اقتصاد
اضطراب مستمر في سوق الذهب الوطني فهل يغير الصيني معادلة الأسعار؟
23/02/2026 - 20:11
خولة ازنيزني
تشهد أسواق الذهب العالمية تقلبات حادة دفعت الأسعار إلى مستويات قياسية غير مسبوقة، في سياق دولي يتسم بتصاعد التوترات الجيوسياسية والاقتصادية، والإقبال على المعدن الأصفر باعتباره ملاذا آمنا.
وفي خضم هذه التحولات، برز في الصين ابتكار جديد أطلقت عليه بكين اسم "الذهب الصافي الصلب" فيما تصفه بعض الأوساط الغربية بـ“الكابوس الذهبي”، وسط تساؤلات حول مدى تأثيره المحتمل على السوق العالمية، وانعكاساته الممكنة على أسواق مثل المغرب.
وسجل الذهب في المعاملات الفورية، الإثنين 23 فبراير 2026، ارتفاعا بنسبة 1,8% ليصل إلى 5196.02 دولارا للأوقية، بعدما بلغ مستوى قياسيا تاريخيا عند 5594.82 دولارا للأوقية في 29 ينايرالماضي.
ويعزى هذا المنحى التصاعدي إلى تنامي الطلب على الأصول الآمنة، في ظل استمرار حالة عدم اليقين المرتبطة بالسياسات التجارية الأمريكية، خصوصا بعد تعهد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب برفع الرسوم الجمركية عقب حكم المحكمة العليا ضد سياساته السابقة.
ما هو الذهب الصيني الجديد؟
الذهب الصيني الجديد، المعروف بـ"الذهب الصافي الصلب" (Ying Zu Jin)، هو ابتكار صيني يعالج ذهب عيار 24 بنقاء 99,9%، ويقوم على معالجة فيزيائية وكيميائية دقيقة تسمح برفع صلابته إلى ما يفوق 60 درجة فيكرز، أي نحو أربعة أضعاف صلابة الذهب الخالص التقليدي، دون المساس بنسبة نقائه.
ويتم ذلك عبر إدماج نسب ضئيلة جدا من معادن نادرة لا تتجاوز 0,1%، مع تعديل في البنية الذرية، ما يمنح المعدن متانة تقارب صلابة عيار 18، مع الاحتفاظ بخصائص عيار 24 من حيث النقاء والبريق.
وتقول تقارير صينية إن هذا النوع يمثل حاليا ما بين 20 و25 في المائة من مبيعات المجوهرات في الصين، خاصة في أوساط الشباب الباحثين عن تصاميم خفيفة وعصرية، خلافا للذهب الخالص المعروف بليونته وصعوبة تشكيله في قطع عملية.
لماذا الذهب الجديد؟
في هذا السياق، أوضح رئيس الفيدرالية المغربية للصائغين، إدريس الهزاز، أن ما يروج له ليس نوعا جديدا من الذهب، بل ابتكار تكنولوجي يعكس قدرة الصين على تحسين خصائص الذهب النقي عيار 24 عبر تعديل بنيته الذرية.
وأكد الهزاز، في تصريح لـSNRTnews، أن هذا المنتج لا يمكن أن يحل محل الذهب التقليدي، حتى وإن كان أقل تكلفة من حيث التصنيع، مشيرا إلى أن السوق المغربية لا تتوفر حاليا على هذا النوع.
وأضاف أن إدخاله قد يساهم في تحسين جودة المشغولات وتقوية بنيتها، لكنه لن يغير طبيعة السوق المرتبطة بسعر الذهب العالمي، مشيرا إلى أن هذا الابتكار يأتي بالتزامن مع الارتفاع المتواصل الأسعار الذهب على المستوى العالمي.
وشدد المتحدث على أن الذهب الخالص 24 قيراطا معدن طري يصعب استعماله في الحلي اليومية، وهو ما نجحت الصين في تجاوزه عبر تقنيات تمنحه صلابة إضافية دون فقدان النقاء، من خلال إضافة نسبة بسيطة جدا من مواد كيميائية، وبذلك أصبح ممكنا رؤية أساور وخواتم 24 قيراطا في الأسواق، ملفتا أن الصين تمتلك حصة مهمة من احتياطي المعادن النادرة عالميا، ما يعزز قدرتها على تطوير هذا النوع من المنتجات.
وعن خصائصه، شرح الهزاز أن هذا الذهب يمكن تشكيله بسهولة في تصاميم خفيفة الوزن ومقبولة تجاريا على عكس الذهب النقي التقليدي الذي يتسم بالليونة، إضافة إلى مقاومته العالية للخدوش وقدرته على الاحتفاظ بلمعانه لفترة أطول، كما يتيح تشكيل حلي ذهبية ثلاثية الأبعاد.
إذ يوصف الذهب الصيني الذي حصلت بكين بموجبه على براءة اختراع، وأورد المتحدث أن الفرق بينه وبين الذهب الصيني التقليدي هو أن الذهب الصيني الجديد يوفر مشغولات عالية النقاء، والذهب الصيني التقليدي هو عبارة عن معادن مطلية باللون الذهبي ولا قيمة لها.
