رياضة
بلاتر.. "الثعلب" الذي "شيّب" المغاربة
08/02/2021 - 16:23
صلاح الكومري
وحيدا يصارع المرض، لا حبيب ولا قريب ولا صديق بقي إلى جانبه وفيا. صار شيخا طاعنا في السن. ابتعد عنه الجميع، حتى من كانوا، بالأمس القريب، أقرب المقربين، يقدمون له والولاء والطاعة ويركعون أمام "عرشه" توددا وتوسلا لرضاه، حين كان إمبراطورا حاكما مطلقا لعالم كرة القدم على مدار 17 سنة في الاتحاد الدولي "فيفا". وحدها ابنته كورين بلاتر، ذات الـ58 عاما، ترعاه، حبا له، وعطفا على تاريخه، وإشفاقا على ما تبقى من بريق نجمه قبل أفوله إلى الأبد.
في الخامسة والثمانين من عمره، يصارع "الثعلب" جوزيف سيب بلاتر المرض. يتمنى لو يقضي عليه كما قضى على جميع خصومه سنوات مجده، إذ أنه أصيب شهر نونبر 2020 بفيروس "كورنا"، وأجرى أواخر دجنبر 2020 عملية جراحية طارئة على القلب كانت "معقدة وخطرة"، حسب تعبير ابنته. وبعدها دخل في غيبوبة لمدة أسبوع، وفي 22 يناير 2021، غادر المستشفى ليخضع لعناية طبية خاصة في بيته.
وهو على فراش المرض، بالتأكيد يمر أمام بلاتر، المتابع منذ 2015 في قضايا فساد ورشوة، شريط حياته الصاخب. يتذكر، بهدوء وحنين، حين كان يحرك كرة القدم العالمية بطرف أصبعه الخنصر، وحين كان "ثعلبا"، كما وصفته الصحافة الدولية، فطنا، حذقا، يتربص للفرص بطرف عينه، وينقض عليها في الوقت المناسب. ويتذكر أيضا حين أعطى العطايا باستعلاء وكرم، وأخذ الهدايا بأنفه وكبرياء. وحين كان يجيد، باحترافية، ترويض المعارضين واللعب مع الكبار في مباريات الضرب من تحت الحزام، ليطيح بهم في الدقيقة التسعين، بالضربة القاضية.
بالتأكيد يتذكر بلاتر، أيضا، وبتأنيب ضمير ربما، وقوفه الحديدي أمام حلم الشعب المغربي في تنظيم نهائيات كأس العالم 2010، وربما يشعر بالذنب من إعطائه أوامر، لا نقاش فيها، لأتباعه، بعدم التصويت للملف المغربي سنة 2004، ومنح أصواتهم لجنوب إفريقيا. بالتأكيد يتذكر "الثعلب" كل هذه التفاصيل التي كُشفت حقيقتها في 2015، ويطلب، في صمت، الغفران لتسببه في سرقة حلم مغربي بأمر دبر في ليل.
"SNRTnews" يستعرض بعضا من محطات مسار "الثعلب" جوزيف بلاتر، في الجزء المتعلق بعلاقته مع المغرب، وكيف تحول من عدو، حين كان سيدا مستأسدا على عالم الكرة، إلى صديق، حين سقط في الضيق بعد إعلان متابعته من القضاء الأمريكي والسويسري في قضايا فساد ورشوة، وسقوطه في مربع عمليات المرض.
بلاتر يغازل المغرب
يوم الثلاثاء 6 أبريل 2004، حضر جوزيف بلاتر إلى المغرب، مرفوقا بالقطري محمد بن همام، رئيس الاتحاد الآسيوي سابقا، ومجموعة من أعضاء المكتب التنفيذي لـ"فيفا"، والتقى بالمسؤولين عن لجنة ترشح المغرب لاستضافة مونديال 2010، وعلى رأسهم الجنرال حسني بنسليمان، الرئيس السابق للجامعة الملكية المغربية، وسعد الكتاني، المسؤول السابق عن ملف الترشح.
