فن وثقافة
"قيمة عاطفية" ليواكيم تراير.. المكان كمستودع للذاكرة الجريحة
29/01/2026 - 23:06
محمد باكريم
تعود أسابيع الفيلم الأوروبي كموعد سينيفيلي متميز رغم ما يشوب بعض دوراتها من تذبذب تنظيمي؛ مثلا حول المدن المستقبلة، ودخول بعض فقرات مهرجان مراكش كمنافس في الفوز بالعرض المغربي الأول لبعض الأفلام... غير أنها تبقى مؤشرا إيجابيا عن الوضع السينيفيلي العام الذي مازال صامدا رغم تنوع أشكال العرض الفيلمي عبر المنصات (بعض أفلام هذه الدورة متوفرة "بالبيت") وتتجلى هذه الإيجابية في الاقبال الواسع من جمهور متنوع على أفلام تصنف بغير قليل من الكسل بأنها أفلام "النخبة" أو بتعبير لطيف بـ"سينما المؤلف".
والنقطة الإيجابية الأساسية الأخرى هي أن هذه التظاهرة أبانت بأن المجانية ليست قدرا مُقدرا. إن تطبيق تعريفة سلسة ومتنوعة حسب الفئات الاجتماعية فيه احترام وتقدير للفيلم وللمشاهد أيضا، إذ يدخل في علاقة إرادية مع العرض الفيلمي.
ومن الأحداث الهامة المميزة لهذه الدورة الافتتاح بفيلم قادم من الشمال بكل حمولة رمزية وجمالية؛ "قيمة عاطفية" للمخرج النرويجي (الإسكندنافي على الأصح، إذ هو دانماركي أيضا)، يواكيم تراير. وهو افتتاح مدروس كواجهة إشعاعية لكون الفيلم يحضر وهو حامل لتتويجات رفيعة ومرشح بقوة في مسابقة الأوسكار القادمة.
تُعد سينما المخرج النرويجي يواكيم تراير واحدة من أبرز التجارب السينمائية المعاصرة التي تمزج بين الفلسفة الوجودية والعمق النفسي، مع مسحة من "الواقعية الساحرة" التي تظهر في تفاصيل الحياة اليومية.
تتميز أفلام تراير بقدرة فائقة على التقاط الهشاشة الإنسانية عبر إدارة الممثلين، هو لا يصور الأحداث بقدر ما يصور "ما وراء الحدث": المشاعر المتراكمة، والندم، والبحث المستمر عن الهوية في عالم حديث يتسم بالبرود والعزلة، أي كما سبقت الإشارة أعلاه سينما موسومة بنوع من الجمالية "الشمالية" بل بتأثير "بركماني" – نسبة للمخرج السويدي.
وفي هذا الفيلم بالضبط، يعود بنا الى أجواء نسوانية عائلية في فضاء مغلق. كما يتجلى هذا "التبادل" في استخدام لقطات قريبة تركز على تعابير الوجه في لحظات الصمت، مما يذكرنا بأسلوب بيرغمان في جعل "الوجه" هو التضاريس الأساسية للفيلم.
كما أن الحوارات عند تراير لا تقول كل شيء؛ المسكوت عنه هو المحرك الحقيقي للأحداث.
تدور أحداث الفيلم في مدينة أوسلو، وتتمحور حول شقيقتين، نورا وأجنيس، اللتين فقدتا والدتهما مؤخرا. تجد الشقيقتان نفسيهما في مواجهة مع والدهما، جوستاف، وهو مخرج سينمائي كان غائبا عن حياتهما لسنوات طويلة ولم يكن له دور يذكر في نشأتهما.
يعود الوالد ومعه سيناريو يريد اقتراحه على ابنته الممثلة، ولكن الأمور ستتطور بشكل معقد في إخراج يوظف بشكل تركيبي حوار السينما والمسرح.
ثلاث عناصر أثارتني في هذا الفيلم: الأغنية المرافقة لجنيريك البداية وحضور البيت العائلي كمحور درامي.
نعم، يبدأ الفيلم بلقطات للمدينة التي ألهمت المخرج (له ثلاثية معروفة بـ"ثلاثية أوسلو") لكنه بحركة بانورامية يسار- يمين ينتقل بنا من العام إلى الخاص (البيت)، ترافقنا خلال ذلك أغنية جميلة جدا (هي التي مهدت دخولي أجواء الفيلم)، إذ تقودنا لندخل منزل العائلة القديم.
اختيار أغنية بعنوان "فتاة ترقص" (Dancing Girl) لافتتاح فيلم عن ممثلة (نورا) تعاني من القلق والاضطراب يضع المشاهد في حالة من الترقب.
الأغنية توحي بالحرية والانطلاق، بينما نجد "نورا" في المشاهد التالية مباشرة محاصرة بنوبات القلق خلف الكواليس.
تشتغل الموسيقى كموجه للنظر ومنتجة لمعنى مواز للغة الصورة، وتولد انطباعا لدى المتلقي بأن الجدران "تتنفس" الذكريات، تماما كما تصف الراوية في بداية الفيلم أن البيت كان يبدو لها ككائن حي.
يحضر البيت كمكون درامي بل "كشخصية" تراقب وتلاحظ وتسجل في خزان الذكريات الجراح التي لازال يكتوي بها الحاضر (موت الأم).
في اللقطات الأولى تلتقط الكاميرا صور النوافذ كأنها عيون، عين الماضي.
في سينما تراير، غالبًا ما تكون البيوت مرتبطة بـ"الزمن الضائع". البيت الذي "ينظر" هو الشاهد الصامت على تاريخ العائلة.
العنصر الثالث الذي أثار إعجابي هو مشهد الاختتام. يحضر كتتويج درامي وكبنية تباعدية عبر الميتا-سينما (فيلم داخل فيلم) بإعادة تمثيل، في نوع من الكتارسيس، الجرح المسكوت عنه... ويتغذى المشهد دراميا بإشراك الطفل في تمثل سينمائي للماضي، ربما من أجل التجاوز والنسيان.
إن حضوره "كممثل" في مشهد الاختتام يغذي "الكلايماكس" بنكهة خاصة، دسمة من حيث حمولتها الدلالية.
يمكن أن نقرأ وجود إيريك انتصارا لـ"الحياة" على "الفن"، بينما ينشغل الجد غوستاف ونورا بإعادة تمثيل مأساة الماضي (انتحار الجدة).
يذكرنا حضور إيريك بأن هناك حياة يجب أن تستمر خارج إطار الكاميرا، هو يمثل "القيمة العاطفية" الحقيقية التي لا يمكن تحويلها إلى مجرد "لقطة سينمائية".
مقالات ذات صلة
فن و ثقافة
فن و ثقافة
فن و ثقافة
فن و ثقافة