السوق الموازية
ويتوقع رئيس الفيدرالية المغربية للصائغين أن يحظى هذا النوع الجديد بقبول محلي واسع في المرحلة الأولى، قبل أن يتحول تدريجيا إلى منتج عالمي، في خطوة قد تمنح الصين أداة اقتصادية إضافية ضمن مساعيها لتعزيز مكانتها المالية والتجارية عالميا.
وبخصوص تموين السوق الوطنية، أشار الهزاز إلى أن مصادر الذهب لدى المهنيين أربعة: إعادة صهر الحلي المستعملة، وتغطي نحو 10 في المائة من الطلب الداخلي، والإنتاج المنجمي المحلي، ثم الاستيراد المرخص من طرف إدارة الجمارك، ثم السوق السوداء.
من جهته، أكد المختار كرومي، أمين سوق الفتح لبيع الذهب بالحفاري بدرب السلطان في الدار البيضاء، أن سوق الذهب يعيش حالة من عدم الاستقرار، انعكست على الأسعار وعلى سلوك المستهلكين.
وأوضح كرومي، في تصريحه لـSNRTnews، أن سعر الذهب الخام عيار 18 بلغ، يوم 23 فبراير 2026، نحو 1180 درهما للغرام، بعد أن كان قد وصل في وقت سابق إلى 1600 درهم، فيما تبدأ أسعار المصوغ من حوالي 1300 درهم للغرام، بحسب جودة الصياغة ونفاستها.
وأشار إلى أن عدم الاستقرار يؤثر سلبا على السوق وعلى الاقتصاد، وفي ما يخص الطلب، أكد تسجيل تراجع ملحوظ بالتزامن مع ارتفاع الأسعار، مع تغير واضح في سلوك المستهلك المغربي، حيث إن تراجع القدرة الشرائية انعكس على طبيعة الطلب، إذ انتقل الصاغة من الاشتغال على قطع ثقيلة، إلى طلبات لا تتجاوز اليوم 30 غراما.
واعتبر كرومي أن الذهب ليس سلعة محلية بحتة، بل نقد عالمي يتأثر بعوامل العرض والطلب على المستوى الدولي، مشيرا في السياق ذاته، إلى أن الاحتكار والمضاربة يلعبان كذلك دورا في ارتفاع الأسعار، خصوصا عندما تكون المادة الأولية قليلة ويزيد الطلب عليها.
وبخصوص الذهب الصيني الجديد، استبعد المتحدث أن يكون له تأثير مباشر على السعر العالمي، وعلى مسار سوق الذهب في المغرب، لأنه ليس طبيعيا بل مصنعا، فهو لا يستخرج من الأرض بل يصنع في المختبر، موضحا أن قيمة الذهب ترتبط بعامل الندرة والاستخراج الطبيعي.
وأضاف أنه لو كان بالإمكان تصنيع الذهب بكميات كبيرة من مواد خام بديلة، لتغير النظام المالي العالمي، ولأصبح المعدن فاقدا لقيمته كملاذ آمن، مشيرا الى أن الصين سبق لها أن صنعت ذهبا صينيا لكن لم يحظى بالثقة والاقبال عليه ظل محدودا بالرغم من انخفاض أسعاره كما وكانت جودته لا تقارن بالذهب الأصلي
ويرى أن هذا النوع، حتى وإن نجح تجاريا في الصين، يحتاج إلى كسب ثقة المتعاملين تدريجيا، ولايمكن أن يعد ملاذا آمنا للاستثمار، خاصة في أسواق مثل المغرب، حيث يرتبط الذهب بأبعاد تاريخية واجتماعية واستثمارية قوية، ولا يُنظر إليه فقط كزينة.
دعوة إلى الشفافية وحماية المستهلك
في المقابل، كان المرصد المغربي لحماية المستهلك قد دعا إلى توخي الحذر في حال دخول هذا المنتج إلى السوق الوطنية، مشددا على ضرورة إخضاعه لمعايير دقيقة من الشفافية، خصوصا فيما يتعلق بنسبة النقاء، وطرق التصنيع، وشروط الضمان، وقابليته لإعادة البيع.
وأكد المرصد، في بلاغ له، أهمية إخضاع الذهب الصافي الصلب لخبرة المختبرات المعتمدة ومراقبة الجهات المختصة، مع إلزام البائعين بتوضيح طبيعة المنتج بشكل دقيق، والتمييز الواضح بين الذهب الاستثماري التقليدي والذهب الصناعي الموجه للزينة.
وختم بالتأكيد على أن الابتكار مرحب به في حال احترام قواعد السوق السليمة، غير أن حماية القدرة الشرائية تقتضي تمكين المستهلك من معلومات كاملة لاتخاذ قرار واع، خاصة لدى فئات الشباب والمقبلين على الزواج.
مقالات ذات صلة
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
عالم