ذكاء اصطناعي
وهم الرفقة .. هل أصبح الذكاء الاصطناعي بديلا عن الصديق؟
12/07/2026 - 10:47
خولة ازنيزني
في وقت لم يعد فيه الهاتف الذكي يفارق مستخدميه، يتجاوز الذكاء الاصطناعي تدريجيا دوره التقليدي كأداة للإجابة عن الأسئلة أو إنجاز المهام، ليصبح بالنسبة إلى كثيرين مساحة للبوح بالمشاعر، واستقبال اعترافاتهم اليومية وطلب النصيحة، وحتى البحث عن الرفقة.
ومع الانتشار الواسع لتطبيقات المحادثة الذكية المصممة لتقديم حوارات داعمة أو تحاكي العلاقات الإنسانية، يزداد عدد الأشخاص الذين يلجؤون إليها للتعبير عن مخاوفهم وأسرارهم، في ظاهرة تثير تساؤلات حول مستقبل العلاقات الاجتماعية وحدود التفاعل بين الإنسان والآلة.
وتبرز هذه التحولات بشكل خاص لدى فئة المراهقين والشباب، الذين نشأوا في بيئة رقمية تتداخل فيها الصداقات الواقعية مع العلاقات الافتراضية. فبعدما كانت الصداقة تقوم على اللقاءات المباشرة، والحوارات الطويلة، والتجارب المشتركة، أصبح الذكاء الاصطناعي اليوم طرفا جديدا في هذه المعادلة، ويزداد هذا التوجه مع انتشار تطبيقات المحادثة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، التي لا تكتفي بتقديم المعلومات، بل تحاكي الحوار الإنساني، وتمنح المستخدم مساحة للتعبير عن المشاعر، أو حتى مشاركة تفاصيل الحياة اليومية.
وبين من يعتبر هذه التطبيقات وسيلة لتخفيف الشعور بالوحدة، ومن يرى فيها تهديدا للعلاقات الإنسانية، يطرح مختصون أسئلة حول مدى قدرة الذكاء الاصطناعي على منافسة الصديق الحقيقي، وتأثير ذلك على العلاقات الاجتماعية المباشرة، ما يثير أسئلة حول حدود العلاقة بين الإنسان والآلة.
من أداة تقنية إلى "وسيط اجتماعي"
يرى الباحث في علم النفس الاجتماعي، المصطفى الشكدالي، أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد تقنية، بل تحول إلى وسيط اجتماعي يؤثر بشكل غير مباشر في طبيعة العلاقات الإنسانية، موضحا أن هذه التكنولوجيا منحت الإنسان إمكانيات لم تكن متاحة من قبل، من بينها "إعادة خلق الذات" وبناء أشكال جديدة من التفاعل.
وأوضح الشكدالي، في تصريحه لـSNRTnews، أن المستخدم انتقل من التواصل مع أشخاص حقيقيين عبر العالم الافتراضي إلى إمكانية خلق صديق من العدم، يتحاور معه ويشاركه أفكاره وتساؤلاته، معتبرا أن هذه الإمكانية منحت الإنسان "ذواتا أخرى غير موجودة في الواقع".
ويضيف أن هذه الشخصيات الافتراضية تتميز بصفات يصعب توفرها في العلاقات البشرية، فهي لا تغضب، ولا تمل، ولا تنسحب من الحوار، الأمر الذي يجعلها تبدو أكثر راحة بالنسبة إلى بعض المستخدمين مقارنة بالعلاقات الإنسانية التي تتطلب جهدا وتنازلات وتحملا للاختلاف والنقد.
ويعزو الباحث هذا الإقبال أيضا إلى تراجع الحميمية في العلاقات الاجتماعية، وازدياد الخوف من البوح بالمشكلات الشخصية، إلى جانب صعوبة الوصول أحيانا إلى مختصين في الدعم النفسي، وهو ما يدفع بعض الأشخاص إلى البحث عن مصدر بعيد وغير حقيقي يجدون لديه مساحة للتعبير دون خوف من الأحكام أو الانتقاد.
ويرى أن هذه التطبيقات لا تكتفي بمحاكاة الحوار، بل تستفيد من معطيات علم النفس البشري لتطوير ارتباط عاطفي مع المستخدم، ما قد يدفعه تدريجيا إلى الاعتماد عليها في اتخاذ بعض القرارات أو إدارة جوانب من حياته اليومية.
لماذا يبوح المراهقون للذكاء الاصطناعي؟
ويشير إلى أن روبوتات الدردشة أصبحت بالنسبة إلى عدد من المراهقين مستمعا دائما، فهي تستخدم تقنيات معالجة اللغة الطبيعية لفهم نية المستخدم، حتى في حال وجود أخطاء لغوية أو اختلاف في أسلوب التعبير، كما تعتمد على نماذج لغوية متطورة قادرة على توليد ردود تبدو طبيعية، مع التعلم من كل محادثة لتحسين جودة التفاعل مع مرور الوقت.
هذه الخصائص تجعل الحوار مع الذكاء الاصطناعي يبدو سهلا ومريحا، خصوصا بالنسبة إلى من يعانون الشعور بالوحدة أو القلق الاجتماعي أو الخوف من الرفض والتنمر. فالآلة لا تصدر أحكاما، ولا تسخر، ولا تتعب، كما أنها متاحة على مدار الساعة، وهو ما يمنح المستخدم شعورا بالأمان والانفتاح.
لكن الشكدالي يطرح في المقابل سؤالا جوهريا: هل يكتسب الفرد بهذه الطريقة مهارات الصداقة الحقيقية، أم أنه يعتاد على علاقة مريحة لا تتطلب أي جهد عاطفي أو قدرة على إدارة الخلافات؟
ويؤكد أن الصداقات الإنسانية تبنى على التفاعل المتبادل، والتجارب المشتركة، وتقبل الاختلاف، بينما تقوم العلاقة مع الذكاء الاصطناعي على الاستجابة المستمرة لرغبات المستخدم، ما قد يخلق تصورا غير واقعي لطبيعة العلاقات.
ورغم أن هذه التطبيقات قد توفر دعما مؤقتا لبعض الأشخاص، فإنها لا تستطيع أن تحل محل الصديق الحقيقي، لأنها تفتقر إلى التعاطف الإنساني الحقيقي، والوعي، والتجارب المشتركة التي تمنح العلاقات الإنسانية معناها وعمقها.
"الرفيق الرقمي"
ويحذر الباحث من أن جاذبية تطبيقات الذكاء الاصطناعي تكمن في قدرتها على تقديم حوار كان، لقرون، حكرا على البشر، إذ تعتمد على خوارزميات التعلم العميق لإنشاء شخصيات افتراضية تتذكر تفاصيل حياة المستخدم، وتتأقلم مع رغباته ونقاط ضعفه العاطفية، بما يجعل العلاقة تبدو طبيعية ومقنعة.
ويضيف أن هذا الكمال الزائف قد يجعل الشريك البشري يبدو مرهقا بالمقارنة، لأن الإنسان الحقيقي يختلف ويغضب ويخطئ، بينما يقدم الرفيق الرقمي قبولا دائما واستجابة فورية، وهو ما قد يؤدي إلى برود في العلاقات الإنسانية، سواء بين الأصدقاء أو داخل الأسرة أو حتى بين الزوجين.
كما أن الوقت الذي يقضيه الفرد في الحديث مع رفيق افتراضي يكون، بالضرورة، على حساب الوقت المخصص للتفاعل مع الأشخاص الحقيقيين، وهو ما يضعف الروابط الأسرية والاجتماعية تدريجيا، ويجعل العلاقة الرقمية منافسا للعلاقة الإنسانية.
ويؤكد الشكدالي أن الخطر لا يكمن في استخدام الذكاء الاصطناعي بحد ذاته، وإنما في الاعتماد العاطفي المفرط عليه، محذرا من الوقوع في ما يسميه "فخ الرفقة المزيفة"، حيث تمنح الآلة المستخدم قبولا مطلقا وتواصلا سهلا، بينما تتشكل شخصية الإنسان الحقيقية من خلال مواجهة الخلافات، وخيبات الأمل، واختلاف وجهات النظر.
ويشدد على أن الوعي المجتمعي بهذه التحولات لا يزال في بداياته، إذ ينظر كثيرون إلى هذه التطبيقات باعتبارها مجرد أدوات للتسلية أو صديقا رقميا، دون إدراك لتعقيدات العلاقة التي يمكن أن تنشأ معها مع مرور الوقت.
ويخلص الباحث إلى أن مواجهة هذه التحولات لا تعني رفض الذكاء الاصطناعي، وإنما ترسيخ ثقافة استخدام متوازن، تبقيه أداة مساعدة لا بديلا عن الإنسان، داعيا إلى إعادة الاعتبار للحوار داخل الأسرة، وتعزيز التواصل المباشر بين الآباء والأبناء، لأن "أنسنة البيوت" تبقى، في نظره، الحصن الأخير أمام تمدد العلاقات الافتراضية، وحتى لا تصبح الشاشة المكان الوحيد الذي يبوح له الإنسان بمشاعره وأسراره.
مقالات ذات صلة
ذكاء اصطناعي
مجتمع
مجتمع
مجتمع