اقتصاد
أصناف جديدة من القمح الصلب تمهد لزراعة أكثر صمودا أمام الجفاف
21/07/2026 - 09:24
يونس أباعلي
لم يعد بالإمكان التعويل على المواسم الممطرة وحدها لضمان الأمن الغذائي، بسبب التغيرات المناخية، وهو ما يفرض على الباحثين والمؤسسات العلمية تطوير حلول مبتكرة ومستدامة قادرة على مساعدة الفلاح على التأقلم مع المستقبل، لذلك برزت ثلاثة أصناف وطنية جديدة من القمح الصلب.
وانطلاقا من هذا التحدي، يعمل باحثو المعهد الوطني للبحث الزراعي والمركز الدولي للبحوث الزراعية في المناطق الجافة منذ أكثر من سبع سنوات، ضمن مشروع BOLD (Biodiversity for Opportunities, Livelihoods and Development) على تطوير جيل جديد من أصناف القمح الصلب المغربية، يتميز بقدرة أكبر على تحمل الجفاف وارتفاع درجات الحرارة والظروف المناخية القاسية، مع المحافظة على مردودية مرتفعة وجودة تلبي احتياجات السوق.
ويركز مشروع BOLD على تطوير أصناف مغربية جديدة من القمح الصلب تتميز بمقاومة أكبر للجفاف وارتفاع درجات الحرارة، وقدرة أفضل على التأقلم مع التقلبات المناخية، والحفاظ على إنتاجية مرتفعة حتى في المواسم الصعبة، وتلبية متطلبات المزارعين والأسواق من حيث جودة الحبوب والقش.
أصناف جديدة في الطريق
بعد سنوات من التجارب الميدانية والعمل المشترك بين باحثي المعهد والمركز المذكورين إلى جانب مزارعين من بعض أكثر المناطق عزلة وجفافا، بدأت النتائج الملموسة تظهر على أرض الواقع، حيث برزت ثلاثة أصناف وطنية جديدة من القمح الصلب، يُعول عليها لتكون ركيزة الجيل المقبل من الزراعة المغربية القادرة على التكيف مع تغير المناخ.
وبحسب المعطيات التي وفرها مركز "إيكاردا" لـSNRTews، يأتي في مقدمة هذه الأصناف "جواهر"، الذي يتميز بحبوبه ذات اللون الداكن، وقدرته على تحقيق مردودية استثنائية خلال المواسم الجافة وفي أكثر المناطق قحولة، فضلا عن كونه صنفًا مبكر النضج، ما يجعله أكثر قدرة على التأقلم مع المواسم الزراعية غير المستقرة.
أما الصنف الثاني "ناشط"، فيتميز بسنبلة ذات سفا أسود، وقد أثبت خلال سنوات التجارب أداء متميزا سواء في المناطق المسقية أو داخل الواحات، وهو ما يعكس مرونته وقدرته على التأقلم مع أنظمة زراعية متنوعة.
ويبرز أيضا الصنف الجديد "سبيل"، الذي بات يحظى باهتمام متزايد من قبل المزارعين بفضل إنتاجيته المرتفعة، ومقاومته للجفاف، وجودة حبوبه من حيث اللون والحجم، إضافة إلى الكمية الكبيرة من القش التي ينتجها، وهي خاصية تحظى بأهمية خاصة لدى المزارعين الذين يعتمدون على القش في تغذية الماشية.
وبينما انتهت مرحلة البحث والتجريب بالنسبة لهذه الأصناف، بدأت مرحلة جديدة لا تقل أهمية، تتمثل في إيصالها إلى الحقول. فقد دخل صنفا "جواهر" و"ناشط" مرحلة إكثار البذور لدى الشركة الوطنية لتسويق البذور، على أن يصبحا متاحين للمزارعين خلال عامي 2027 و2028.
وفي المقابل، شهد هذا العام محطة مهمة تمثلت في إدراج صنف "سبيل" رسميا من طرف المعهد الوطني للبحث الزراعي ضمن الكتالوج الوطني للأصناف.
يقول أحد المزارعين المعروفين بمنطقة مرشوش إن هذه الأصناف الجديدة "تمثل مستقبل القمح الصلب في المغرب. إنها ترسم الطريق أمامنا، وتمنحنا الثقة لمواصلة العمل رغم سنوات الجفاف، كما تجعلنا نشعر بالفخر. لقد أثبت صنفا 'جواهر' و'ناشط' أداء مذهلا في حقولنا، ولا يمر أي مزارع بجانب هذه القطع الزراعية دون أن يتوقف لتأملها والاستفسار عنها، بل والرغبة في تجربتها."
ويؤكد القائمون على المشروع أن القيمة الحقيقية لهذه التجربة لا تكمن فقط في تطوير ثلاثة أصناف جديدة من القمح الصلب، بل في إرساء نموذج جديد للابتكار الزراعي يقوم على الشراكة بين الباحث والمزارع، ويجعل من المعرفة العلمية والخبرة الميدانية عنصرين متكاملين في مواجهة التغيرات المناخية.
التحدي الحقيقي.. إقناع المزارع
ورغم التقدم العلمي الذي تحقق في مجال استنباط الأصناف الجديدة، فإن الباحثين يؤكدون أن نجاح أي صنف فلاحي لا يقاس فقط بخصائصه الوراثية أو بإنتاجيته داخل محطات التجارب، وإنما بمدى اعتماده من قبل المزارعين في حقولهم. فالصنف، مهما بلغت كفاءته، لن يسهم في تعزيز صمود الزراعة المغربية إذا لم يحظ بثقة الفلاحين ويصبح جزءا من ممارساتهم اليومية.
ويعترف "يوسف"، وهو مزارع من المنطقة الجافة بجمعة اسحيم، بأن التغيرات المناخية أصبحت تشكل مصدر قلق دائم بالنسبة للفلاحين، قائلا "منذ عدة سنوات، أصبح المناخ يفرض علينا تحديات حقيقية. لذلك نفضل، نحن المزارعون، الاحتفاظ بالأصناف التي اعتدنا عليها، حتى وإن لم تعد الأكثر ملاءمة للظروف الحالية."
وتؤكد دراسة علمية حديثة أن هذه المخاوف ليست مجرد انطباعات شخصية، بل تعكس واقعا تعترضه عدة عوامل تحد من ثقة المزارعين في الأصناف الجديدة، وقد تؤدي إلى تقليص فرص اعتمادها بنسبة تصل إلى 50 في المائة.
ومن أبرز هذه العوامل، تشير الدراسة إلى غياب حقول تجريبية داخل الضيعات الفلاحية نفسها، واعتماد تقييمات تجرى أحيانا في بيئات زراعية لا تعكس الظروف الحقيقية التي يعيشها الفلاح المغربي، إضافة إلى محدودية مشاركة المزارعين في مراحل اختيار الأصناف الجديدة، وهو ما يضعف شعورهم بالثقة تجاه نتائج البحث العلمي.
ولذلك، لم يعد تطوير صنف جديد يقتصر على المختبرات أو محطات التجارب، بل أصبح يقتضي إشراك الفلاح باعتباره شريكا أساسيا في عملية الابتكار الزراعي، وهو التوجه الذي جعل منه مشروع BOLD أحد أهم مرتكزاته منذ انطلاقه.
ولم يكتف الباحثون العاملون ضمن المشروع بالاعتماد على نتائج المختبرات أو محطات التجارب الزراعية، بل اختاروا أن ينتقلوا إلى حقول المزارعين.
وبدل أن تبقى الأصناف الجديدة حبيسة المختبرات أو محطات التجارب، أصبحت تُزرع وتُختبر مباشرة داخل الضيعات الفلاحية، حيث تواجه الظروف الحقيقية التي يعيشها الفلاح يوميا، من موجات الحر، والجفاف، وتقلبات المناخ، واختلاف خصائص التربة.
ويؤكد الدكتور فيليبو باسي، قائد مشروع BOLD والباحث في تحسين النباتات لدى "إيكاردا"، أن هذا التحول أحدث فرقا جوهريا في منهجية البحث الزراعي، موضحا: "بدلا من الاقتصار على البيئات الخاضعة للمراقبة، أصبحنا نقيم أصناف القمح الصلب الجديدة مباشرة في الظروف الزراعية الحقيقية، حيث تختبر قدرتها على مقاومة الحرارة والجفاف وطبيعة التربة، تمامًا كما يعيشها المزارعون."
هذا النهج الميداني لم يقتصر على مراقبة أداء الأصناف، بل فتح المجال أمام إدماج خبرة الفلاحين أنفسهم في عملية الانتقاء، وهو ما مكّن الباحثين من إعادة النظر في العديد من المعايير العلمية التي كانوا يعتمدونها. فإلى جانب الإنتاجية ومقاومة الجفاف، أصبحت آراء المزارعين توجه اختيارات الباحثين في ما يتعلق بخصائص أخرى لا تقل أهمية، مثل لون الحبوب، وطول القش، وجودة الحبوب المطلوبة في الأسواق.
يقول الدكتور باسي إن الفريق العلمي فوجئ أثناء هذه التجارب بأن بعض الصفات التي كان يعتبرها ثانوية أصبحت تمثل أولوية بالنسبة للمزارعين.
ولم يعد المزارعون مجرد مشاركين في التجارب، بل أصبحوا جزءا من عملية اتخاذ القرار، حيث يساهمون في تقييم الأصناف واختيار أكثرها ملاءمة لاحتياجاتهم، سواء من حيث المردودية الاقتصادية أو جودة المنتوج الموجه للصناعات الغذائية.
كما ساهم هذا التعاون المباشر في مواجهة تحدٍ آخر كان يبدو صعبا قبل سنوات، وهو إعادة زراعة القمح الصلب في بعض المناطق شديدة الحرارة التي كان المزارعون قد هجروها، مفضلين أصنافا أخرى من الحبوب اعتقدوا أنها أكثر قدرة على التأقلم مع الظروف المناخية الجديدة.
وتظهر النتائج الأولية لهذا النهج التشاركي أن إشراك المزارعين في البحث العلمي لم يسهم فقط في تطوير أصناف أكثر ملاءمة للواقع المغربي، بل عزز أيضا الثقة المتبادلة بين العلماء والفلاحين، وخلق قناعة مشتركة بأن الابتكار الزراعي لا ينجح إلا عندما يولد من قلب الحقول، وليس من المختبرات وحدها.
مقالات ذات صلة
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد