فن و ثقافة
"التبراع"... بوح الصحراوية للحبيب السري
15/04/2021 - 15:02
حليمة عامر
"التبراع" شعر نسائي غرضه الغزل، تعبر المرأة الصحراوية، من خلاله، عن عواطفها ومشاعرها تجاه الرجل. يعكس، في لغته ومعانيه، جوانب عدة من الحياة الاجتماعية والثقافية للمجتمع البيضاني، لذلك تحاول مجموعة من شاعرات هذا الجيل إحياءه، والحفاظ عليه من الاندثار.
تحاول اليوم مجموعة من الجهود التعريف بـ"التبراع"، مثل الشاعرة فرحة بنت حسن، إحدى أشهر الشاعرات الحاليات اللواتي يمارسن "التبراع" بوجه مكشوف، من أجل إحياء التراث وبعض المصطلحات الآيلة للانقراض، والتي لا يعرفها هذا الجيل، حيث تحاول أن توظفها في "التبراع" لكي تعطيه نفسا جديدا.
وفي هذا الصدد، قامت أكاديمية المملكة بإعداد كتاب، بعنوان "التبراع.. الشعر النسائي الحساني"، مرفقا بقرص مدمج. حيث صدر هذا المؤلف أخيرا باللغتين العربية والفرنسية، من أجل توثيق هذا الشعر، لأنه يعد تعبيرا نادرا عن أحاسيس نسائية رقيقة.
وأوضح رحال بوبريك، باحث وأكاديمي متخصص في الأنثروبولوجيا، ومؤسس معهد الدراسات الصحراوية بالرباط والمنسق العلمي للكتاب، في تصريح لـ"SNRTnews"، أن هذا المؤلف ثمرة مشروع جماعي يرمي إلى تجميع وتدوين وترجمة وتسجيل متن شفاهي لشعر "التبراع"، تم إنجازه من طرف فريق متمكن وذلك بانتقائه "مائة قصيدة وقصيدة". ومن ثم أدرج رمز خاص في ظهر الكتاب يسمح بسماع التسجيل الصوتي المكون من قراءة لهذا الشعر مصحوبة بنغمات "تيدينيت" وهي آلة تقليدية للموسيقى الحسانية.
ويشرح بوبريك أنه شارك في هذا العمل مجموعة من المختصات والمختصين، بداء من عملية تجميع المتن من أفواه النساء، والذي قامت به عزيزة عكيدة، وانتقاء "المائة تبربعة وتبريعة" من بين أزيد من 1000 "تبريعة"، التي تم تجميعها، حيث جرى وضع شرح مقتضب باللغة العربية الفصحى لكل "تبرعية"، تلته عملية الترجمة إلى الفرنسة، والتي تكلفت بها الشاعرة والكاتبة الموريتناية عيشتو أحمدو.
كتاب يقتفي أهمية القصيدة النسائية
يؤكد عبد الجليل لحجمري، أمين السر الدائم لأكاديمية المملكة المغربية، الذي قام بتقديم كتاب "التبراع"، الصادر عن أكاديمية المملكة، أن هذه القصيدة النسائية تستحق أن توثق، وأن تنشر وأن يحافظ عليها، كتعبير ناذر عن أحاسيس نسائية رقيقة.
ويبرز لحجمري أنه، في الماضي، كانت أشعار الغزل تلقى أو تغنى، مع الحفاظ على سرية هوية الشاعرات، فالمرأة داخل المجتمع المحافظ، كانت من باب الحياء والحشمة، تمتنع عن البوح بعواطفها بصفة عامة، مشددا على أن" التبراع لم يقتصر على قصائد غزلية فقط، بل استعمل لأغراض شعرية أخرى".
وجاء في كتاب "التبراع" أن يصعب إحصاء الشاعرات اللاتي ينظمن بالحسانية، لأن ذلك يمكن أن يغفل نصف أفراد المجتمع، حيث يحظر على النساء، بسبب جنسهن، الشعر، ليس لكونه يعنيهن (غالبا ما تكون النساء موضوع القصائد بشكل مباشر) أو مستقبلات (هن يحفظن ويقرأن الأشعار)، ولكن بشكل مباشر كشاعرات (مغنيات).
وبالرغم من ذلك، وافق الرجال على تقديم تنازلات أو بالأحرى كانت هنالك في نهاية المطاف مساحة إبداع نجحت النساء في اقتحامها مع مرور الوقت.
"غناوة" و"التبراع"
حسب هذا الكتاب، الصادر في حجم كبير وفي طبعة أنيقة تختفي بالثقافة الخسانية، لا يوجد في الثقافة العربية نوع أو غرض شعري شبيه بالتبراع، باستثناء شعر البدويات في مصر المعروف بـ"الغناوة"، وهو أيضا بيت يتكون من شطرين بنفس الوزن والقافية. حيث يعد جنسا أنثويا محددا يركزا على التعبير عن المشاعر بشكل مباشر.
وفي الحالتين، يتعلق الأمر بنوع أنثوي بالتحديد يتمحور حول التعبير عن الأحاسيس بطريقة أو غير مباشرة. ومع ذلك توجد اختلافات بين الاثنين، ليس على مستوى الشكل فحسب (لا توجد قافية في شعر غناوة) ولكن أيضا من حيث المضمون.
