رياضة
ألعاب التضامن .. سفراء مغاربة فوق العادة
14/08/2022 - 09:32
يونس الخراشي
عدا البعثة الرياضية المغربية إلى قونيا التركية، حيث تجري ألعاب التضامن الإسلامي في دورتها الخامسة، إلى غاية 18 غشت 2022، يوجد عدد من المغاربة الذين يمثلون بلدهم في لجان التنظيم والتحكيم، بل وبين المتطوعين، فضلا عن سفراء آخرين يشتغلون لفائدة منتخبات أخرى، وغيرهم.
قصة واحدة تلخص كل شيء عن هؤلاء السفراء المثاليين، وتؤكد العشق الأبدي للوطن. فسواء تعلق الأمر بآية، المقيمة مع أسرتها في قونيا، أو محمد أمين العزوزي، الذي يدرس في أنقرة، أو أحمد الطناني، الذي جاء ليشرف على التحكيم في مسابقات ألعاب القوى، أو السيدة التي طلبت، هي وزوجها التركي وابنتها، صورة مع الوفد الصحافي، أو حمو البوكيلي، أحد مدربي المنتخب الكويتي، كان الخيط الرابط واحدا؛ حب البلد، والرغبة في منح صورة مشرفة عن المغرب.
كنا نستعد للعودة، ليلا، من ملعب ميتروبوليتان، حيث جرى حفل افتتاح الدورة الخامسة لألعاب التضامن الإسلامي، إلى الفندق الذي نقيم به، بعيدا، حين سمعنا:"خوتي المغاربة.. خوتي المغاربة". وإذ توقفنا لنعرف مصدر الصوت، إذا بنا نكتشف شابة صغيرة السن، تلبس زي المتطوعات والمتطوعين، وتكاد تطير من الفرح. وما أن رحبنا بها، حتى بادرت إلى القول، بدارجة فصيحة، لا عوج فيها:"أنا آية، من كونيا". ودون أن تتوقف، وفرحها باد أكثر من قبل:"أنا مغربية، أمي مغربية، وأبي تركي، ونقيم هنا في كونيا".
كانت آية، الطالبة النبيهة التي تشتغل مع جيش المتطوعين، في الدورة الخامسة لألعاب التضامن الإسلامي، وبالتحديد في الإشراف على الوفد المغربي، وتساعد في الترجمة من العربية إلى التركية وبالعكس، تريد شيئا معينا، ستشرحه:"كم أنا سعيدة للغاية. لا يمكنكم أن تعرفوا مدى فرحتي. أخيرا وجدت أشخاصا يمكنني أن أتحدث إليهم بالدارجة".
وواصلت، مستحوذة على اللقاء كله بفرح طفولي، فيما كان متطوع ومتطوعة تركيان يقفان إلى جانبها مشدوهين، ويتتبعان حركاتها، وهي تشير بيديها، وتفرك شعرها القصير، وتحرك نظارتيهما السوداوين بين الفينة والأخرى، كي تنطلق بدارجتها المميزة. "حين دخل الوفد المغربي إلى الملعب أحسست بمشاعر جميلة. أنا مغربية، وتركية. وفخورة جدا بخدمة بلدي المغرب".
ودون أي سابق إنذار، طارت آية من مكانها، وهي تنادي على شخص لم نتبين هويته في بداية الأمر، بفعل توالي عبور الحشود التي كانت تتحرك آتية من مداخل الملعب الكبير، لتمضي في اتجاه محطات الحافلة، أو إلى المطاعم القريبة لتناول وجبة العشاء، لاسيما وقد كانت الساعة تشير إلى حوالي الحادية عشرة ليلا في تلك الأثناء. فحفل الافتتاح تأخر في الانطلاقة، ودخول البعثات الرياضية نال قسطا كبيرا من زمن الاحتفال ببدء الدورة.
حين عادت آية، كان معها شاب صغير السن، بقامة رياضية بارزة، ويلبس هو الآخر زيا يشير إلى أنه ضمن اللجنة المنظمة للدورة الرياضية. قدمته بفرح طفولي ظاهر:"هذا محمد أمين العزوزي. إنه مغربي هو أيضا، ويوجد في اللجنة المنظمة". ابتسم محمد أمين، ثم راح يقدم نفسه، وقد أفسحت له سارة المجال لكي يتكلم، وما يزال فرحها ينطلق من عينيها شررا، وهي سعيدة بهذه اللمة المغربية الجميلة في مكان من العالم، تعبر منه الحشود، دون أن تعرف عنه أي شيء.
