في الحياة العامة، لكنه يحتاج إلى إصلاح مستمر، لضمان أن يظل جسرا بين الشباب والمجتمع، يعكس قيم العدالة والمواطنة، ويحفز الأجيال القادمة على المساهمة الفعلية في بناء وطنهم.
مقالات ذات صلة
مجتمع
مجتمع
مجتمع
مجتمع