على عكس "غناوة" الذي هو شعر النساء المتزوجات، فإن التبراع في الأساس هو شعر تنظمه الشابات العازبات، حيث يحتل الحب والمزاح والإفصاح عن المشاعر مكانة أكبر مقارنة مع سلبيات الزواج أو الصعوبات التي تواجه الزوجات مع الأصهار وأسرة الزوج.
ما هو "التبراع"؟
أوضحت خديجة العبدي ناحا، شاعرة تكتب "التبراع"، في تصريح لـ"SNRTnews"، أن هذا الشعر النسائي يتكون من بيت واحد، أو ما يسمى بالحسانية بـ"تافلويتين"، ويتكون من شطرين، ذات روي واحد.
وتشدد على أن هذا الشعر الحساني له مجموعة من الخصوصيات أولها أنه يتكون من شطرين، الشطر الأول يتكون من بيت "البتيت التاء" والشطر الثاني يسمى بـ"حث وجراد".
وتوضح الشاعرة الصحراوية على أن "ذلك الكم الهائل من شعر "التبراع" ليس فيه أي "تبريعة" واحدة منسوبة للشاعرة التي أنتجتها، حيث لا يوجد في الثقافة الحسانية أي "تبراع" منسوب باسم صاحبته، كونهن يتحفظن جدا من هذه المسألة".
شاعرة مجهولة
تبرز المتحدثة ذاتها أن النساء في مجتمع "البيضان" يتحفظن عن ذكر أسمائهن لأن مجتمعاتهن جد محافظة، ويطبعها الحشمة والحياء.
ويعد "التبراع" شعرا نسائيا خاصا بالمرأة في مجتمع البيضان، الذي يمتد من واد نون شمالا (كلميم حاليا) إلى مشارف نهر السينغال جنوبا، ومن المحيط الأطلسي إلى أحواز مالي شرقا.
وذهبت عزيزة عكيدة، أستاذة باحثة المغربية في ثقافة الصحراء بجامعة ابن زهر بأكادير والتي جمعت المتن وشرحته، إلى أن شعر "التبراع" كان دائما مجهول الهوية. ويقال في أجواء جد خاصة، حيث كانت النساء يحاولن ما أمكن التستر عليه، فيبقى عادة حبيسة نفسها، أو صديقاتها، اللواتي يحفظنه جيدا، لذلك كان من الصعب معرفة قائلته أو الفترة الزمنية المحددة التي قيل فيها أو حتى المكان المحدد له.
وتشرح المتحدثة ذاتها أن المجتمع الصحراوي محافظ، ولا يسمح للمرأة بأن تعبر عن مشاعرها وعن عواطفها تجاه الرجل، وهذا هو السبب الذي جعله محمودا ومقبولا في المجتمع، لأنه لا يعرف من قائلته، وبالتالي لن يربط هذا البوح بشخصية معينة، لذلك لن تتعرض هذه الشاعرة للمساءلة أو لن تضع نفسها أو عائلتها في مواقف محرجة بسبب هذا البوح.
مراحل تطور "التبراع"
تبرز الباحثة في الثقافة الحسانية أن "التبراع" مر بثلاث مراحل أساسية؛ أولها المرحلة القديمة والتي امتاز خلالها هذا النوع من الشعر بالحشمة وطغت عليه الرمزية واللغز، حيث كانت المرأة تحرص جيدا على السرية. وتغلب عليه تيمة الغزل. وبالنسبة للمرحلة الثانية، والتي سمتها بمرحلة الجرأة وتوظيف المفاهيم، فالتطور الذي عرفه المجتمع بمعيّة الدولة، جعل المرأة تتحرر بعض الشيء فأصبح المجتمع يلمس في "التبراع"، بعضا من الجرأة، كأن تصرح باسم المحبوب وقبيلته أو من خلال ما يدل عليه بصورة مباشرة، وهي مرحلة مرتبطة بالحياة الجديدة والانفتاح التكنولوجي.
والمرحلة الثالثة، تبرز الباحثة، كانت تعد مرحلة الخفوت، والتراجع، وارتبطت مع نهاية التسعينات خاصة، بعدما تقلصت البداوة بمفهومها العام وانشغلت النساء بأمور أخرى كالدراسة والعمل ومتابعة المسلسلات بدل قول الشعر في رجل لا يعرفها حتى.
والمرحلة الأخيرة، والحالية، وهي مرحلة البعث والإحياء، والتي ستعرف ظهور مجموعة من الشاعرات اللواتي يحملن لواء هذا الشعر، ويقرضنه بوجه مكشوف، غايتهن إحياء مصطلحات حسانية آيلة للانقراض من خلاله، والحفاظ عليه من الاندثار، حيث أصبحت المرأة تتغزل بوجه مكشوف، ولكن ليس تغزلا حقيقيا، بل فقط من أجل إحياء التراث.
مقالات ذات صلة
مجتمع
فن و ثقافة
فن و ثقافة