فن وثقافة
أفضل خمسة أفلام سينمائية في 2025.. قراءة لمحمد باكريم
01/01/2026 - 09:51
خولة ازنيزني
يرى الناقد السينمائي محمد باكريم أن الموسم السينمائي لسنة 2025، رغم وفرة إنتاجه وتعدد منصاته، ظل في مجمله موسما ملتبسا، اتسم بارتباك بصري وتضخم في الأعمال التجارية، طغت فيها نزعة الإبهار على حساب المعنى.
هذا الواقع لا يعني، بحسب باكريم، فقر السنة إبداعيا، إذ برزت خمسة أفلام استطاعت أن تنقذ الذاكرة السينمائية من النسيان، وتفتح نوافذ للتفكير والدهشة والمساءلة. وهي أعمال مختلفة في لغاتها وأشكالها، لكنها تلتقي في اشتغالها على الصورة والسرد، وفي قدرتها على قراءة العالم، وابتكار لغة سينمائية خاصة، وتحمل مسؤولية أخلاقية تجاه الواقع، بعيدا عن التصنيفات الجغرافية أو منطق الشهرة الجماهيري.
"أوريل 2+2=5" للمخرج راؤول بيك
يتصدر القائمة "فيلم أوريل 2+2=5" للمخرج الهايتي راؤول بيك، الذي يصنف كفيلم وثائقي، لكنه في نظر باكريم تحفة سينمائية كاملة، تستدعي ذكاء المشاهد أكثر مما تطلب تعاطفه، فيلم لا يشاهد بقدر ما يفكر فيه، ويقترح نفسه كعدسة لقراءة بقية أفلام السنة.
بعد 75 عاما على رحيل جورج أورويل، يعود بيك إلى حياة الكاتب وأفكاره، مستحضرا اسمه الحقيقي إريك آرثر بلير، ومؤلفاته الأبرز، إذ يعتمد الفيلم بالأساس على روايتي "1984" و"مزرعة الحيوان"، إضافة إلى "أيام بورما" ومذكرات جورج أورويل ليطرح سؤالا: هل تغير شيء فعلا؟ أم أن العالم تجاوز كوابيس أورويل بدل أن يتجاوزها أخلاقيا؟
الفيلم يركب بصريا بين أرشيف الحروب والإبادات والإعلام المعاصر، مع اقتباسات بصوت داميان لويس، ليفكك السلطة المعاصرة وتحريفها للغة والمفاهيم، معتمدا على شعارات الأخ الأكبر: (الحرب سلام، والحرية عبودية، والجهل قوة)، ويستعين بمقابلات مع مفكرين مثل بيير بورديو وميلان كونديرا وإحصاءات حول الفقر والثروة.
بالنسبة لمحمد باكريم، فإن راؤول بيك لم يعد هنا مجرد مخرج، بل مفكر بصري، استخدم السينما كمنبر رفض صريح لكل أشكال القمع والاستبداد، متخذا من أورويل "بقعة ضوء موصولة بالكهرباء" بما يجعل المشاهد يتبنى قراءة نقدية للصور وأثرها على التفكير، حيث أطلق عليها تسونامي الصور، حتى يصبح "2+2=5" حقيقة مقبولة.
ويرى الناقد أن قوة الفيلم تكمن في بنيته السردية والبصرية، التي تمزج بين الأرشيف، ونسخ سينمائية مختلفة من "1984"، ولقطات إخبارية معاصرة، من أجل التحليل وتفكيك اللغة.
"الموجة الجديدة" للمخرج ريتشارد لينكلاتر
في المرتبة الثانية، يضع الناقد السينمائي فيلم "الموجة الجديدة" (Nouvelle Vague) للمخرج الأمريكي ريتشارد لينكلاتر، الذي يختار العودة إلى كواليس صناعة فيلم "لاهث" لجان لوك غودار.
الفيلم يرصد انتقال غودار من موقع الناقد إلى المخرج، بعدما شاهد تجارب أصدقائه تروفو ورينيه، ليقرر خوض تجربته الأولى بروح من التمرد، وعدم الامتثال للنص المكتوب، وابتكار لغة بصرية جديدة، وهو ما يصفه باكريم بالرهان الجمالي الذي أسس لسينما الموجة الفرنسية الجديدة بأكملها.
ويشير باكريم إلى أن اعتماد الأبيض والأسود، والكاميرا المحمولة، والقطع المفاجئ، والحوارات غير المنتظمة، ليس مجرد محاكاة تقنية لأسلوب غودار، بل اختيار واعٍ يعيد طرح سؤال الحرية بوصفها شرطا للإبداع، مؤكدا أن الفيلم ينجح في جعل المتلقي يشعر فعلا بأنه داخل باريس ما بين 1959 و1960.
"قيمة عاطفية" للمخرج خواكيم ترير
المرتبة الثالثة كانت لفيلم " قيمة عاطفية" للمخرج خواكيم ترير، الذي يصنفه باكريم كتحفة سينيفيلية ومتعة بصرية نادرة في سينما اليوم، وبأنه يستعيد روح الكتابة السينمائية الكلاسيكية دون الوقوع في الحنين أو الاستنساخ.
وأشار إلى أنه مكتوب على شكل مسرحية لكنه سينمائي، وكل مشهد يعبر عن علاقة المخرج بالممثلين وحركتهم، مشيدا بالعمق النفسي للشخصيات.
