مجتمع
هل يحد تحسين الأجور من هجرة الأطباء؟
15/07/2026 - 11:14
مراد كراخي
تواصل هجرة الأطباء المغاربة نحو الخارج فرض نفسها كواحدة من أبرز التحديات التي تواجه المنظومة الصحية الوطنية، في ظل تزايد الطلب الدولي على الكفاءات الطبية المغربية، مقابل استمرار الخصاص في الموارد البشرية في المغرب
وتكتسي هذه الظاهرة أهمية خاصة في سياق يراهن فيه المغرب على تنزيل ورش إصلاح المنظومة الصحية وتعميم الحماية الاجتماعية، وهو ما يستوجب توفير عدد كاف من الأطباء والأطر الصحية لضمان الولوج إلى خدمات علاجية ذات جودة.
ورغم الإجراءات التي باشرتها الحكومة خلال السنوات الأخيرة، من قبيل الرفع من أجور الأطباء، وتقليص مدة الدراسة بكليات الطب من سبع إلى ست سنوات، والرفع من الطاقة الاستيعابية لكليات الطب، وإحداث مؤسسات جديدة للتكوين، إلى جانب سن قانون يهدف إلى تسهيل التحاق الأطباء المغاربة المقيمين بالخارج والأطباء الأجانب بالمنظومة الصحية الوطنية، فإن الهجرة ما تزال متواصلة بوتيرة مرتفعة.
وفي المقابل، تواصل دول مثل فرنسا وبلجيكا وألمانيا وكندا استقطاب الأطباء المغاربة، مستفيدة من جودة التكوين الطبي بالمغرب، ومن الحوافز المهنية والمادية التي توفرها، فضلا عن تسهيل الاعتراف بالشهادات وإمكانية استكمال التخصص والاندماج السريع في أسواق الشغل.
أرقام تكشف حجم التحدي
كشف رئيس الهيئة الوطنية للطبيبات والأطباء، محمدين بوبكري، أن المغرب يفقد ما بين 600 و700 طبيب سنويا بسبب الهجرة.
وأوضح، في تصريح لـSNRTnews، أن عدد الأطباء الممارسين داخل المملكة يبلغ حوالي 32 ألف طبيب، وهو رقم يوازي حجم الخصاص الذي تعاني منه المنظومة الصحية، ما يعني أن المغرب يحتاج إلى مضاعفة موارده البشرية الطبية لتلبية حاجياته.
وأضاف أن عدد الأطباء المغاربة الذين يمارسون مهنتهم خارج المملكة تجاوز 20 ألف طبيب، وهو رقم يعكس حجم الاستقطاب الذي تمارسه الدول الأجنبية للكفاءات المغربية.
ويرى بوبكري أن القانون الذي يهدف إلى تسهيل عودة الأطباء المغاربة المقيمين بالخارج، واستقطاب الأطباء الأجانب، لم يحقق بعد النتائج المنتظرة، موضحا أن حالات الالتحاق المسجلة ما تزال محدودة، في الوقت الذي تواصل فيه عدة دول تقديم حوافز مهمة للأطباء المغاربة، سواء من خلال تسهيل إجراءات الاندماج المهني أو تمكينهم من ممارسة المهنة مباشرة بعد معادلة الشهادات، مع توفير فرص لاستكمال التخصص في ظروف أفضل.
الجانب المادي ليس السبب الوحيد
ورغم أن الأجور تعد من بين أبرز الدوافع نحو الهجرة، فإن المهنيين يؤكدون أن القرار لا يرتبط بالعامل المالي فقط، بل بمجموعة من الاعتبارات التي تمس ظروف ممارسة المهنة وجودة بيئة العمل وآفاق التطور العلمي والمهني.
وفي هذا السياق، يؤكد رئيس الشبكة المغربية للدفاع عن الحق في الصحة والحق في الحياة، علي لطفي، أن هجرة الأطباء نتاج مجموعة من العوامل المتداخلة، تبدأ من ظروف العمل داخل المستشفيات العمومية، ولا تنتهي عند مستوى الأجور.
وأوضح، في تصريح لـSNRTnews، أن الأطباء يشتغلون في ظروف صعبة نتيجة الخصاص الكبير في الموارد البشرية، الأمر الذي يضاعف ضغط العمل ويزيد عدد ساعات المداومة، فضلا عن الاكتظاظ الذي تعرفه المؤسسات الاستشفائية.
وأضاف أن عددا من المستشفيات تعاني من تقادم أو تعطل التجهيزات الطبية، إضافة إلى الانقطاع المتكرر لبعض الأدوية والمستلزمات الضرورية، وهو ما يحد من قدرة الطبيب على تقديم العلاج في أفضل الظروف، ويؤثر على جودة الممارسة الطبية.
وأشار إلى أن سنوات التكوين الطويلة، التي تمتد إلى ست سنوات بالنسبة للتكوين الأساسي، تليها أربع سنوات أو أكثر بالنسبة لعدد من التخصصات، لا يقابلها، حسب تعبيره، مستوى مناسب من الأجور والتعويضات مقارنة بحجم المسؤولية الملقاة على عاتق الطبيب.
واعتبر أن عددا من الأطباء يقارنون أوضاعهم المهنية بنظرائهم في الدول الأوروبية، ليجدوا أن الفارق لا يقتصر على الأجر، بل يشمل كذلك ظروف العمل، والاستقرار المهني، وإمكانيات البحث العلمي، وفرص التكوين المستمر والتطور الوظيفي.
وأكد لطفي أن هذه العوامل أصبحت تدفع بعض طلبة الطب إلى التفكير في الهجرة منذ سنوات الدراسة الأولى، حيث يخطط كثير منهم لاستكمال التخصص أو ممارسة المهنة في الخارج مباشرة بعد التخرج.
وأضاف أن التحسين الذي عرفته أجور الأطباء خلال السنوات الأخيرة يعد خطوة إيجابية، لكنه لا يكفي وحده للحفاظ على الكفاءات، ما دامت الإشكالات المرتبطة ببيئة العمل، ونقص التجهيزات، والضغط المهني، وضعف الحوافز ما تزال قائمة.
هل تكفي الإجراءات المعتمدة؟
يرى محمدين بوبكري أن الإصلاحات التي أطلقتها الدولة بدأت تضع الأسس لمعالجة الخصاص، غير أن نتائجها تحتاج إلى الوقت حتى تظهر على أرض الواقع.
وأوضح أن توسيع شبكة كليات الطب، إلى جانب الرفع من عدد الطلبة المقبولين سنويا، سيمكن من تكوين أعداد أكبر من الأطباء خلال السنوات المقبلة، وهو ما قد يساهم في تقليص الخصاص الذي تعرفه المنظومة الصحية.
وأضاف أن توفير فرص أكبر للتكوين والتخصص داخل المغرب من شأنه أن يحد من لجوء الأطباء إلى الخارج، متوقعا أن تبدأ آثار هذه الإصلاحات في الظهور خلال أربع إلى خمس سنوات.
وفي المقابل، يرى علي لطفي أن هذه الإجراءات، رغم أهميتها، لا تزال غير كافية لتحقيق الاستقرار المهني للأطباء والأطر الصحية.
وأوضح أن الرفع من الأجور يمثل خطوة إيجابية، لكنه ينبغي أن يواكب بإصلاح شامل لبيئة العمل داخل المستشفيات، من خلال توفير الموارد البشرية الكافية، وتجديد التجهيزات الطبية، وضمان توفر الأدوية والمستلزمات، وإقرار نظام أكثر تحفيزا للتعويضات والترقي والتكوين المستمر.
كما دعا إلى تحسين أوضاع الممرضين وباقي مهنيي الصحة، الذين أصبحوا بدورهم هدفا لعمليات الاستقطاب من طرف عدد من الدول، محذرا من أن استمرار نزيف الكفاءات سيؤثر على قدرة المنظومة الصحية على مواكبة الإصلاحات الكبرى التي يشهدها القطاع.
وأكد أن الدولة تستثمر مبالغ مهمة في تكوين الأطباء داخل كليات الطب العمومية، ما يجعل الحفاظ على هذه الكفاءات بعد التخرج رهانا استراتيجيا، ليس فقط لتقليص الخصاص، بل أيضا لضمان نجاح ورش إصلاح المنظومة الصحية وتعميم الحماية الاجتماعية.
مقالات ذات صلة
مجتمع
مجتمع
مجتمع
مجتمع