مجتمع
المخيمات الصيفية.. كيف يجري تكوين المؤطرين؟
12/07/2026 - 13:13
شهرزاد عيوش
مع حلول العطلة الصيفية، تستقبل المخيمات آلاف الأطفال الباحثين عن لحظات من الترفيه والاكتشاف، غير أن ما يبدو في الظاهر مجرد أنشطة وألعاب، يحمل في طياته ورشا تربويا معقدا تتقاطع فيه مسؤوليات التنشيط والتوجيه والرعاية.
فالمؤطر داخل المخيم لا يؤدي دور المرافق فقط، بل يتحول إلى مربٍّ يساهم في تشكيل شخصية الطفل، وتعزيز استقلاليته، وغرس قيم التعاون والانفتاح والعمل الجماعي.
ومن هنا تبرز أهمية اختيار وتأهيل الأطر المشرفة على الأطفال، باعتبارها الحلقة الأساسية التي تحدد جودة التجربة المخيمية. وبين مسارات تكوين طويلة تعتمدها بعض الجمعيات، وتحديات مرتبطة باستدامة الموارد البشرية وطبيعة العمل التطوعي، يظل مستقبل التأطير أحد أبرز الملفات المطروحة داخل منظومة التخييم بالمغرب.
المؤطر ثمرة مسار تربوي يبدأ من الطفولة
وفي هذا السياق، أكد رئيس جمعية الشعلة للتربية والثقافة، سعيد العزوزي، أن تكوين المؤطرين داخل الجمعية لا يتم بشكل ظرفي، بل هو مسار طويل يبدأ منذ مرحلة الطفولة داخل المخيمات نفسها.
وأوضح العزوزي في تصريح لـSNRTnews أن أغلب الأطر التربوية تمر بمختلف المراحل، حيث يبدأ الفرد كطفل مستفيد من المخيم، ثم ينتقل إلى مرحلة اليافعين والشباب، قبل أن يتحول إلى إطار يتحمل مسؤولية تأطير الأطفال.
واعتبر أن هذه العملية تمثل مسارا مستمرا في الزمان والمكان، لأنها تواكب الفرد منذ بداياته الأولى إلى حين اكتسابه الكفاءة اللازمة للقيام بدوره التربوي.
وأشار إلى أن الجمعية تعتمد تكوينا تدريجيا يشمل مختلف الجوانب المرتبطة بالتنشيط والتربية، إذ يتعلم الطفل في بداياته الأناشيد والمسرح والموسيقى والمعامل التربوية والخرجات، قبل أن ينتقل في مرحلة اليافعين إلى اكتساب مهارات الحوار والنقاش والاختلاف وإبداء الرأي.
أما في مرحلة الشباب، يضيف العزوزي، فيتم التركيز على جوانب أكثر تقدما، من قبيل التسيير الإداري والتدبير المالي والتواصل، قبل المرور إلى التداريب الرسمية التي تشرف عليها وزارة الشباب والثقافة والتواصل، والتي تمكن الإطار من الحصول على الدبلوم الذي يخوله ممارسة مهام التأطير.
وشدد على أن الكفاءة لا ترتبط فقط بالتكوين التقني، بل أيضا بمدى اقتناع المؤطر بقيم الجمعية ورسالتها التربوية، القائمة على الحرية والقيم الإنسانية وحقوق الأطفال واليافعين.
المؤطر.. مسؤولية تتجاوز التنشيط
وأوضح العزوزي أن مهمة المؤطر داخل المخيم لا تختزل في تنشيط الأطفال، بل تنقسم إلى جانبين أساسيين، يتعلق الأول بالتنظيم والثاني بالتنشيط.
فالجانب التنظيمي، حسب المتحدث، يرتبط بمرافقة الأطفال على مدار اليوم، والسهر على احترام نظامهم اليومي، من النوم والتغذية إلى المشاركة في مختلف الأنشطة، باعتبار المؤطر مسؤولا عن مجموعة الأطفال التي يشرف عليها.
أما الجانب التنشيطي، فيشمل تأطير الأطفال في مختلف الورشات والأندية، مثل المسرح والموسيقى والمعامل التربوية والمسابقات. وأكد أن المؤطر لا يمكن أن يكون متخصصا في كل المجالات، لذلك تعتمد المخيمات على أطر متخصصة في مجالات مختلفة، بما يسمح للأطفال باختيار الأنشطة التي تتناسب مع ميولاتهم.
واعتبر أن الهدف الأساسي من هذه الأنشطة هو جعل الطفل يعيش تجربة متكاملة تساعده على اكتساب قيم الاعتماد على النفس والانضباط والعمل الجماعي، من خلال ممارسات يومية داخل المخيم قد لا تتوفر له دائما في محيطه العائلي.
تحولات التخييم وتحدي الحفاظ على الجودة
وفي حديثه عن الإكراهات التي يعرفها القطاع، سجل العزوزي أن طبيعة المخيمات تغيرت خلال السنوات الأخيرة مع ارتفاع عدد الجمعيات العاملة في المجال.
وأوضح أن المخيم كان في السابق مشروعا تربويا متكاملا يتطلب استعدادا طويلا وتعبئة كبيرة من طرف الجمعيات، التي كانت ترافق الأطفال بأطرها وتجهيزاتها ومواردها البشرية. غير أن اعتماد نظام "الممون" وتوفر الخدمات الأساسية جعل تنظيم المخيمات أكثر سهولة بالنسبة لبعض الجمعيات.
ويرى العزوزي أن هذا التحول قد يؤدي، في بعض الحالات، إلى جعل الجانب التربوي والتأطيري أقل أولوية، مؤكدا أن الجمعية التي لا تتوفر على أطر مؤهلة لا ينبغي لها أن تتولى مسؤولية الأطفال.
وقال إن التأطير "أمانة"، لأن الأسر تضع أبناءها بين أيدي الجمعيات، مشددا على أن غياب الكفاءة قد يحرم الطفل من الاستفادة الحقيقية من تجربة المخيم، بل قد يجعله ينفر منها بدل أن يرتبط بها.
اختيار المربين.. شروط تكوينية تسبق تحمل مسؤولية الأطفال
من جهته، أكد عضو المكتب الجامعي للجامعة الوطنية للتخييم، محمد قمر، أن اختيار الأطر المشرفة على الأطفال يخضع لشروط قانونية وتربوية دقيقة، مشيرا إلى أن مفهوم "المربي" يعبر بشكل أكبر عن طبيعة المهمة التي يقوم بها داخل المخيم.
وأوضح قمر، في تصريح لـSNRTnews، أن أي مؤطر لا يمكنه الولوج إلى المخيمات ما لم يكن حاصلا على تدريب معتمد من طرف وزارة الشباب والثقافة والتواصل، مشيرا إلى أن التكوين يمر عبر درجات متعددة، تبدأ بالدرجة الأولى التي تجمع بين الجانب النظري والتطبيقي، ثم الدرجة الثانية، وصولا إلى تكوينات مرتبطة بالتخصص وتدبير المخيمات.
وأضاف أن هذه التكوينات الرسمية تواكبها تداريب داخلية تنظمها الجمعيات الوطنية طيلة السنة، وتشمل الجانب النفسي للطفل، والتربية، وتقنيات التنشيط، والأناشيد، والمعامل التربوية، بهدف إعداد مربين قادرين على التعامل مع مختلف حاجيات الأطفال.
وأكد قمر أن الطفل يدخل المخيم باعتباره "صفحة بيضاء"، وأن دور المربي يتمثل في مساعدته على اكتساب قيم إيجابية عبر طرق بيداغوجية تعتمد الأنشطة الترفيهية والتربوية.
العمل التطوعي ونزيف الكفاءات.. أبرز تحديات التأطير
وفي ما يتعلق بالتحديات المرتبطة بتوفير الأطر المؤهلة، أوضح قمر أن العمل داخل المخيمات يقوم أساسا على التطوع، حيث يشتغل المؤطرون بدافع الرغبة والمحبة والإيمان برسالة تربوية.
وأشار إلى أن هذا الطابع التطوعي يجعل الحفاظ على الأطر تحديا مستمرا، خصوصا أن عددا منهم يغادرون المجال مع مرور الوقت بسبب الدراسة أو العمل أو الالتزامات الأسرية.
وأوضح أن القطاع يعرف سنويا تكوين حوالي 8000 إطار جديد بشراكة بين الوزارة والجامعة الوطنية للتخييم، غير أن التحدي المستقبلي، حسب قوله، يتمثل في التفكير في مهننة وظيفة المنشط التربوي داخل المخيمات لضمان استمرارية هذه الكفاءات وتثمين أدوارها.
مقالات ذات صلة
مجتمع
مجتمع
مجتمع
مجتمع