فن وثقافة
“البرّانيّ المتجذّر” لعثمان لكعشمي: نحو أنثروبولوجية للضيافة المغربية
12/10/2025 - 10:21
SNRTnews
يقدم الباحث والإثنوغرافي عثمان لكعشمي عملا أنثروبولوجيا بعنوان "البرّانيّ المتجذّر، الانعكاسية المتبادلة، نحو أنثروبولوجية للضيافة".
يقع المؤلف في 194 صفحة، ويسعى الكاتب من خلاله إلى بناء تصور علمي جديد حول الضيافة بوصفها ظاهرة اجتماعية وثقافية وإنسانية عميقة الجذور في المجتمعات المغاربية والعربية.
الكتاب، الذي استغرق إنجازه أكثر من عامين ونصف من العمل الميداني والنظري، يمثل ثمرة سبع سنوات من البحث والتأمل في موضوع الضيافة، بين الفحص الإثنوغرافي الدقيق والتحليل الفينومينولوجي المتعمق. وهو، بحسب مؤلفه، أول عمل في العلوم الاجتماعية يتناول الضيافة بالدراسة والتحليل في فضاء المغارب والمشارق، في محاولة لتأسيس "أنثروبولوجية للضيافة" من منظور عربي-إسلامي.
يرتكز الكتاب على دراسة حالة مغربية محددة هي "ضيافة دكالة"، في المجال التاريخي لقبائل دكالة الواقعة في الساحل الأطلسي الأوسط، والمعروفة بكرمها وجودها.
ويعالج لكعشمي ما يسميه "ضيافة البرّاني المتجذّر"، أي الغريب المحلي، بوصفها تجربة إنسانية واجتماعية مركبة تتجاوز فكرة "الضيف" إلى عمق العلاقة بين "الداخل" و"الآخر".
ويعد هذا العمل جزءا من بحث أشمل يعنى بدراسة الشروط الاجتماعية للضيافة ورمزيتها الثقافية وأشكالها الاجتماعية وتاريخها الاجتماعي في المجتمعات العربية الإسلامية.
وإن كان الرهان الأساس لهذا الكتاب هو دراسة الأشكال الأساسية للضيافة فإن الباحث اهتدى إلى مفهوم فينومينولوجي للضيافة "البَرَّانِيُّ المُتَجَذِّرُ"، وما يقوم عليه من استراتيجية منهجية انعكاسية تمخضت من صميم البحث: الانْعِكَاسِيَّة المُتَبَادَلَة. من شأن هذا المفهوم أن يفتح آفاقا أمام دراسة الأشكال الجديدة للضيافة في المغارب والمشارق، كما هو شأن الأشكال الجديدة للحركية والهجرة والنزوح واللجوء وغيرها.
ينطلق الكاتب من ملاحظة أن الضيافة ليست مجرد سلوك اجتماعي بل نسق رمزي وثقافي، تحكمه منظومة من القيم والعلاقات والطقوس، مثل نظام "الزرورة" (اقتصاد اجتماعي تبادلي)، وقانون الضيافة المقدسة الذي يؤطر فعل الاستقبال والكرم، إضافة إلى ما يسميه "ضيافة الغضبان"، التي ساهمت في تخصيب ذلك المفهوم واختماره. ليتسنى للقارئ فهم الكيفية التي تستحيل فيها الضيافة إلى نقيضها؛ إذا كانت الضيافة تساهم في تحويل البراني إلى جواني) حالة ضيافة الشرفاء(، فإن الامتناع عنها يؤدي إلى تحويل الجواني إلى براني) حالة ضيافة الغْضْبَانْ.
الانعكاسية المتبادلة: الأنثروبولوجي كـ"ضيف محترف"
يقدم لكعشمي في هذا العمل مفهوما منهجيا أصيلا أسماه "الانعكاسية المتبادلة"، وهو تصور يجعل من تجربة الباحث نفسه جزءا من موضوع الدراسة، حيث يصبح الإثنوغرافي ضيفا محترفا يعيش الضيافة ويصفها من داخلها، في علاقة تبادلية مع مضيفيه. من خلال هذا المنظور، يعيد المؤلف تعريف دور الأنثروبولوجي باعتباره ليس فقط مراقبا أو محللا، بل مشاركا في بناء المعرفة من داخل التجربة الإنسانية التي يدرسها.
يقود الكتاب القارئ في ثلاثة فصول متكاملة:
الفصل الأول يرسم السياق التاريخي والاجتماعي والثقافي لدكالة وضيافتها، كأرضية ضرورية لفهم الخصوصيات المحلية.
الفصل الثاني يقدم فينومينولوجيا الضيافة كما عاشها الباحث ميدانيا، من "ضيافة الإثنوغرافي" إلى "إثنوغرافية الضيافة"، جامعا بين الملاحظة والوصف والسرد.
الفصل الثالث ينتقل إلى مستوى التأويل، عبر مقارنة أنثروبولوجية وفلسفية بين مفاهيم الضيافة في التراثين العربي والغربي: من جاك دريدا إلى مارسيل موس، ومن هوميروس إلى الجاحظ، وبين البراني الوافد والبراني المتجذر، في حوار معرفي يعكس تفاعلا بين لسان العرب ولسان العجم.
من خلال هذا العمل، يسعى عثمان لكعشمي إلى تأصيل مقاربة عربية للأنثروبولوجيا تستمد أدواتها من المعيش المحلي وتجارب الضيافة اليومية، التي يراها آلية لإنتاج المعنى والهوية، ولإعادة التفكير في العلاقة بين الأنا والآخر في زمن الهجرة والنزوح والعولمة.
مقالات ذات صلة
فن و ثقافة
فن و ثقافة
فن و ثقافة
فن و ثقافة