اقتصاد
هل تستفيد الصادرات المغربية من إلغاء الصين للرسوم الجمركية؟
20/02/2026 - 10:37
خولة ازنيزنيتدخل العلاقات التجارية بين المغرب والصين مرحلة جديدة مع إعلان بكين إلغاء الرسوم الجمركية على واردات 53 دولة إفريقية ، من بينها المملكة المغربية، ابتداء من شهر ماي المقبل.
قرار يحمل في طياته أبعادا اقتصادية وجيوسياسية تتجاوز الطابع التقني، ويضع الرباط أمام فرصة لتعزيز حضورها داخل ثاني أكبر اقتصاد في العالم، في سياق دولي يتسم بتصاعد التنافس بين القوى الكبرى وإعادة تشكيل سلاسل الإمداد العالمية.
وتأتي هذه الخطوة بعد أن كانت الصين تطبق سياسة الإعفاء الجمركي على 33 دولة إفريقية فقط، قبل أن تعلن توسيع نطاقها لتشمل جميع شركائها الدبلوماسيين في القارة، في إطار توجه يروم تعزيز مكانتها كأكبر شريك تجاري لإفريقيا، وداعم رئيسي لمشاريع البنية التحتية عبر مبادرة مبادرة الحزام والطريق.
استراتيجية تنويع الشركاء
في هذا السياق، اعتبر الخبير في العلاقات المغربية الصينية ناصر بوشيبة، أن المغرب يوجد في صدارة المستفيدين من هذا القرار، في ظل سياسة المملكة الرامية إلى تنويع الشركاء الاقتصاديين وتحقيق شراكات متبادلة المنفعة.
وأوضح بوشيبة، في تصريح لـSNRTnews، أن العلاقات الثنائية عرفت منعطفا حاسما عقب الزيارة الملكية إلى الصين سنة 2016، والتي شكلت محطة مفصلية في مسار التعاون بين البلدين. فقبل هذه الزيارة، لم تكن الصادرات المغربية نحو الصين تتجاوز 300 مليون دولار.
وأشاربوشيبة إلى أن العلاقات لا تقتصر على الجانب التجاري، بل تشمل أبعادا سياسية وثقافية، مبرزا أن عدد الطلبة المغاربة في الصين يفوق عشرة آلاف طالب، وهو ما يعكس عمق الروابط الثنائية، كما أن الشراكة الاستراتيجية الموقعة بين البلدين شملت مجالات متعددة، أبرزها صناعة السيارات الكهربائية والبطاريات، وهي قطاعات مرشحة لنمو متسارع خلال السنوات المقبلة.
ويرى بوشيبة أن السوق الصينية، التي تتجاوز ساكنتها مليارا و400 مليون نسمة، تمثل فرصة كبرى أمام الصادرات المغربية، خاصة في ظل سعي العديد من الدول الغربية إلى تعزيز ولوجها إلى هذه السوق الضخمة.
من المواد الأولية إلى القيمة المضافة
ويؤكد الخبير ذاته أن القرار الصيني يضع المغرب أمام فرصة حقيقية لتنويع صادراته، بالنظر إلى توفره على قاعدة تصديرية أكثر تنوعا مقارنة بعدد من الدول الإفريقية، سواء في المنتجات الفلاحية أو البحرية أو مشتقات الفوسفاط.
غير أنه شدد على ضرورة الانتقال من تصدير المواد الأولية إلى المنتجات المصنعة ذات القيمة المضافة، ففي المجال الفلاحي مثلا، من الأفضل تصدير العصير بدل الفواكه الخام، كما أن قطاع النسيج والألبسة يمكن أن يجد له موطئ قدم داخل السوق الصينية، خاصة مع توجه بكين إلى إعادة توطين جزء من صناعاتها في دول أخرى.
يعكس القرار رغبة بكين في تأمين مصادر إمداد مستقرة ومنخفضة التكلفة من المواد الأولية والمنتجات الزراعية، في ظل اضطرابات سلاسل التوريد عالميا وتصاعد النزعة الحمائية. كما يمنح السلع الإفريقية قدرة تنافسية أكبر داخل السوق الصينية، ويفتح المجال أمام علاقات تجارية أكثر توازنا، بعدما ظلت الكفة تميل في كثير من الأحيان لصالح الصادرات الصينية نحو القارة.
وفي المقابل، نبه بوشيبة إلى أن الصين تعتمد معايير صارمة لدخول المنتجات إلى سوقها، قد تكون في بعض الأحيان أكثر صرامة من معايير الاتحاد الأوروبي، خصوصا في ما يتعلق بالسلامة الصحية وجودة الإنتاج، ما يفرض على المصدرين المغاربة التأقلم مع هذه الشروط.
بين الفرص والتحديات
من جانبه، أكد الخبير الاقتصادي والأستاذ بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، بدر الزاهر الأزرق، أن تعزيز المغرب لحضوره داخل السوق الصينية يظل رهينا بحسن استثمار الامتيازات الجمركية الجديدة، في ظل الموقع الجغرافي للمملكة واتفاقياتها مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، ما يمنحها وضعية فريدة كمنصة للتقاطع بين فضاءات تجارية كبرى.
وأوضح الأزرق، في تصريح لـSNRTnews، أن القرار الصيني يفتح نافذة حقيقية أمام الصادرات المغربية، غير أن تحويل هذه الفرصة إلى مكسب دائم يظل مشروطا برفع جودة المنتجات، وضبط سلاسل التصدير، وبناء استراتيجية تسويق واضحة داخل سوق تعرف منافسة قوية من دول إفريقية أخرى معنية بالإعفاءات نفسها.
وتوقع الأستاذ الجامعي تسجيل ارتفاع ملموس في حجم المبادلات التجارية بين البلدين خلال السنوات القليلة المقبلة، غير أنه شدد على أن الأمر ليس نتيجة ميكانيكية أو تلقائية، بل ثمرة تفاعل عوامل سياسية واقتصادية واستراتيجية. في مقدمتها البعد الجيو-اقتصادي العالمي، إذ تعيد الصين، باعتبارها إحدى أكبر القوى الاقتصادية، هيكلة سلاسل الإمداد وتقليصها لتعزيز الكفاءة والمرونة في مواجهة التوترات التجارية، خاصة مع الولايات المتحدة.
وفي هذا السياق، تبحث بكين عن شركاء موثوقين قريبين من الأسواق الكبرى، لاسيما الأوروبية.
وفي هذا الإطار، يصبح المغرب، بموقعه المطل على المتوسط شريكا جذابا في إعادة توجيه السلع نحو الفضاءات الإقليمية، خاصة في ظل الاستثمارات الصينية المباشرة في قطاعات البنيات التحتية والطاقة المتجددة وصناعة المركبات الكهربائية وأجزائها، مايساهم في بناء روابط أعمق وتنويع أنشطة التصدير التي تفضي على صادرات ذات قيمة مضافة أعلى.
ويضبف الخبير الاقتصادي أنه بالرغم من هذه الدينامية، يظل العجز التجاري لصالح الصين تحديا قائما، إلى جانب المنافسة من دول إفريقية أخرى، والحاجة إلى تطوير البنية الصناعية الوطنية لتلبية المعايير التنافسية للسوق الصينية.
كما أن ثقل المبادلات المغربية ما يزال يميل نحو الاتحاد الأوروبي بنسبة تتراوح بين 60 و70 في المائة، في حين لم تتأثر المملكة بشكل كبير بالرسوم الجمركية الأمريكية الأخيرة، التي ظلت في مستويات لا تتجاوز 10 في المائة، وفق الأزرق.
ويؤكد الخبير أن المملكة نجحت إلى حد الآن في الحفاظ على توازن دقيق بين شراكتها مع الصين وعلاقاتها مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، مشددا على أن أي انفتاح أكبر على السوق الصينية ينبغي أن يتم في إطار تدبير استراتيجي يضمن تنويع الشراكات دون الإخلال بالالتزامات الدولية.
أبعاد جيو-اقتصادية أوسع
اعتبر الأزرق أن قرار بكين لا يمكن فصله عن سياق دولي يتسم بتصاعد التنافس بين الصين والولايات المتحدة، ومحاولات إعادة تشكيل شبكات النفوذ التجاري وسلاسل التوريد. فالصين تسعى إلى تعزيز حضورها داخل إفريقيا، ليس فقط كممول للبنيات التحتية، بل كشريك تجاري يفتح سوقه أمام المنتجات الإفريقية، في مواجهة مبادرات أوروبية وأمريكية تروم بدورها توسيع النفوذ في القارة.
وبذلك، تتحول إفريقيا إلى فضاء تنافسي مفتوح بين القوى الكبرى، ما يمنح دولها هامش مناورة أوسع، شرط توظيف هذا التنافس لخدمة التنمية وتعزيز السيادة الاقتصادية.
وختم الأزرق بالتأكيد على أن ما نشهده اليوم لا يمثل انتقالا أحاديا للنفوذ داخل إفريقيا، بل انتقال القارة إلى موقع المجال التنافسي المفتوح بين القوى الكبرى.
مقالات ذات صلة
اقتصاد
إفريقيا
اقتصاد
عالم