اقتصاد
خفض رسوم الأداء الإلكتروني.. هل ينجح في تسريع رقمنة تجارة القرب؟
13/07/2026 - 23:25
خولة ازنيزني
يترقب تجار القرب ابتداء من فاتح أكتوبر 2026 دخول قرار جديد لبنك المغرب يقضي بخفض رسوم التبادل الخاصة بالأداء الإلكتروني، في خطوة ينتظر أن تخفف الكلفة التي يتحملها التجار عند قبول الأداء بالبطاقات البنكية TPE أو عبر الوسائل الرقمية، وتشجع عددا أكبر منهم على اعتماد هذه الخدمات.
ويأتي هذا الإجراء في وقت يراهن فيه المغرب على تسريع التحول الرقمي، وتعزيز الشمول المالي، والاستعداد لاستقبال تظاهرات دولية كبرى ستستقطب أعدادا متزايدة من السياح الذين يعتمدون بشكل أساسي على وسائل الأداء الإلكتروني.
وقرر بنك المغرب، بموجب قراره التنظيمي رقم 265/و/2026، تخفيض السقف العام لرسوم التبادل الخاصة بالأداءات الإلكترونية المحلية من 0.65 إلى 0.50 في المائة، دون احتساب الضريبة، مع تحديد سقف تفضيلي لا يتجاوز 0.15 في المائة لفائدة الخدمات الحكومية الإلكترونية وتجار القرب، على أن يدخل القرار حيز التنفيذ ابتداء من فاتح أكتوبر المقبل.
وأوضح البنك أن رسوم التبادل تشكل إحدى مكونات عمولة الاقتناء التي يؤديها التاجر مقابل قبول الأداء بواسطة البطاقات البنكية، مؤكدا استمرار حظر تحميل هذه الرسوم للزبون، إذ تبقى على عاتق التاجر مهما كانت وسيلة الأداء المستعملة.
كما ألزم القرار مؤسسات الأداء بإدراج تفاصيل الرسوم المطبقة ضمن العقود المبرمة مع التجار، مع الحرص على إظهار وسائل الأداء المقبولة داخل نقاط البيع، بما يعزز شفافية العلاقة بين مختلف المتدخلين.
ويأتي هذا القرار ثمرة تنسيق بين بنك المغرب ومجلس المنافسة، في إطار مواصلة تنفيذ الإصلاحات التي أطلقت منذ سنة 2024، والتي شملت إنهاء احتكار مركز النقديات لنشاط اقتناء الأداءات الإلكترونية وفتح السوق أمام فاعلين جدد، بما أتاح الانتقال إلى نموذج تنافسي متعدد المستحوذين، وأسهم في تنويع الخدمات وخفض العمولات المفروضة على التجار.
تخفيف الكلفة وتحفيز التجار
في هذا السياق، اعتبر الكاتب العام للاتحاد العام للمقاولات والمهن، محمد ذهبي، أن القرار يمثل خطوة مهمة نحو تعميم الأداء الإلكتروني، مؤكدا أن ارتفاع الاقتطاعات كان من أبرز الأسباب التي دفعت عددا من تجار القرب إلى العزوف عن اعتماد هذه الوسائل.
وأوضح ذهبي، في تصريح لـSNRTnews، أن المرحلة المقبلة تفرض على تجار القرب الانخراط في التحول الرقمي، خاصة مع استعداد المغرب لاستقبال تظاهرات دولية كبرى، وما سيرافقها من توافد سياح أجانب يفضلون الأداء بواسطة البطاقات البنكية أو الهواتف الذكية.
وأضاف أن التاجر كان يتحمل سابقا اقتطاعات مرتفعة، تزداد خصوصا عند استعمال البطاقات الأجنبية، وهو ما كان يقلص هامش الربح ويجعل الكثيرين يفضلون التعامل النقدي، معتبرا أن خفض الرسوم سيسهل المعاملات ويشجع على توسيع استعمال وسائل الأداء الحديثة.
