اقتصاد
اتفاقيات التجارة الحرة مع الهند.. كيف تؤثر على سوق النسيج المغربي؟
13/02/2026 - 23:03
خولة ازنيزني
يشهد سوق النسيج والألبسة المغربي تحولات متسارعة في ظل إعادة تشكيل خريطة التجارة العالمية، خاصة بعد إبرام الاتحاد الأوروبي والهند اتفاقية تجارة حرة تقضي بإلغاء الرسوم الجمركية على نحو 90 في المائة من السلع الهندية المصدرة إلى السوق الأوروبية، مع رفع النسبة إلى 93 في المائة خلال سبع سنوات ابتداء من 2027.
كما أعلنت الولايات المتحدة، في إطار رسوم دونالد ترامب، عن إلغاء رسوم جمركية إضافية بنسبة 25 في المائة كانت مفروضة على سلع هندية، في إطار اتفاق تجاري مؤقت بين واشنطن ونيودلهي.
وتأتي هذه التطورات في وقت توجه فيه نحو 67 في المائة من صادرات النسيج المغربي إلى أوروبا، وهو ما يطرح تساؤلات حول مدى تأثير هذه الاتفاقيات على تموقع المغرب داخل السوق الأمريكية، أو الأوروبية التي تستحوذ فيها المملكة على نحو 3 في المائة من إجمالي مشتريات المنسوجات.
تأثير محدود وفرص استثمارية
في هذا السياق، اعتبر رئيس الجمعية المغربية لصناعات النسيج والألبسة، أنس الأنصاري، أن الاتفاقيات الجديدة تمثل فرصة أكثر منها تهديدا للمغرب، وينبغي قراءتها بمنطق إعادة التموضع الاستراتيجي، مشيرا إلى أن الهند تسعى أساسا إلى تعزيز ولوجها إلى السوقين الأوروبية والأمريكية، غير أن تأثير ذلك على الصادرات المغربية سيظل محدودا في المدى القريب.
وأوضح الأنصاري، في تصريح لـSNRTnews، أن قوة المغرب تكمن في القرب الجغرافي من أوروبا، والسرعة في الإنجاز، وجودة الخياطة، إضافة إلى مرونة سلاسل الإنتاج، وهي عناصر يصعب تعويضها سريعاً
وأضاف أن الرسوم الجمركية الحالية على الصادرات الهندية نحو الاتحاد الأوروبي، والتي تبلغ حوالي 12 في المائة للمنسوجات و4 في المائة للملابس، ستنخفض تدريجيا، ما يمنح المنتجات الهندية أفضلية سعرية، لكن السعر ليس المحدد الوحيد في السوق الأوروبية، فهناك معايير الجودة، والاستدامة، وسرعة التسليم، والامتثال البيئي.
كما أن دخول الاتحاد الأوروبي في مسار تشديد المعايير البيئية وتطبيق آليات الحد من انبعاثات الكربون والبصمة الكربونية وسلاسل التوريد المستدامة، ابتداء من 2027 قد يعزز من تنافسية المغرب بحكم موقعه الجغرافي والتزامه بالمعايير الطاقية.
يقول الأنصاري: "إن أقرب منصة إنتاجية إلى أوروبا تظل هي المغرب، وهو ما يقلص الكلفة اللوجستية والانبعاثات المرتبطة بالنقل”.
وأشار الأنصاري إلى أن القطاع المغربي لا ينافس الهند بشكل مباشر في جميع المنتجات، بل يمكن أن يشكل مكملا لها، خاصة في ما يتعلق بالمناولة وسرعة الاستجابة للطلبات الأوروبية.
ولم يستبعد أن تتجه شركات هندية إلى الاستثمار في المغرب للاستفادة من موقعه كبوابة نحو أوروبا والولايات المتحدة، ما قد يخلق دينامية جديدة للنمو.
وأبرز أن الجمعية المغربية للنسيج والألبسة تربطها بالفعل علاقات تعاون مع نظيرتها في الهند، وأن هناك آفاقا لشراكات صناعية قد تخلق قيمة مضافة للطرفين.
وفي ما يتعلق بالسوق الأمريكية، شدد الأنصاري على أن اتفاقية التبادل الحر بين المغرب والولايات المتحدة تتيح إمكانيات مهمة، غير أن الاستفادة منها تبقى رهينة باحترام قواعد المنشأ، التي تفرض إجراء ثلاث عمليات تحويل صناعي على الأقل ليُعتبر المنتوج “صنع في المغرب”.
وأكد أن تطوير صناعة الأثواب محليا يظل خيارا استراتيجيا لتعزيز الاندماج الصناعي وتقليص التبعية للمواد المستوردة، موضحا أن 87 في المائة من نشاط القطاع يتركز حاليا في الخياطة مقابل 13 في المائة فقط في صناعة الأثواب.
وتجدر الإشارة إلى أن الرسوم الجمركية الحالية على الصادرات الهندية إلى الاتحاد الأوروبي تبلغ نحو 12 في المائة بالنسبة للمنسوجات و4 في المائة للملابس، ما يمنح الاتفاق الجديد بعد تطبيقه أفضلية سعرية للمنتجات الهندية.
ويشدد رئيس الجمعية المغربية لصناعات النسيج والألبسة، أن الرهان اليوم هو الانتقال من منطق المناولة فقط إلى بناء علامات تجارية مغربية قائمة على الابتكار، مع توفير آليات تمويل ملائمة، بما يعزز السيادة الصناعية ويقوي تموقع “صنع في المغرب” داخل الأسواق الدولية.
منافسة متصاعدة على المدى المتوسط
في المقابل، يرى الخبير في صناعة النسيج عبد الرحمن عطفي أن هذه التحولات، وإن كان أثرها محدودا حاليا، قد تفرز منافسة أكبر على المدى المتوسط والبعيد، خاصة أن الهند تمتلك مقومات صناعية قوية، من بينها وفرة المواد الأولية كالقطن والفيسكوز، إلى جانب يد عاملة واسعة وتوقعات نمو اقتصادي مرتفعة.
وأوضح عطفي، في تصريحه لـSNRTnews أن المغرب حافظ إلى حدود الساعة على مكانته داخل السوق الأوروبية، رغم المنافسة من بلدان مثل تركيا ودول آسيوية.
وأضاف أن خفض الرسوم الجمركية أمام المنتجات الهندية سيؤثر على جميع الدول المصدرة، بغض النظر عن حجم حصتها السوقية، فالمغرب، رغم أن حصته لا تتجاوز 3 في المائة من السوق الأوروبية، لن يكون بمنأى عن التأثير، لأن أي امتياز تفضيلي لدولة كبيرة مثل الهند سيعيد ترتيب المنافسة داخل السوق.
وأشار إلى أن نحو 60 في المائة من صادرات النسيج المغربي ترتبط بعلاقات قوية مع مجموعة Inditex، وهو ما يمنح القطاع نوعا من الاستقرار، بحكم اندماج هذه المجموعة في منظومة الإنتاج بالمغرب، ومواكبتها المباشرة لبعض مراحل التصنيع. “هذا النموذج من الشراكة يصعب تعويضه بين عشية وضحاها”، يوضح عطفي.
ورغم ذلك، حذر من أن الهند قد تعزز حضورها خاصة في المنتجات القطنية، حيث تتمتع بميزة هيكلية واضحة، وقد تستفيد من انخفاض الرسوم لتوسيع حصتها في أوروبا، غير أنه شدد في المقابل على أن للمنافسة الهندية حدودا خصوصا في مجالات التعاقد وسرعة الاستجابة، إذ قد تتجاوز مدة الشحن من الهند مدة أطول، بينما يوفر المغرب آجالا أقصر وأكثر مرونة، وهو عنصر حاسم في سلاسل التوريد السريعة التي تعتمدها العلامات الأوروبية.
وختم عطفي بالتأكيد على أن المغرب مطالب اليوم بالتحرك استباقيا، عبر تطوير صناعة المواد الأولية، وجذب استثمارات جديدة، بما فيها الهندية، وتحويل المملكة إلى منصة صناعية مكملة داخل سلاسل القيمة العالمية، فالاتفاقيات التجارية لا تكون تهديدا في حد ذاتها، بل التهديد يكمن في عدم الاستعداد لها.
دعوة للاستباق
حقق قطاع النسيج والألبسة رقم معاملات بلغ 69 مليار درهم سنة 2025، منها 46 مليار درهم صادرات، فيما يوفر القطاع حوالي 241 ألف منصب شغل.
وتشير معطيات مكتب الصرف إلى تسجيل صادرات بقيمة 43,8 مليار درهم سنة 2025، بتراجع نسبته 4,5 في المائة مقارنة بسنة 2024.
أمام هذه المؤشرات، يجمع المتدخلان على ضرورة استباق التحولات عبر تعزيز الاستثمار في صناعة الأثواب والمواد الأولية، وتطوير علامة “صنع في المغرب” على أساس الابتكار والقيمة المضافة، إلى جانب جذب استثمارات أجنبية، بما فيها الهندية، وفق مقاربة مماثلة لما تحقق في قطاع السيارات.
وبينما تبدو الانعكاسات المباشرة للاتفاقيات الجديدة محدودة في الأمد القريب، فإن الرهان الحقيقي يظل في قدرة المغرب على التكيف مع قواعد تجارة دولية متغيرة، وتحويل التحديات إلى فرص لتعزيز تموقعه داخل سلاسل القيمة العالمية.
مقالات ذات صلة
اقتصاد
اقتصاد
فن و ثقافة
اقتصاد