مجتمع
الأحكام القضائية.. قوة القانون تواجه تحديات التنفيذ
09/11/2025 - 23:24
خولة ازنيزني
يشكل تنفيذ الأحكام القضائية النهائية إحدى الركائز الأساسية لضمان سيادة القانون وترسيخ العدالة وحماية حقوق الأفراد والمؤسسات على حد سواء.
ما يزال النقاش قائما حول التأخر في تنفيذ هذه الأحكام، سواء تلك الصادرة ضد الأفراد أو ضد المؤسسات العامة أو الخاصة، من قبيل شركات التأمين، مما يطرح تساؤلات حول كفاءة آليات التنفيذ والوسائل القانونية والإدارية المتاحة، وكيفية تحقيق التوازن بين حماية حقوق الأفراد وضمان استمرارية المرافق العامة، في إطار يعكس احترام القانون والعدالة معا.
يؤكد المحامي محمد الهيني، أن عدم تنفيذ الأحكام أو التأخر فيها يلحق ضررا بالغا بالمحكوم له ويقوض ثقة المواطنين في الجهاز القضائي.
ويضيف المحامي بهيئة الرباط، في تصريحه لـSNRTnews، أن الجسم القانوني ما فتئ يطالب بالالتزام بقرارات القضاء واحترام الأحكام النهائية التي اكتسبت قوة الشيء المقضي به، سواء تلك التي صدرت ضد الدولة أو مؤسساتها، مبرزا أن تنفيذ الحكم يمثل أسمى تعبير عن احترام الحقوق الإنسانية وسيادة القانون.
ويشير الهيني إلى أن الهدف الجوهري من الأحكام القضائية هو إرجاع الحق إلى صاحبه داخل أجل معقول، عبر النفاذ الفعلي لمنطوق القانون، لكن حين يتأخر التنفيذ، يتحول الحكم إلى قرار شكلي بلا أثر عملي، ما يؤدي إلى تعطيل استفادة المتقاضين من حقوقهم التي يفترض أن يحميها القضاء.
ويرى أن تنفيذ الأحكام يقتضي تعبئة كل الوسائل القانونية الممكنة، بما فيها تسخير القوة العمومية، باستثناء الحالات الاستثنائية التي تبرر عدم التقيد بحجية الشيء المقضي به، وهي قرينة قانونية على أن الحكم عنوان للحقيقة.
ويعدد الهيني أبرز الصعوبات التي تعرقل التنفيذ، مصنفا إياها إلى ثلاث فئات رئيسية:
- صعوبات قانونية: غموض منطوق بعض الأحكام، واستغلال المنفذ عليهم للمهل المخففة، وتعقيدات إجراءات التبليغ.
- صعوبات بشرية ولوجيستية: نقص أعوان التنفيذ والمفوضين القضائيين، وضعف الوسائل المادية، والاعتماد على الأساليب اليدوية بدل الرقمنة.
- صعوبات موضوعية: عجز السلطات المحلية عن استعمال القوة العمومية، وصعوبات مالية لدى المتقاضين في المناطق النائية، ومماطلة بعض البنوك أو المحاسبين العموميين في تنفيذ الحجز التنفيذي، وصعوبة بيع المحجوز أو تبديده، إلى جانب إهمال بعض طالبي التنفيذ أو محاميهم متابعة الملفات وما تتطلبه من مصاريف، فضلا عن صعوبة العثور على المنفذ عليهم أو وفاة بعضهم.
تنفيذ الأحكام في مواجهة شركات التأمين
يواجه تنفيذ الأحكام الصادرة ضد شركات التأمين بدوره صعوبات متكررة، خاصة تلك المتعلقة بالتعويضات الناتجة عن حوادث السير أو الشغل.
ومن بين أبرز الإشكالات التي أشار إليها الهيني: غياب جهات مختصة بمتابعة التنفيذ داخل الشركات، وعدم بيع الأصول العقارية لتوفير السيولة، وتوقف عمليات التنفيذ خلال فترات العطل أو نهاية السنة، وحصر التنفيذ في عدد محدد من الملفات أو ضمن غلاف مالي مضبوط سلفا.
ويقترح الهيني ضرورة إرساء استراتيجية واضحة لمتابعة التنفيذ ضد شركات التأمين، من خلال تفعيل مساطر التنفيذ الجبري لتحريكها من حالة الاطمئنان إلى حالة الالتزام، إلى جانب تتبع أقسام التنفيذ بالمحاكم لتحديد مكامن الخلل، وحث وزارة المالية على مراقبة تدبير هذه الشركات، فضلا عن تنظيم اجتماعات دورية بين ممثلي القضاء وشركات التأمين لتقييم وضعية التنفيذ، على أن يكلف قضاة مختصون بإعداد تقارير فصلية دقيقة حول الملفات العالقة.
تنفيذ الأحكام ضد أشخاص القانون العام
أما في ما يتعلق بالمؤسسات العمومية، فيخضع تنفيذ الأحكام القضائية ضدها لمجموعة من التحديات ذات الطابع المالي والقانوني.
حسب المحامي عبد الرحيم بوحميدي من هيئة الرباط، فإن الأحكام الصادرة ضد الأشخاص الخاضعين للقانون العام تواجه عقبات إضافية، لعل أبرزها التذرع بعدم توفر اعتمادات مالية، أو التعقيدات المتعلقة ببرمجة المبالغ المحكوم بها ضمن قانون المالية، إضافة إلى غياب مناصب مالية لتطبيق بعض الأحكام المتعلقة بإلغاء قرارات العزل أو التوظيف.
ويؤكد بوحميدي، في تصريحه لـSNRTnews، أن الإدارة ملزمة قانونا بسلوك نهج “الرجل الشريف”، أي الخضوع الإرادي والتلقائي للقانون، ليس فقط بالامتناع عن مخالفته، بل أيضا باتخاذ كل الإجراءات اللازمة لتنفيذ الأحكام القضائية. فالتقاعس عن التنفيذ، دون مبرر قانوني، يعد شططا في استعمال السلطة وخرقا لمبدأ الشرعية وسيادة القانون، لما يترتب عليه من مساس بالنظام العام وتعطيل لوظيفة القضاء.
ويُضيف أن الإشكالات القانونية والمؤسساتية ترتبط بتعدد المتدخلين وتداخل الاختصاصات وتعقيد المساطر، فضلا عن تعارض بعض النصوص الخاصة بمسؤولية مراقبي الالتزام بالنفقات أو المحافظين العقاريين مع مبدأ حجية الشيء المقضي به.
ومن جهة أخرى، لا يزال الحجز على الأموال العمومية ممنوعا، انسجاما مع مبدأ استمرارية المرفق العام، لكن القضاء أجاز استثناء الحجز على الأموال الخاصة لأشخاص القانون العام متى تبين أن ذلك لا يعطل سير المرفق العمومي، أو كانت الأموال مرصودة أصلا للتنفيذ.
ويشير بوحميدي إلى أن أغلب التأخيرات في التنفيذ ترجع إلى غياب السيولة المالية أو حالات الإفلاس، ما يجعل المواطن يعيش نصرا قضائيا دون أثر واقعي، مستشهدا بالمادة التاسعة من قانون المالية لسنة 2020، التي منعت الحجز على أموال الدولة خلال الأربع سنوات التالية لتقديم طلب التنفيذ.
إشكال قانوني
كما يستند تنفيذ الأحكام ضد الإدارة إلى المادة السابعة من القانون رقم 41.90 المحدث للمحاكم الإدارية، التي تحيل على تطبيق قواعد المسطرة المدنية ما لم يوجد نص خاص، غير أن هذا القانون لم يضع تفاصيل عملية لكيفية التنفيذ ضد الإدارة، باستثناء المادة 49 التي تنص على أن التنفيذ يتم بواسطة كتابة الضبط.
كما أن الفصلين 149 و436 من قانون المسطرة المدنية تطرقا إلى الصعوبات في التنفيذ دون تحديد آليات واضحة لإجبار الإدارة عليه، في حين يمنح الفصل 428 أجلا طويلا لسقوط الأحكام يصل إلى ثلاثين سنة، ما يجعل بعض المواطنين يعيشون حالة "نصر رمزي" بلا أثر مادي.
ورغم هذا الفراغ التشريعي، فقد اجتهد القضاء المغربي في إقرار آليتين أساسيتين لضمان التنفيذ:
- الغرامة التهديدية: وسيلة مالية لإجبار الجهة الممتنعة على التنفيذ، دون أن تعتبر تعويضا عن الضرر.
- الحجز لدى الغير: ويطبق على الأموال الخاصة للدولة أو المؤسسات العمومية عند الامتناع غير المبرر عن التنفيذ، مع استثناء الأموال العامة المخصصة للمرفق العمومي.
وقد صدرت عدة أحكام قضائية تجيز الحجز على الأموال الخاصة للإدارات والمؤسسات العمومية من أجل تنفيذ التعويضات لفائدة المحكوم لهم، مع الحرص، في المقابل، على حماية استمرارية الخدمات العامة.
ويخلص بوحميدي إلى أن الحاجة باتت ملحة لتدخل تشريعي صريح يميز بوضوح بين الأموال العامة والخاصة، ويحدد آليات تنفيذ الأحكام ضد الإدارة دون الإضرار بالمرافق العمومية، مع التنصيص على تجريم الامتناع غير المبرر عن التنفيذ، ضمانا لهيبة القضاء وحماية لحقوق المواطنين.
مقالات ذات صلة
مجتمع
سياسة
سياسة
سياسة