وأشار إلى أن الاتحاد يواصل التنسيق مع وزارة الصناعة والتجارة من أجل إقرار تحفيزات إضافية لفائدة التجار، من بينها تقليص أو إعفاء العمولات المرتبطة بخدمات تعبئة رصيد الهاتف، بما يساعدهم على تغطية جزء من تكاليفهم التشغيلية.
وشدد ذهبي على أن نجاح هذا الورش لا يرتبط فقط بتخفيض الرسوم، بل يتطلب أيضا برامج للتكوين والمواكبة الميدانية لفائدة التجار، حتى يتمكنوا من استعمال الوسائل الرقمية بثقة، مع تجاوز التخوفات المرتبطة بالرقمنة أو بالجانب الضريبي.
وأكد أن أجهزة الأداء عبر الهاتف أصبحت متاحة لدى مختلف المحلات التجارية، شأنها شأن أجهزة الأداء بالبطاقات البنكية، غير أن الحاجة ما تزال قائمة إلى تبسيط بعض الإجراءات، إلى جانب تكثيف حملات التحسيس لإقناع المواطنين بأن الأداء الإلكتروني آمن وسهل ولا يترتب عنه أي رسوم إضافية بالنسبة للمستهلك.
كما دعا إلى استلهام تجارب دولية ناجحة، من بينها التجربة الكينية، التي وسعت استعمال الأداء عبر الهاتف من خلال ربطه ببطاقات تعبئة الهاتف بدل الحسابات البنكية، ما مكن مختلف الفئات الاجتماعية من الولوج إلى هذه الخدمة.
تعزيز الشفافية والحد من الاقتصاد غير المهيكل
من جانبه، يرى الاقتصادي ورئيس المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة، رشيد ساري، أن خفض رسوم الأداء الإلكتروني سيساهم في تشجيع التجار على اعتماد وسائل الأداء الرقمية، بما ينعكس إيجابا على الاقتصاد الوطني.
وأوضح، في تصريح لـSNRTnews، أن توثيق المعاملات الإلكترونية سيساعد على تعزيز الشفافية المالية، والحد من أنشطة القطاع غير المهيكل، فضلا عن توسيع الوعاء الضريبي، باعتبار أن جميع العمليات تصبح موثقة وقابلة للتتبع المحاسباتي.
وأضاف أن الاعتماد المفرط على الأداء النقدي ما يزال من أبرز العوائق أمام تطور الرقمنة المالية بالمغرب، مشيرا إلى أن تداول "الكاش" يظل مرتفعا مقارنة بعدد من الدول التي تواجه تحديات مشابهة، إذ لا تتجاوز نسبته 2 في المائة في كينيا و12 في المائة في مصر، بينما تفوق 28 في المائة بالمغرب.
وأكد أن قطاعات حيوية، مثل تجارة القرب والفنادق والمطاعم، مطالبة اليوم بتوفير وسائل الأداء الإلكتروني، خصوصا مع الارتفاع المتواصل في عدد السياح وعائدات القطاع السياحي، لأن غياب هذه الخدمات قد يؤثر على جودة تجربة الزوار ويحد من تنافسية المؤسسات المغربية.
وأشار إلى أن الأداء الإلكتروني لا يقتصر على المشتريات التجارية، بل أصبح يسهل الحياة اليومية للمواطن، سواء في أداء الفواتير أو الولوج إلى مختلف الخدمات الإدارية والمالية.
في المقابل، لفت ساري إلى أن تعميم هذه الوسائل قد يصطدم بتحفظ بعض التجار والمواطنين، مرجعا ذلك إلى ضعف الثقافة الرقمية، وصعوبة استعمال بعض المنصات، إضافة إلى التخوف من الهجمات السيبرانية، رغم عدم تسجيل حالات بارزة مرتبطة بوسائل الأداء الإلكتروني.
وأضاف أن نسبة مهمة من المواطنين ما تزال تفضل الأداء نقدا والانتظار في الطوابير للتأكد من إنجاز العملية، معتبرا أن الأمية الرقمية تظل من أبرز التحديات، داعيا إلى إطلاق مبادرات تحفيزية، من قبيل منح خصومات أو امتيازات للزبائن الذين يعتمدون الأداء الإلكتروني، بما يساهم في تغيير السلوك الاستهلاكي، وتقليص الاعتماد على النقد، وتسريع التحول نحو اقتصاد رقمي أكثر شفافية ونجاعة.
ضعف الثقافة الرقمية
من جهته، اعتبر أستاذ التعليم العالي بكلية الحقوق بالمحمدية والخبير في التخطيط الاستراتيجي والتنمية المحلية التشاركية، زهير الخيار، أن هذا القرار يشكل خطوة إيجابية من شأنها تشجيع التجار على اعتماد وسائل الأداء الرقمية، والمساهمة في الحد من تداول النقد، الذي ينعكس ارتفاعه سلبا على التوازنات الاقتصادية.
وأوضح الخيار، في تصريح لـSNRTnews، أن أي تخفيض في الرسوم أو التكاليف المفروضة على المقاولات ينعكس بشكل مباشر على تحسين تنافسيتها وتقليص أعبائها المالية، خاصة بالنسبة للمقاولات الصغرى والمتوسطة وتجار القرب، مضيفا أن هذه الخطوة ستشجع فئات جديدة من التجار والمواطنين على الانخراط في المنظومة المالية الرسمية، بما يسهل تتبع المعاملات، إلى جانب توفير الوقت والمرونة في إنجاز مختلف العمليات التجارية.
وأشار إلى أن تعميم الأداء الإلكتروني من شأنه أيضا خلق مناخ أكثر تنافسية بين الفاعلين الاقتصاديين، وتحفيزهم على تطوير خدماتهم وتحسين جودة منتجاتهم، غير أن نجاح هذا الورش يظل رهينا بتجاوز عدد من الإكراهات، في مقدمتها استمرار ثقافة التعامل بالنقد، والتفاوت في البنية التحتية الرقمية بين الوسطين الحضري والقروي، فضلا عن ضعف الثقافة الرقمية لدى شريحة من المواطنين.
كما دعا إلى اعتماد تحفيزات تشجع المواطنين على استعمال الأداء الإلكتروني، سواء عبر البطاقات البنكية أو الهواتف الذكية، من قبيل برامج المكافآت والامتيازات البنكية، معتبرا أن تقليص الاعتماد على "الكاش" أصبح ضرورة اقتصادية، بالنظر إلى انعكاساته على التوازنات المالية على المستويين الجزئي والكلي، ومساهمته في إبطاء وتيرة التحول الرقمي للاقتصاد الوطني.
ويأتي هذا التوجه في وقت يواصل فيه المغرب مواجهة الارتفاع المتزايد في تداول النقود. وكان بنك المغرب قد توقع أن يسجل تداول "الكاش" بنسبة 10,5 في المائة خلال سنة 2026، قبل أن يواصل ارتفاعه بنسبة 7,7 في المائة في 2027، بعدما انتقل معدل نمو الكتلة النقدية المتداولة من مستويات تراوحت سابقا بين 6 و7 في المائة إلى ما بين 11 و12 في المائة خلال السنوات الأخيرة.
وسبق لوالي بنك المغرب أن كشف أن حجم النقد المتداول ارتفع بنحو 130 في المائة خلال العقد الأخير، ليتجاوز 440 مليار درهم سنة 2024، بوتيرة أسرع من نمو الودائع لأجل، محذرا من انعكاسات هذا الوضع على السيولة البنكية. كما يتوقع البنك المركزي أن يتفاقم عجز السيولة ليبلغ 148,3 مليار درهم خلال السنة الجارية، قبل أن يصل إلى 169,4 مليار درهم في سنة 2027، وهو ما يعزز الرهان على توسيع استخدام وسائل الأداء الإلكتروني للحد من الاعتماد على "الكاش" وتعزيز رقمنة المعاملات المالية.
مقالات ذات صلة
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد