مجتمع
التبليغ عن خروقات السوق.. هل يقبل المستهلك على ممارسة هذا الحق؟
12/04/2026 - 11:23
خولة ازنيزني
مع تزايد الوعي بأهمية حماية حقوق المستهلك، تبرز تحولات ملموسة في ثقافة الاستهلاك، خصوصا فيما يتعلق بمراقبة جودة المنتجات والخدمات.
ومع تنامي دور المؤسسات المعنية بحماية المستهلك، أصبح الرهان يتجه نحو تفعيل آليات التبليغ، من أرقام هاتفية ومنصات رقمية وشبابيك مخصصة، باعتبارها وسائل لرصد الخروقات وتمكين المستهلك من الدفاع عن حقوقه والمساهمة في مراقبة السوق.
غير أن هذه الآليات، رغم توفرها وتطورها خلال السنوات الأخيرة، ما تزال تواجه تحديا يرتبط بمدى الإقبال على استعمالها؛ فبين ارتفاع منسوب الوعي الاستهلاكي من جهة، واستمرار التردد في التبليغ من جهة أخرى، يبرز تساؤل حول أسباب هذا السلوك والعوامل التي تحد من لجوء بعض المستهلكين إلى هذه القنوات.
عوامل ثقافية
في هذا السياق، يرى أستاذ علم الاجتماع والأنثروبولوجيا بجامعة محمد الأول بوجدة، الصديق الصادقي العماري، أن ثقافة الاستهلاك في المجتمع المغربي تطورت من شكلها التقليدي القائم على الحاجات الأساسية والضروريات، إلى نمط عصري متأثر بالعولمة وثقافة التسويق، خاصة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، حيث أصبح المستهلك يولِي أهمية أكبر للجودة والمصداقية.
ويوضح العماري، في تصريحه لـSNRTnews، أنه رغم إحداث أرقام هاتفية ومنصات رقمية مخصصة للتبليغ عن أسعار المنتجات، أو المنتجات منتهية الصلاحية، أو الخدمات غير المطابقة للمواصفات، لا يزال جزء من المستهلكين يتردد في تقديم شكايات رسمية عند تعرضه للضرر.
ويؤكد الباحث في علم الاجتماع أن هذا الامتناع لا يرتبط فقط بغياب المعرفة بالآليات المتاحة، بل له علاقة بتصورات راسخة حول فعالية هذه المساطر، إلى جانب الخوف من ضياع الوقت وتعقيد الإجراءات، إلى جانب تجارب سابقة غير ناجحة لم يلمسوا من خلالها نتائج واضحة، خاصة إذا اعتبر المستهلك أن الضرر الذي تعرض له لا يستحق مسارا إداريا طويلا، ما يولد نوعا من فقدان الثقة في جدوى التبليغ.
كما تلعب العوامل الثقافية والاجتماعية دورا في ذلك، إذ يفضل بعض المستهلكين تجنب الدخول في نزاعات مع التجار أو مقدمي الخدمات، خاصة في الأحياء أو المناطق التي تسود فيها علاقات اجتماعية مباشرة.
كما يشير العماري إلى أن ضعف ثقافة المطالبة بالحق ما يزال حاضرا لدى فئات من المجتمع، حيث يميل البعض إلى اعتبار الخسارة جزءا من تجربة الاستهلاك اليومية، بدل التعامل معها كخرق يستوجب التبليغ. غير أن هذا السلوك يبقى رهينا بمدى وعي المستهلك بحقوقه وإيمانه بتواصل المؤسسات واستجابتها لتضرره.
ويعد التبليغ، في هذا السياق، نوعا من الاحتجاج السلمي ورغبة في تطوير الخدمات بما يخدم مصلحة المستهلك.
وفي المقابل، يلاحظ الباحث أن انتشار وسائل التواصل الاجتماعي ساهم في بروز أشكال جديدة من التعبير عن التذمر، حيث يختار بعض المستهلكين نشر تجربتهم عبر الإنترنت بدل اللجوء إلى القنوات الرسمية.
ويرى أن تعزيز ثقافة التبليغ يتطلب تبسيط المساطر، وتسريع معالجة الشكايات، وتعزيز الثقة في فعالية هذه الآليات، إلى جانب تكثيف حملات التوعية حول حقوق المستهلك.
ويرتبط الوعي باللجوء إلى هذه المؤسسات بفهم الحقوق الاستهلاكية وبالعلاقات والتفاعلات الاجتماعية، وكذلك بتداول الأخبار والقوانين. كما أن لجوء المواطن إلى هذه المؤسسات يعكس رغبته في الاندماج الإيجابي في المجتمع وفي ممارسة الاستهلاك بطريقة واعية، وهو وعي تسهم المؤسسات التعليمية في ترسيخه.
كما تلعب المؤسسات المجتمعية، من بينها الأسرة والمدرسة وجمعيات المجتمع المدني، دورا مهما في التأثير على مستوى الوعي لدى المواطن وتعزيز ثقافة الاستهلاك المسؤول.
تبليغ موسمي
من جهته، أكد رئيس الجامعة الوطنية لجمعيات المستهلك، وديع مديح، أن وعي المستهلك المغربي بحقوقه عرف تحسنا ملحوظا خلال السنوات الأخيرة، خصوصا بعد تعزيز آليات التبليغ وإطلاق شبابيك المستهلك من طرف جمعيات حماية المستهلك منذ سنة 2019، وهي مخصصة لتلقي شكايات المستهلكين المتعلقة بالمنتجات وشفافية الأسعار وسلامة الخدمات وحقوقهم الاستهلاكية.
وأوضح مديح، في تصريحه لـSNRTnews، أن التفاعل مع هذه الشبابيك والأرقام يشهد تفاعلا موسميا، خاصة خلال فترات ارتفاع الاستهلاك مثل شهر رمضان وعيد الأضحى والمناسبات الخاصة والعطل والمواسم السياحية.
غير أنه، رغم هذا التقدم، ما يزال مستوى التبليغ أقل من الإمكانيات المتاحة بسبب ضعف المعرفة لدى بعض المستهلكين بالآليات الموضوعة رهن إشارتهم، إضافة إلى تردد البعض في التبليغ أو التساؤل عن جدواه.
وتعتمد جمعيات حماية المستهلك على عدة آليات للاستجابة لشكايات المواطنين، من بينها تقديم الإرشادات والنصائح والتدخل لإيجاد حلول بين المستهلك والمورد.
ويهدف تخصيص هذه الأرقام إلى تمكين المستهلك من وسيلة سريعة ومباشرة للتبليغ عن أي خروقات تمس سلامته وحقوقه، مثل الغش التجاري، وعدم احترام الأسعار، وبيع منتجات غير صالحة للاستهلاك، أو ممارسات تجارية غير قانونية، وكذا الإشهار الكاذب.
ومن بين الأرقام المتاحة، تلك الخاصة بجمعيات حماية المستهلك، والتي تربط المتصل بأحد شبابيك المستهلك التابعة لها. كما خصصت وزارة الداخلية الرقم الأخضر 5757 لتلقي شكايات المستهلكين المتعلقة بالأسعار وجودة المنتجات وتاريخ الصلاحية، خاصة خلال شهر رمضان، وهو ما يرى الفاعلون في المجال أنه يجب أن يمتد طيلة السنة.
كما يمكن للمستهلكين التبليغ عن المخالفات المرتبطة بالمواد الغذائية عبر الرقم الخاص بالمكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية (0801003637). وتوجد كذلك منصات رقمية لتلقي الشكايات، من بينها منصة "شباك المستهلك" التابعة لجمعيات حماية المستهلك، إلى جانب بوابة "خدمة المستهلك" التابعة لوزارة الصناعة والتجارة، إضافة إلى منصة "شكاية" الحكومية التي تهم مختلف القطاعات.
تلقي 24 ألف شكاية منذ 2019
وفي هذا السياق، يؤكد وديع مديح أن تعزيز ثقافة التبليغ يمر عبر تكثيف الحملات التحسيسية، خاصة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، إلى جانب إدماج ثقافة حماية المستهلك في البرامج التعليمية. فبناء مواطن واع بحقوقه كمستهلك يبدأ، بحسبه، من التربية منذ الصغر.
كما يشدد على ضرورة تسهيل إجراءات التبليغ وإتاحتها عبر مختلف الوسائل التقنية، إلى جانب ضمان جدية المؤسسات في التعامل مع الشكايات حتى يلمس المواطن أثر تبليغه في الواقع، سواء من خلال إنصافه أو من خلال تحسين جودة الخدمات.
وفي هذا الإطار، تشير المعطيات إلى أن شبابيك المستهلك تمكنت منذ سنة 2019 من تلقي نحو 24 ألف شكاية، تمت معالجة حوالي 90 في المائة منها.
وتتوزع هذه الشبابيك في عدد من المدن المغربية، وتشرف عليها أطر متخصصة في قوانين الاستهلاك تقدم التوجيه والاستشارات وتعالج الشكايات، كما تساهم في رصد الاختلالات المتكررة في السوق والتنبيه إليها.
من جهته، أوضح رئيس الجامعة المغربية لحقوق المستهلك، بوعزة الخراطي، أن التبليغ يطرح عدة أسئلة مرتبطة بالمعتقدات والثقافة السائدة وسيكولوجية المستهلك، والتي تختلف باختلاف السن والجنس والمستوى الدراسي.
وأشار الخراطي، في تصريحه لـSNRTnews إلى أن بعض التصورات الاجتماعية ما تزال تعتبر من يقوم بالتبليغ "مخبرا" وهو ما قد يضع المستهلك المتضرر أمام خيار صعب بين القيام بواجبه أو السكوت خوفا من الأحكام الاجتماعية.
وأضاف أن اعتماد الأرقام الهاتفية للتبليغ لم يقدم النتائج المرجوة في البداية، غير أن الوضع بدأ يتغير تدريجيا، خاصة بعد جائحة كوفيد-19، حيث أصبح المستهلك المتضرر يلجأ أكثر إلى الاتصال بجمعيات حماية المستهلك أو إلى المنصات الرقمية.
وأشار الخراطي إلى أن عدد الشكايات المسجلة في تزايد مستمر، وهو ما يعكس أهمية هذه الآليات في التبليغ عن التجاوزات في السوق المغربي، موكدا أن التبليغ يشكل رد فعل طبيعيا على عدم الرضا عن منتوج أو خدمة تم اقتناؤها.
كما يساهم التبليغ، بحسبه، في حماية السوق من الاختلالات ويعزز المشاركة المجتمعية للمستهلك في مراقبة الممارسات التجارية، غير أن بعض المستهلكين يفضلون أحيانا التبليغ مباشرة للتاجر أو محاولة حل المشكل بشكل ودي، بدل اللجوء إلى المؤسسات المختصة، بسبب ضعف الثقة في بعض مؤسسات المراقبة.
وأشار إلى أن جمعيات حماية المستهلك التابعة للجامعة المغربية لحقوق المستهلك تتوفر على 31 شباكا للمستهلك موزعة على عدد من المدن المغربية، تستقبل الشكايات بشكل يومي سواء حضوريا أو عبر الهاتف أو الإنترنت.
وتقوم هذه الشبابيك باستقبال الشكايات والتدخل لدى الجهات المعنية لمعالجتها، إضافة إلى تقديم النصائح والتوجيهات اللازمة للمستهلكين.
حقوق المستهلك المغربي
إلى جانب ذلك، يتمتع المستهلك المغربي بعدد من الحقوق المعترف بها دوليًا، من بينها الحق في الإعلام، أي معرفة مكونات المنتوج وسعره الحقيقي ومواصفاته بدقة، والحق في الاختيار بين منتجات متنوعة بجودة وأسعار تنافسية، إضافة إلى الحق في الإصغاء إلى شكاياته عبر قنوات مخصصة لذلك.
كما يتمتع المستهلك بالحق في التراجع عن عملية الشراء داخل أجل قانوني محدد، خاصة في مجال التجارة الإلكترونية، وفق شروط محددة، إضافة إلى الحق في التمثيلية عبر جمعيات حماية المستهلك، والحق في حماية مصالحه الاقتصادية من خلال الحصول على منتوج أو خدمة بجودة مناسبة وسعر عادل، دون شروط تعسفية أو ممارسات مضللة.
مقالات ذات صلة
مجتمع
اقتصاد
مجتمع
اقتصاد