ويرى باكريم أن قوة الفيلم تكمن في كونه درسا سينمائيا عن الحرية داخل العملية الإبداعية، عبر تتبع لحظة تأسيسية غيرت مسار السينما الحديثة.
الفيلم يحمل قيمة عاطفية بالمعنى الإنساني، إذ يروي قصة أب مخرج غائب يعود إلى حياة ابنتيه بعد وفاة الأم، حاملا مشروع فيلم يستحضر ماضيه وأخطاءه.
ويعتبر باكريم أن ترير لا يقدم قصة عائلية نمطية، بل نصا عن الفن كوسيلة للمصالحة، وعن السينما كفضاء يسمح للشخصيات بمواجهة أشباحها.
"أفاتار: النار والرماد" للمخرج جيمس كاميرون
يضع الناقد محمد باكريم فيلم "أفاتار: النار والرماد" للمخرج جيمس كاميرون في المرتبة الرابعة، مشيدا بما يسميه السينما التقدمية والواعية.
بالنسبة لباكريم، يمثل الفيلم استمرارا للقوة البصرية والتقنية التي عرفت بها السلسلة منذ الجزء الأول، مع تطوير واضح في استخدام الصورة والمؤثرات البصرية كوسيلة درامية لبناء المعنى، وليس مجرد أداة للإبهار.
ويضيف الناقد أن التحول من الماء إلى النار، في العنوان نفسه، ينعكس على ألوان الفيلم، والإضاءة، وحركة الكاميرا، ما يمنح الفيلم هوية بصرية وسردية متميزة داخل السلسلة.
ويشير باكريم إلى أن كاميرون لا يكتفي بالجانب التقني، بل يستمر في تقديم خطابات قوية تتعلق بالبيئة والصراع بين الإنسان والطبيعة، ليصبح الفيلم رسالة سينمائية واعية بما يفعل، مؤكدا أن العمل الذي كان يشكل تجارب بصرية فريدة، تتطور هنا لتشمل عمقا دراميا أكبر، مع التركيز على الصراعات الداخلية لشخصيات عالم باندورا، بما في ذلك قبائل وثقافات جديدة، لم تعد جميعها تتوافق مع الصورة المثالية السابقة للسكان الأصليين، ما يجعل السرد أكثر تعقيدا وأقل ثنائية بين الخير والشر.
أما على مستوى المضامين البيئية، فيشير إلى أن الفيلم يعكس تحولا فلسفيا مهما: الطبيعة لا تحتاج إلى من ينقذها، بل الإنسان هو من يحتاج إلى التعلم كيف يكون جزءا منها، مع إعادة النظر في نموذج البطولة الذكورية. يتيح الفيلم مساحة أكبر للشخصيات النسائية والشبابية، ليصبح العمل تجربة سينمائية متكاملة تجمع بين القوة البصرية، العمق الدرامي، والوعي البيئي والاجتماعي.
"اللي باقي منك" للمخرجة شيرين دعيبس
يختتم الناقد محمد باكريم قائمته بفيلم "اللي باقي منك" للمخرجة شيرين دعيبس، معتبرا أنه وجوده ضروري في هذه اللائحة وليس مجاملة سياسية، بل تقديرا لقيمته السينمائية والسردية.
الفيلم، الممتد عبر ثلاثة أجيال فلسطينية، بالنسبة للناقد يركب النكبة والنكسة والهزيمة في بناء رصين ودقيق، دون الانزلاق في فخ الإنسانوية المجانية، وهي حالة كثيرا ما لوحظت في بعض الأفلام الفلسطينية السابقة، التي تصور الشخصية الفلسطينية بشكل مثير للشفقة أمام المستعمر.
يشيد باكريم بأهمية حضور الراحل محمد بكري، إلى جانب أفراد من عائلته، معتبرا أن الفيلم يشكل تحية لذاكرة ممثل كبير ولتاريخ سينمائي مقاوم.
ويضيف أن قوة الفيلم تكمن في قدرته على تحويل القصة الفردية إلى ملحمة جمعية، وفي جرأته على مساءلة فكرة "التفوق الأخلاقي" أمام المستعمر، وصولا إلى حوار يعد من أكثر الحوارات جرأة في السينما الفلسطينية المعاصرة.
تدور أحداث الفيلم حول مراهق فلسطيني يجد نفسه وسط الاحتجاجات في الضفة الغربية، فيما تعود والدته إلى سرد حكاية العائلة عبر عقود طويلة منذ النكبة عام 1948، مرورا بمراحل تاريخية متقطعة لسيرة العائلة من يافا إلى المخيمات في الضفة، وصولا إلى أحداث عام 2022.
ومن خلال هذه السردية، يظهر الفيلم كيف يمكن للقصة الفردية أن تعكس مأساة شعب بأكمله، ويستثمر في التقنية السينمائية بسلاسة من خلال تنقلات زمنية انسيابية، تربط الماضي بالراهن، دون أن يشعر المشاهد بالقطيعة بين الأزمنة.
يعتبر باكريم أن "اللي باقي منك" نموذج للسينما الفلسطينية المعاصرة القادرة على الجمع بين العمق السردي، والجرأة الأخلاقية، والابتكار الفني، مقدما تجربة سينمائية قوية على مستوى الرؤية والتقنية، وتؤكد قدرة السينما على أن تكون أداة تفكير ومقاومة وذاكرة لشعب بأكمله عبر حكاية عائلة واحدة.
مقالات ذات صلة
فن و ثقافة
فن و ثقافة
فن و ثقافة
فن و ثقافة