اقتصاد
وهم "التسهيل الرقمي".. كيف يغيب الأداء الإلكتروني "ألم الدفع" في المعاملات اليومية؟
21/07/2026 - 10:19
فدوى العزيزي
شهدت السلوكيات الاستهلاكية في الحواضر المغربية الكبرى تحولا لافتا في السنوات الأخيرة، حيث انتقل نمط العيش تدريجيا من الاعتماد الكلي على السيولة النقدية "الكاش" إلى الانفتاح المتزايد على وسائل الأداء الإلكتروني عبر البطاقات البنكية وتطبيقات الهواتف الذكية.
هذا التحول، الذي تسارع بوضوح منذ أزمة الجائحة الصحية العالمية، يضع المستهلك اليوم أمام معادلة سيكولوجية واقتصادية معقدة، فبينما توفر الرقمنة سلاسة وأمانا في التدبير اليومي، يرى خبراء علم النفس والطب النفسي أن غياب الملموسية في المعاملات الرقمية قد يتحول إلى "مكابح معطلة" تدفع نحو الإنفاق الاندفاعي وتجاوز الميزانيات المحددة.
بين الافتراضي والملموس.. جدلية الوعي البشري بالمال
تختلف الطريقة التي يتفاعل بها الدماغ البشري مع إنفاق المال باختلاف وسيلة الأداء المعتمدة. وفي هذا السياق، يرى الأخصائي في علم النفس، الدكتور أبو بكر حركات، أن كل ما يحمل طابعا افتراضيا في المعاملات المالية يساهم في إبعاد المستهلك عن الواقع ويجعله يعيش في عالم من الخيال. هذا الوضع، بحسب الدكتور حركات، يؤثر بشكل مباشر على اللاوعي لدى الأفراد، مما يجعلهم ينساقون بسهولة وراء التوجيهات والأنماط التي يسطرها النظام المالي والبنكي وتطبيقها تلقائيا. حيث يساهم غياب النقد المادي (الكاش) في إضعاف "ألم الدفع"، في المقابل، تحول البطاقات والتطبيقات عملية الإنفاق إلى تجربة مجردة وخالية من الإحساس الفوري بالعبء المالي، مما يسهل توجيه سلوك المستهلك وتكييفه وفقا لآليات النظام المصرفي الحديث.
الرقمنة كـ"مخدر سيكولوجي" لغريزة الحرص
من جانبه، يدرج الأخصائي في الأمراض العقلية، الدكتور خالد أقزة، هذه الظاهرة السلوكية في خانة الإدمان السلوكي الذي يتقاطع بوضوح مع سلوكيات أخرى مثل الألعاب المرضية أو القمار، نظرا لاعتماده على نفس آليات إثارة الدماغ. ويشرح الدكتور أقزة الآلية البيولوجية لهذه العملية مبينا أن الدماغ البشري، وتحديدا الجهاز الحوفي المسؤول عن العواطف والذاكرة، يبحث غريزيا عن الطرق السهلة والمحفزة التي تساعده على إفراز مادة الدوبامين والأندورفين المرتبطة بالمتعة والنشاط. وحينما تتدخل تطبيقات الأداء والشركات البنكية بتقديم إغراءات وتسهيلات تقنية، فإنها تخاطب هذا الجانب البيولوجي لتسهيل الفعل الاستهلاكي وجعله يمر دون عوائق. وتمتلك هذه المنطقة كفاءة عالية في تفعيل الذاكرة، حيث تحتفظ بالتجارب الإيجابية وتفرز الدوبامين بناء عليها، مما يدفع الفرد لتكرار السلوك الاستهلاكي مرارا وتكرارا دون وعي كاف بالعواقب المالية المؤجلة.
الاندفاع الصيفي وآليات الإغراء الرقمي
تتضاعف مخاطر هذا الإنفاق الافتراضي خلال فترات محددة من السنة، أبرزها فصل الصيف. ويشير بوبكر حركات إلى أن هذا الفصل يتسم بزيادة المغريات ومحفزات الإنفاق، مثل الخروج المتكرر، ارتياد المقاهي، والذهاب إلى البحر. وفي ظل هذه الأجواء، تصبح بطاقات الائتمان وسيلة لتلبية الرغبات الآنية، حيث يؤكد حركات أن إمكانية اللجوء إلى صرف أموال لا نملكها بواسطة بطاقات الاقتراض البنكية تدغدغ مشاعرنا، وتجعل الفرد ينساق وراء فكرة إمتاع النفس وتسييد سيرورة المتعة اللحظية، وهو ما ينتهي بنشوء سلوك استهلاكي يفرط فيه الشخص في الإنفاق عبر البطاقة دون أن ينتبه حقيقة لحجم المبالغ التي دفعها.
