فن وثقافة
2025 وتحولات الخريطة السينمائية العربية
28/12/2025 - 19:38
محمد باكريم
المناسبة شرط. ومن طقوس آخر السنة الوقوف على حصيلة السنة المنتهية...تقليد شكل لحظة إعلامية وفكرية ساخنة يتم خلالها استرجاع – أو تصحيح – أهم المواقف اتجاه أحداث السنة. ولكل مجال تداولي مقتضياته التطبيقية الخاصة.
وفي مجال السينما ترسخت بالتدريج، عند نهاية كل سنة، ممارسة الإعلان عن أهم الأفلام التي بصمت سنة بأكملها.
غير انني أعترف بأن التمرين بدأ يفقد جزءا بل كثيرا من بريقه. ولأول مرة أجد نفسي غير متحمس للمساهمة بلائحتي المفضلة أو بسرد ما قد يكون شكل أهم حدث سينمائي لسنة 2025...وذلك راجع ليس لغياب رغبة أو تصور... فالرغبة دائمة (عنوان كتابي الأول) ومتجددة، بل لكون المناخ العام السائد في السينما لا يشجع على التفكير الرصين. مناخ سمته تيه فكري وفتنة مفاهيمية. لم تعد هناك مرجعيات نظرية منسجمة ووازنة تسمح بإنتاج مقاييس تؤسس لمقاربة تقييمية عقلانية.
بعبارة أخرى، إن التمرين فقد مصداقيته أمام تراجع / تقلص مساحات ممارسة الفكر النقدي: انحصار المجلات الورقية الرصينة، طغيان ثقافة النقد الانطباعي المباشر عبر الوسائط الرقمية...ثم أساسا تحكم منظومة صناعة الفرجة العالمية ليس فقط في آليات انتاج وتوزيع الأفلام بل في توجيه الخطاب المرافق للأفلام الذي أصبح حبيس منطق الترويج.
ثم يمكن أن أضيف إلى ذلك أن السينما في حد ذاتها تعرف انحباسا ابداعيا شاملا...إلا بعد الفلتات النادرة التي سرعان ما يتم تهميشها أو توظيفها في سياق معاكس لطموحاتها الفنية.
بمناسبة الدورة الماضية من مهرجان مراكش طغت بعض التعابير المتكررة في الخطاب المؤسساتي للمهرجان بحيث كثر الحديث عن "لجنة تحكيم استثنائية" وعن "برمجة استثنائية" وفي تصريح لأحدى المحطات الاذاعية قلت بأن كل دورات المهرجان كانت استثنائية خاصة على مستوى لجان التحكيم والشخصيات المكرمة أو الحاضرة لتنشيط اللقاءات السينيفيلية.
وأضفت بأن هناك دورات سابقة استثنائية لن يجود الزمان بمثلها ليس لأن المهرجان تغير بل لأن السينما تغيرت ولم تعد تنتج أسماء كبيرة ونجوم كبار، إن منظومة النجوم التي قام بدراستها ادكار موران في كتابه المرجع "النجوم ".." انتهت أو تحولت. بل لا أستغرب أن نجد غدا أو بعد غد أن ما يسمى "المؤثرين" هم الذين سينشطون السجاد الأحمر...وهناك مؤشر دال في هذا الاتجاه وهو الحظوة التي تم التعامل بها مع المؤثرين خلال دورة "الكان" المنظمة في المغرب.
وتلك إحدى دروس 2025 حيث يحظى حضور المؤثر في الفيلم بشكل يسائل مفهوم النجم اليوم.
وعلى مستوى "ماكرو-سينمائي" لم تخلو السنة الماضية من علامات تزكي وتدعم بعض الاتجاهات التي بدأت في البروز السنوات الماضية، والتي تساهم في إعادة تشكل المشهد السينمائي واقصد على سبيل المثال التحولات التي تعرف خريطة السينما العربية مع بروز فاعلين جدد.
لقد عرفت هذه الخريطة إلى زمن قريب سيطرة شبه مطلقة للسينما المصرية قبل أن يتم قدوم منافسين اقليميين خاصة من شمال افريقيا (بالترتيب الزمني: الجزائر، تونس ثم المغرب) على أساس بنية إنتاجية وطنية تزاحم الأفلام المصرية في القاعات المحلية...ثم جاءت ظاهرة الخليج وما سمي "سينما البترو-دولار" والتي حققت ذروتها مع مهرجات كبيرة سرعان ما اختفى بعضها.
والظاهرة اليوم هي الفاعل السعودي الذي في ظرف سنوات قليلة حول ميزان القوى لصالحه عبر عمليتين: انفتاح السوق السعودي وتنظيم مهرجان البحر الأحمر.
فعلى السوق الداخلي تحولت السعودية إلى أكبر ممول للفيلم المصري وأرقام مذهلة في هذا الاتجاه: فقد تجاوزت إيرادات السينما المصرية في القاعات السعودية أكثر من 50 مليون دولار (بتوزيع 26 فيلم).
بل ان السعودية حاضرة أيضا عبر صندوق البحر الأحمر في تمويل العديد من الأفلام العربية والدولية...وعلى خطى منظومة صناعة الفرجة العالمية لا تكتفي بتمويل الأفلام بل تساهم في توجيه الخطاب حول الأفلام بتنظيم مؤتمر دولي حول النقد السينمائي واستقطاب بعض المخرجين من دول مختلفة للاشتغال داخل السعودية حول مشاريع سعودية.
واقع جديد يسائل بقوة مفهوم "السينما الوطنية" الذي شكل الشعار المركزي المؤسس لمرحلة تاريخية كاملة.
مقالات ذات صلة
فن و ثقافة
فن و ثقافة
فن و ثقافة
فن و ثقافة