اقتصاد
ميناء الداخلة الأطلسي.. سواعد مغربية تشق المحيط
07/11/2025 - 11:26
عبد الرحيم السموكني | فهد مرونهل شق ما يشبه طريقا وسط البحر لتشييد أرض مسطحة في قلب المحيط، عبر رمي أطنان من الحجارة في أعماق تصل إلى 20 مترا، مجازفة محفوفة بالمخاطر؟
سيكون الجواب بالنفي بالنسبة لأي مهندس مدني مغربي، خبر تشييد الموانئ، لكنه لا يستسلم لليقين المريح، فلا بد أن يشدد على تشييد ميناء لا تبرز نجاعته إلا بعد الانتهاء منه وتشغيله.
يبذل المهندسون والعاملون في ورش ميناء الداخلة الأطلسي الكثير من الجهد لتجسيده على أرض الواقع، ويتطلعون إلى اللحظة التي سترسو فيه البواخر وتفتح حوله فروع شركات عالمية.
من المتوقع أن تنتهي الأشغال بالميناء سنة 2028، وتبدو الحماسة مرتفعة لدى كل المشتغلين، وكما يقول المهندس أمين جمر، فإن الأمر لا يتعلق بعمل عادي، إنها "مهمة خاصة" تتعلق بمستقبل منطقة عزيزة وبلد أمين، يرمي إلى توطيد جذوره الإفريقية ومواصلة انفتاحه على العالم.
في شهر أكتوبر من العام 2021، عندما اختارت مديرية الموانئ والملك العمومي البحري التابعة لوزارة التجهيز والماء موقعا مقفرا، يبعد بأزيد من 50 كيلومترا شمال مدينة الداخلة، لتشييد ميناء ضخم، يكون هبة الجهة ككل، لم يكن المشرفون يعتقدون أن المشروع وهو قيد الإنشاء سيرفع أسهم المدينة وجهة الداخلة وادي الذهب.
فقد تحولت إلى مزار دبلوماسي ومحطة آمال المستثمرين ليس للبلد فقط. فهم يدركون أن إشعاعه يصل إلى عمق القارة الإفريقية، ويتخطى المحيط الأطلسي ليصل إلى أمريكا الجنوبية، فكيف؟
44 في المائة من الأشغال
تكسر زمجرة الشاحنات الثقيلة وأصوات ارتطام الأحجار الضخمة وهي تصب بعنفوان بالقرب من مياه الأطلسي، لتشييد أكبر الحواجز المائية لميناء الداخلة الأطلسي، هدوء المكان.
فلا شيء يعلو على أزيز محركات الشاحنات القاطرة وأصوات وامضاتها وهي تحذر بتراجعها إلى الخلف لتنبيه الجرافات الضخمة المتناوبة معها على ردم المحيط الأطلسي، وهي تبني أرضا مسطحة بلغ طولها إلى غاية الأربعاء 05 نونبر قرابة أربع كيلومترات (من أصل 7 كيلومتر) وسط البحر.
بلغت نسبة إنجاز ميناء الداخلة الأطلسي 44 في المائة من الأشغال. ووفق رئيس إعداد الإدارة والمالية بميناء الداخلة الأطلسي عمر أبركاز، فإن أصعب مراحل البناء كانت عند الانطلاقة، أما اليوم فوتيرة الأشغال تسير بشكل جيد.
ورش ومصنع وقرية عمال
لا يعتبر ميناء الداخلة الأطلسي مجرد ورش استراتيجي ضخم، بل هو منظومة صناعية متكاملة الأركان. فالطاقة المستعملة في الورش الكبير يجري توليدها محليا، كما تصنع به المكعبات الإسمنتية التي تستعمل كحواجز وقائية لامتصاص صدمات الموج، وسيتطلب الميناء 200 ألف وحدة منها، وهو عدد يفوق سكان الداخلة.
يؤتى بالإسمنت المستعمل في تصنيع المكعبات الإسمنتية من العيون، أما أطنان الأحجار المستعملة في الردم لبناء الأراضي المسطحة والحواجز المائية الثلاثة، فكلها مستقدمة من الداخلة، وتحديدا من مقالع لا تبعد سوى 15 كيلومترا عن موقع الميناء.