وفي نفس السياق، تلجأ الشركات والتطبيقات المصرفية إلى ابتكار آليات إغراء وتسهيلات متطورة تستهدف مباشرة النظام العصبي المركزي للمستهلك. حيث يؤكد الدكتور أقزة أن هذه الجهات تعتمد على تحفيز الذاكرة البصرية للمستهلك عبر العينين، والذاكرة السمعية عبر الأذنين، وهي تفاصيل مدروسة بعناية لتسهيل السلوك الاستهلاكي وجعله تلقائيا وسريعا.
التباين السوسيولوجي والقابلية النفسية بين الأفراد
عند إسقاط هذه المقاربات على الواقع السلوكي، يتضح أن التفاعل مع الوسائل المالية الحديثة ليس متجانسا، بل يخضع لتباينات سوسيولوجية وبيولوجية واضحة تحكم خيارات الأفراد. وفي هذا الصدد، يوضح الأخصائي النفسي بوبكر حركات أن الوسط الحضري، لا سيما بين الأطر وذوي المستويات التعليمية المتقدمة، يشهد انتشارا متزايدا لبطاقات السحب والائتمان حتى أصبحت جزءا أساسيا من النمط المعيشي اليومي وتدبير المصاريف. وفي المقابل، يؤكد حركات أن التعامل بالبطاقات البنكية يظل غائبا أو محدودا للغاية في الوسط القروي وفي الأحياء الهامشية أو الشعبية، حيث تظل الأوراق النقدية والسيولة المالية هي القاسم المشترك والأداة الرئيسية للتعامل لدى فئات عريضة من المجتمع قاطبة.
ومن جهته، يربط الدكتور خالد أقزة هذا التباين بالاستعداد البيولوجي والنفسي، موضحا أن هذا الإدمان السلوكي لا يصيب الجميع بنسق واحد، بل يخص بالأساس الأفراد الذين لديهم قابلية مسبقة للاستجابة لهذا النوع من الإدمانات. ويشير أقزة إلى أن الجهاز العصبي لهؤلاء الأشخاص يميل بيولوجيا نحو اختيار السلوكيات السهلة والميسرة التي تحفز إفراز مادة الدوبامين وهرمونات النشاط، مما يدفعهم إلى الاستمرار في استهلاك مواردهم المالية عبر الإنفاق الرقمي بكل اندفاعية ودون وعي حقيقي بحجم المبالغ المنفقة لحين نفادها بالكامل، ليواجهوا بعد ذلك حالة حادة من الندم وجلد الذات على عدم كبح ذلك الاندفاع.
النقد الملموس كآلية للتحكم والتحصن النفسي
يرتبط التشبث بالسيولة النقدية (الكاش) في الثقافة السلوكية برغبة واعية في الحفاظ على السيادة المالية الشخصية. ويوضح بوبكر حركات أن الكثير من الأفراد يفضلون عد نقودهم بأنفسهم ومعرفة حجم المبالغ التي صرفوها بدقة وما المتبقي منها. هذا السلوك يمثل آلية دفاعية ونفسية تمنح الفرد شعورا بالسيطرة والتحكم في ميزانيته، ويفسر سبب استمرار النظام البنكي في الاعتماد على السيولة نظرا لرفض الكثيرين أن تتحكم الأنظمة المصرفية في مصائرهم المالية.
ولمواجهة هذه القابلية البيولوجية للاندفاع، يشير الدكتور أقزة إلى أن بعض الأفراد الذين يرتفع لديهم الوعي بخطر هذا السلوك يلجؤون إلى آليات تحصن ذاتية واعية كخطوة كبح دفاعية، مثل إخفاء البطاقة البنكية، إلغائها، أو تجنب استخدام شيكات الدفع. ويهدف هذا السلوك إلى إجبار جهازهم العصبي على خوض المسارات الصعبة بدلا من الطرق الرقمية السهلة، مما يعيد فرض العقلانية على سلوكهم الاستهلاكي.
تحول تدريجي وحتمي نحو المستقبل الرقمي
بالرغم من المقاومة النفسية والثقافية للتحول الرقمي الكامل, إلا أن المؤشرات تؤكد أن نمط التعامل المالي يشهد تحولا تدريجيا ولكنه ثابت. وقد شكلت أزمة جائحة كورونا نقطة تحول بارزة سرعت من وتيرة الاعتماد على الدفع الإلكتروني والبطاقات البنكية.
ويخلص بوبكر حركات إلى أن هذا التحول مرشح للاستمرار والتوسع بشكل أكبر خلال العقد أو العقدين القادمين، حيث يتوقع أن تصبح بطاقات الائتمان والاقتراض هي الوسيلة الأكثر رواجا وهيمنة. ويؤكد حركات في ختام رؤيته أن هذا التوجه يمثل منحى عالميا حتميا لا يمكن الحياد عنه، مما يفرض على المجتمعات تطوير وعي استهلاكي ونفسي جديد يتناسب مع تحديات المحفظة الرقمية وافتراضية المال.
مقالات ذات صلة
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد