فن وثقافة
السيناريو اليوم.. جدلية الحصار والرحلة بين "الإلياذة" و"الأوديسة"
13/07/2026 - 14:04
محمد باكريم
إن السيناريو المعاصر، بعيداً عن كونه ابتكاراً اعتباطياً لمعاهد السينما، يمثل ساحة الصراع حيث تتواجه – بوعي أو بدونه – المصفوفتان السرديتان المؤسستان للثقافة الانسانية: أولا ما يمكن أن نسميه "جمود" التراجيديا الإلياذية، وثانيا "تدفق" التحول الأوديسي.
وإذا كانت السينما الحديثة قد نجحت في تعقيد بنياتها، فإنها تظل، في جوهرها، رقصةً بين قطبين: الاستقرار والحركة. وكانت أول مرة اسمع فيها عن "سيناريو-أوديسة" أثناء مداخلة سابقة للمخرج الكبير والسينمائي الفذ والرفيق العزيز مصطفى الدرقاوي.
إن الدرقاوي من أوائل من كسروا صرامة "السيناريو المحكم" في السينما المغربية. لقد كان يرى في السيناريو مسودة قابلة للحياة، وللخطأ، وللتعديل أثناء التصوير، وهو ما يطابق تماماً طبيعة الأوديسة حيث يتشكل المسار من خلال الصدفة والمواجهة.
أعود الى الموضوع اليوم كنوع من التمهيد لوصول الفيلم الحدث "أوديسة" كريستوفر نولان.
السيناريو كتوتر.. مصفوفة "الإلياذة"
يُعرّف النموذج الإلياذي السيناريو بضغط "وحدة المكان والزمان". في هذا التكوين، يصبح السرد أشبه بقدر يغلي تحت ضغط هائل، حيث تضيق المساحات وتتزعزع الأزمنة. إنها فن الحصار، أو الغرف المغلقة، أو الصراع العائلي الذي لا فكاك منه، حيث تُساق الشخصيات – المحاصرة – نحو مواجهة نهائية حتمية.
وفي السيناريو الراهن، تحكم هذه المصفوفة كل عمل يستند إلى مفهوم "القدر". فالتوتر لا يأتي من الخارج، بل من عجز الشخصيات عن مغادرة مواقعها. فالبطل الإلياذي يتحدد بطبيعته الثابتة: هو لا يتغير، بل يتكشف من خلال مقاومته. حين نكتب فيلماً يرتكز على الحتمية، أو ثقل الماضي، أو التراجيديا التي لا رجعة فيها، فإننا نمارس "سيناريو الإلياذة"، حيث يعرف المشاهد أن النهاية حتمية، وتكمن متعة السرد في كثافة المواجهة المباشرة. أذكر على سبيل المثال: "أحداث بدوتن دلالة" لمصطفى الدرقاوي، "بيضاوة" عبد القادر لقطع، "على زوا" نبيل عيوش، "ألف شهر" فوزي بنسعيدي...
السيناريو كتحول.. مصفوفة "الأوديسة"
في المقابل، تقوم مصفوفة "الأوديسة" على تراكم التجربة. هنا، السيناريو عبارة عن خط منكسر، وسلسلة من المحطات التي تشكل هوية البطل. الحركة ليست مجرد انتقال جغرافي، بل هي أداة معرفية؛ فكل محطة وكل اختبار يعمل كمرآة تغير من كينونة البطل.
إن السيناريو المعاصر، ولا سيما ما نطلق عليه "رحلة البطل"، هو إعادة كتابة دائمة لهذا البحث. فهو يفترض أن الفرد هو مجموع أسفاره. وإذا كانت الإلياذة تطرح سؤال "من أنت أمام الموت؟"، فإن الأوديسة تسأل "من أصبحت بعد ما رأيت؟". لذا، فإن سيناريو الأوديسة المعاصر هو سرد لـ"المرونة الإنسانية"، فهو يسمح باستكشاف عوالم، ودمج خصوم معقدين، والوصول إلى عودة لنقطة الانطلاق، ولكن بنظرة تغيرت جذرياً. أحيل إلى الأفلام التالية: "مكتوب" نبيل عيوش، "الثلث الخالي" فوزي بنسعيدي...
التوليف المعاصر.. تهجين البنيات
تكمن عبقرية السيناريو اليوم غالباً في قدرته على تهجين هاتين المصفوفتين. فقد يبدأ السرد كـ"أوديسة" – يرحل البطل، يكتشف، ويتطور – لينزلق فجأة إلى "إلياذة": فبمجرد الوصول إلى نقطة اللاعودة، تتوقف الرحلة، وينغلق العالم، ويصبح على البطل مواجهة قدره، ليس بحيلة المسافر، بل بمواجهة المحارب.
وعلاوة على ذلك، تتراكب هاتان المصفوفتان اليوم في الفضاء النفسي؛ إذ يمكن للشخصية أن تكون ساكنة فيزيائياً (نموذج الإلياذة)، محبوسة في زنزانة أو مكتب، بينما تعيش رحلة داخلية ملحمية (نموذج الأوديسة) تفكك هويته: "عنوان مؤقت" لمصطفى الدرقاوي، "النهاية" لهشام العسري، "الحافة" ليلى كيلاني...
عود على بدء: يمكن تعريف السيناريو اليوم بأنه فن إدارة المسافة بين "استقرار العالم" (الإلياذة) و"ضرورة التغيير" (الأوديسة). لم يعد كاتب السيناريو يختار بين الحصار والرحلة؛ بل هو من يهندس اللحظة التي يتحول فيها أحدهما إلى الآخر. إن الدراما تولد تحديداً من هذا التوتر بين الرغبة في السكون التي تحمي الهوية، وعنف الحركة التي وحدها تسمح بتحقيق الذات.
استحضار سينما كريستوفر نولان كأفق لهذا النقاش يتأسس على قناعة أن هذه السينما بحد ذاتها تمثل تجسيداً حياً لهذا الصراع بين المصفوفتين؛ فهو مخرج مهووس بالبنيات المغلقة والمُحكمة (الإلياذة) التي تتداخل مع حركية الزمن والوعي (الأوديسة).
وإذا كان هذا الصراع بين السكون والحركة يشكل جوهر الدراما الإنسانية، فإن سينما كريستوفر نولان المعاصرة تبدو وكأنها تحاول كسر هذا التقابل. ففي أفلامه، لا يكتفي نولان بتقديم رحلة أوديسية في أبعاد الزمن أو الفضاء، بل يجعلها محبوسة داخل "متاهة إلياذية" مُحكمة لا مخرج منها.
ومع ترقبنا لعمله المقبل، يبرز السؤال: هل سيعيد نولان رسم خارطة السيناريو ليتجاوز هذا التضاد التقليدي؟ ربما نكون أمام محاولة جديدة لدمج "الإلياذة" و"الأوديسة" في تجربة سينمائية لا تعود فيها الحركة مجرد انتقال في المكان، ولا السكون مجرد توقف في الزمان، بل تصبح فيهما الرؤية السينمائية ذاتها هي المتاهة التي تمنحنا، في آن واحد، ثبات الأصل وتيه الرحلة.
مقالات ذات صلة
فن و ثقافة
فن و ثقافة
فن و ثقافة
فن و ثقافة