يشتغل في الميناء قرابة 1800 عامل، كلهم مغاربة، ويعيشون في قرية بمساكن وفرن وحمام وملعب كرة قدم. يقول رئيس إعداد تتبع الأشغال بميناء الداخلة الأطلسي، أمين جمر، إنه بعد أن انصبت الأشغال في سنة 2024 على تشييد القنطرة المائية البالغ طولها 1300 مترا، التي تجاوزت نسبة إنجازها اليوم 80 في المائة، فإن سنة 2025 شهدت التركيز على البنايات المينائية كالحاجز الرئيسي والحواجز الثانوية، والتدعيم بالمعكبات الخرسانية، إضافة إلى الانكباب على أشغال تقسيم الأحواض الثلاثة وإنشاء كتل الرصيف والحواجز المائية والحواجز الوقائية.
تبلغ التكلفة المالية لميناء الداخلة الأطلسي 12,6 مليار درهم، ويعتبر مشروعا ضخما، فهو يتوفر على حواجز وقائية يبلغ طولها 6750 م بعمق يصل إلى 17 متر.
كما يضم منشآت الرسو والأراضي المسطحة، فالميناء التجاري يتكون من 694 متر من الأرصفة بعمق 16 متر، و180 متر من أرصفة الخدمات، إضافة إلى رصيف بترولي بطول 115 متر بعمق 16 متر، ورصيف مخصص للعربات بطول 45 مترا وبعمق 16 مترا و30 هكتار من الأراضي المسطحة.
أما بالنسبة لميناء الصيد، فهو مكون من 1583 مترا من الأرصفة بعمق 12 متر،ا و26,1 هكتار من الأراضي المسطحة. كما يضم الميناء ورشا لإصلاح السفن، مكون من 207 متر من الأرصفة بعمق 12 متر وحوض بمساحة 14 متر x 60,15 متر بعمق 12 متر، وسطح منحدر بمساحة 15 مترا في 100 متر، و11,95 هكتار من الأراضي المسطحة.
هيدروجين أخضر وإشعاع إلى ما وراء المحيط
يكشف عمر أبركاز، رئيس إعداد الإدارة والمالية، بأن ميناء الداخلة الأطلسي على عكس أي مشروع ميناء في العالم، ليس محفوفا بأي مجازفات أو مخاطر، إذ في أسوأ الحالات يمكن أن يلعب دورا حيويا في الصيد البحري وإصلاح سفن الصيد الكبيرة مما سيوفر الوقت والمال على أرباب هذه السفن التي تتجه غالبا إلى مدينة أكادير.
ويضيف، غير أن واقع الحال يكشف أن النتائج الميدانية والواقعية حاليا تفوق كل توقعات البداية. ويشرح أبركاز بأن ميناء الداخلة الأطلسي يتمتع اليوم بصيت عالمي حتى قبل تشغيله، وهناك اهتمام عالمي كبير به.
ويؤكد على أن عرض المغرب في مجال الهيدروجين الأخضر قلب الموازين لصالح المشروع، خاصة أن الداخلة تتوفر على مصادر طاقة نظيفة تتجلى في الشمس والرياح.
ويكشف مصدر من الإدارة أن الميناء أصبح شبيها بمصلحة قنصلية، إذ تواصل العديد من الوفود الدبلوماسية والبعثات الاقصادية الأجنبية زيارة الورش على مدار السنة.
ويضيف أن المفاجأة الكبرى ليست في قدوم الأوروبيين أو الأمريكيين أو الأفارقة، خاصة بعد إطلاق جلالة الملك محمد السادس للمبادرة الأطلسية، بل إن المفاجأة، يقول المصدر، هو الاهتمام الكبير الذي تبديه دول من أمريكا اللاتينية بمشروع الميناء. ويوضح أن وفودا تمثل بلدانا، مثل البرازيل وغواتيمالا وبنما والمكسيك، زارت الميناء واطلعت على تفاصيله، وأبدت رغبة في التعاون التجاري معه.
ويختم المصدر قوله "لم يعد للميناء إشعاع أو دور اقتصادي أو تجاري أو منصة للاستقرار الصناعي فقط، بل صار منارة للإشعاع الدبلوماسي للمغرب، هذه نقطة تحول كبيرة لم نتوقعها عندما بدأنا الأشغال قبل خمس سنوات تقريبا".
لم يكن اختيار الموقع البحري لميناء الداخلة الأطلسي وحده الموفق، بل كان اختيار البر الرئيسي المقابل له ووفرة الوعاء العقاري عاملا حاسما في تشجيع الحديث عن منطقة صناعية ضخمة، سهلة التجهيز ودون نزاعات عقارية حاسمة في استقطاب المستثمرين.
مقالات ذات صلة
مجتمع
مجتمع
مجتمع
سياسة