قال محمد أمين العزوزي إنه من فاس، وهو ابن بطل سابق في رياضة كرة السلة. بل أوضح لنا بأنه هو أيضا كان يمارس هذه الرياضة الجامعية، وعاش على أمل أن يصير واحدا من رموزها الوطنية والدولية، لاسيما أنه سافر إلى الولايات المتحدة الأمريكية ليجري معسكرات تدريبية هناك، فنال الإعجاب، وتنبأ له الأمريكيون بمستقبل كبير في هذا المسار البرتقالي.
قال مبتسما تلك الابتسامة التي تخفي ألما:"مع الأسف، لم يتسن لي أن أكمل مساري، بفعل المشاكل الكبيرة التي عاشت على وقعها كرة السلة في المغرب، وكان أسوأ ما أدت إليه هو إنهاء وجود منتخب وطني لشباب طموح". توقف لحظة، ثم قال مستدركا:"ولكن نحن نعيش دائما على الأمل، وما أنا هنا إلا لأجل ذلك".
محمد أمين العزوزي، الذي كان هو الآخر مسرورا للغاية بلقائنا، ولم ينتبه إلى ما حولنا من ضجيج، وكأنه، ونحن معه، في قوقعة زجاجية مغلقة، قال إنه جاء إلى تركيا ليدرس علوم الرياضة، بعد أن تخرج من معهد مولاي رشيد بضاحية مدينة سلا. أوضح لنا أنه يوجد بقونيا منذ شهر ماي الماضي، ضمن لجنة الاعتمادات. وشرح لنا طبيعة عمله مع اللجنة، بحيث يتكفل بكل ما هو علاقات دولية. غير أنه لم يكن ليرد طلبا لأي مغربي أو مغربية ضمن البعثة الرياضية، بما أنه يخدم الجميع، وخدمة أبناء بلده أوجب.
وإذ كنا نتأهب للعودة إلى الفندق، بعد أن اتفقنا مع آية، المنصرفة لموعد مقترب، على لقاء آخر نتعرف فيه على قونيا من قبلها، ألح محمد أمين على أن يوصلنا إلى وجهتنا. ألح إلحاحا شديدا، حتى اضطررنا إلى قبول دعوته، مدركين أن ذلك سيسره أكثر. وفي الطريق أخبرنا عن مهمته بتفصيل أكبر، مشيرا، على الخصوص، إلى لقاء جمعه، صدفة، بحكم مغربي، اسمه أحمد الطناني، كان بحاجة إلى منقذ من تيه الوصول إلى قونيا في غياب دليل.
في اليوم الموالي، وكنا في الملعب الذي يحتضن منافسات ألعاب القوى، وهو ملحق بملعب ميتروبوليتان، حيث جرت وقائع حفل الافتتاح، سنلتقي بالحاج أحمد الطناني، الحكم الدولي المعروف في أم الرياضات. وسيحكي لنا هو الآخر عن لقائه، صدفة، بشاب مغربي، "بحال درهم الحلال"، أنقذه من تيهه، وأوصله إلى الفندق. قال إن اسمه محمد أمين، وإنه شاب لطيف للغاية، ويحق لكل مغربي أن يفتخر به، وبما يقدمه من أشياء رائعة في الدورة الخامسة لألعاب التضامن الإسلامي بتركيا، ويحسب لبلده المغرب.
الحاج أحمد الطناني، الذي يعد مفخرة من مفاخر التحكيم المغربي في ألعاب القوى، قال، أيضا، إنه جاء إلى قونيا التركية، من مهمة رسمية في الدوحة القطرية، حيث كان يقيس ماراثونا سيبرمج شهر يناير المقبل، ليكون في خدمة بلده المغرب. وبدا، وهو يتحرك في الملعب، متسيدا كل مواقعه، بهدوء واضح، ودون حتى أن ينطق بكلمة، كما عادته واثق الخطوة يمشي ملكا. ويشعر كل مغربي، من أفراد الوفد الرياضي والإعلامي، وغيرهم، بمشاعر الفخر.
لم ينته أمر سفراء المغرب فوق العادة بقونيا التركية عند هذا الحد. فيوم الجمعة، وكان المنتخب الوطني المغربي يواجه نظيره الأزربذجاني، في ملعب الجمهورية، جاءت بعض الجماهير القليلة لتؤازر الأسود، على أمل الفوز على الأزربذجانيين، والعبور إلى محطة نصف النهائي. وكان بين تلك الجماهير القليلة، التي لم تتعد عشرة أشخاص، على الأرجح، آية ومحمد أمين، وإعلامية مغربية، تواصل دراستها في إسطنبول.
تفاعل هؤلاء، بالصراخ، والتشجيع، والقلق، والأسف، والفرح، وغيرها من المشاعر المختلفة والمتداخلة والمتسارعة، مثل ضربات قلب رياضي، مع لحظات المباراة، ولاسيما منها الأخيرة، حينما كان أسود الأطلس بحاجة إلى هدف كي يعبروا إلى النصف، وبخاصة عندما أهدر اللاعب سفيان بنجديدة ضربة جزاء، فضلا عن إهدار زميل له فرصة المباراة كلها، في آخر الأنفاس.
وهكذا، بدت آية حزينة، بلا قدرة على الكلام. وبرز الأسف على وجه محمد أمين، وهو يحاول أن يظهر غير ذلك. ثم ما لبثا أن تحركا من المدرجات، ليؤديا مهمتهما الأساس، وهي تهييء الظروف الجيدة للوفود، ومن ضمنها، في ذلك اليوم، تحضير وسائل النقل الخاصة بإيصال الأشخاص المهمين، والوفد الإعلامي، إلى حيث يريدون.
في مساء الجمعة، وكانت غلة المنتخب الوطني لألعاب القوى مثمرة، ولاسيما في سباق 400 متر مستوية أربع مرات لفئة الذكور، الذي جاء مسك الختام، بذهبية غير متوقعة، عاش الوفد المغربي على وقعها فرحة كبيرة، إذا بسيدة مغربية مقيمة بتركيا، وقد وقفت إلى جانبها ابنتها الصغيرة وزوجها، تطلب صورة مع الوفد الصحافي. قالت إنها لم تكن لتفوت فرصة حضور هذا العرس الرياضي، حيث يشارك رياضيون مغاربة، بأي ثمن.
السيدة المغربية، التي جعلتها الفرحة تبدو في عمر طفلتها الصغيرة وهي تحصل على صورتها، فيما كان زوجها التركي يلتقط مزيدا من الصور بالهاتف، قالت إنها لن تنسى هذا اليوم أبدا، مشيدة بالحضور المغربي. وفي لحظة تالية، قال الزوج متسائلا:"صافي؟"، مشيرا إلى أنه هو الآخر يريد صورة. وما أن حصل عليها، حتى قال:"مزيان"، وانفجر ضاحكا، مومئا، برأسه وحاجبيه، إلى أنه بدوره يعرف الدارجة، التي تعلمها من سفيرة مغربية فوق العادة.
حوالي التاسعة ليلا، وكانت الأضواء الكاشفة تطارد الظلام في كل نواحي الملعب الصغير، سُمع مناد يشير إلى أن آخر نشيد وطني سيعزف لإسدال الستار على منافسات ألعاب القوى هو النشيد الوطني المغربي. كانت لحظة الاحتفال بفوز العدائين المغاربة بذهبية سباق 400 متر مستوية أربع مرات. وظهر مغربي آخر، سفير فوق العادة بدولة الكويت، جاء ليشهد لحظة لا يمكن تفويتها، وتعني له ولغيره الكثير. إنها لحظة التغني بنشيد "منبت الأحرار"، والراية المغربية ترفع عاليا.
قال حمو البوكيلي، العداء السابق والمدرب الحالي بدولة الكويت، والذي يشرف على بعض عدائي المنتخب الوطني الكويتي لألعاب القوى، إنه سعيد باللقاء، ويريد أن يبقى التواصل بيننا مستمرا، لمناقشة كل ما هو رياضي. وما أن بدأ عزف النشيد الوطني حتى طغى على كل شيء، في جو مهيب، لم تكسره صمته سوى كلمات "بشعار: الله، الوطن، الملك".
انتهى اللقاء، دون أن تنتهي حكاية السفراء المغاربة فوق العادة.
مقالات ذات صلة
رياضة
رياضة
رياضة
رياضة