بعد أن اطلع على تفاصيل استعداد ملف ترشح المغرب، وما تم إنجازه، قال بلاتر إن الملف المغربي "يسير في الطريق الصحيح"، فاستبشر الجميع خيرا، واعتقد الشارع المغربي، وقتذاك، أن هذا الرجل "الداهية"، سيمنح المغرب مفتاح تنظيم "المونديال"، لكنه في الحقيقة، كان يدغدغ عواطف المغاربة لا غير، ويلعب على الوتر الحساس.
قضى بلاتر 72 ساعة في المغرب، مستمتعا بكرم الضيافة وجود المغاربة، يحظى بترحيب حار، هانئا مطمئنا في أحد الفنادق الفخمة لمدينة الرباط، وفي اليوم الثالث من زيارته، 8 أبريل 2004، شد الرحال في طائرة خاصة إلى جنوب إفريقيا، لترتيب ظروف فوز بلاد نيلسون مانديلا بتنظيم المونديال.
بلاتر يطعن المغرب
في 15 ماي 2004، وبمقر الاتحاد الدولي "فيفا" بمدينة زيورخ السويسرية، صدم جوزيف بلاتر المغاربة والعرب، بإعلانه فوز جنوب إفريقيا باستضافة "مونديال 2010"، مع أن كل المؤشرات والتقارير كانت، قبل ذلك، تشير إلى فوز مؤكد للملف المغربي. وقال، حينها، في ما يشبه السخرية: "الجميع متساوون، الذين لم يحالفهم الحظ والفائزون، هكذا هي الحياة، والمرء لديه مليون فرصة".
ظُهر ذاك اليوم، 15 ماي 2004، خيم الحزن على المغاربة، لا أحد صدق أن بلاتر "طعن المغرب" في ظهره. كانت "الصدمة" قوية جدا، خاصة أنها جاءت بعد 3 أشهر بالضبط من صدمة هزيمة المنتخب الوطني المغربي في نهائي كأس إفريقيا للأمم أمام المنتخب التونسي في 14 فبراير 2004.
حين أراد بلاتر الإعلان عن الفائز بتنظيم "مونديال 2010"، كان يبدو كما لو أنه يتلاعب بمشاعر الجمهور، إذ أمسك بظرف أبيض، بداخله ورقة عليها اسم البلد الفائز بالتنظيم، وظل يلعب على أعصاب الجميع، يتلذذ بتشويق المنتظرين، وأخرج الورقة بهدوء شديد، إلى أن ظهر عليها اسم جنوب إفريقيا.
في تلك اللحظة، فقد الصحافي المغربي سعيد الشراط، أعصابه، ونهض غاضبا أمام ذهول عشرات المسؤولين الدبلوماسيين ومسؤولي "فيفا"، وخاطب بلاتر بقوة قائلا له: "هذا ليس عدلا، أنت تكره المغرب. لماذا تكره المغرب؟ نحن من كان يفترض أن نفوز". تجمد "الثعلب" في مكانه، ورد بدهاء وهدوء قائلا: "أرفض قبول هذا النوع من التعليقات. هكذا هي الفيفا في لعبة الروح الرياضية، وأنا رئيس جميع الاتحادات، ليس لدي أفضلية لواحد أو آخر".
بلاتر يعود للمغرب
في 11 شتنبر 2005، عاد جوزيف بلاتر إلى المغرب للمشاركة في المؤتمر 55 للاتحاد الدولي "فيفا" في مدينة مراكش، حيث تودد للمسؤولين المغاربة، من جديد، مستعينا بحذاقته الفطرية في التواصل، يظهر جزءا منها في ابتسامته الغامضة وعينيه اللماعتين.
صعد بلاتر إلى منصة الخطابة وهو يلقي التحية يمينا ويسارا على المشاركين في المؤتمر، وفي خضم خطابه أمام الحاضرين، توجه بأنظاره، عن قصد، إلى الجانب المغربي، الذي كان يضم، وقتها، كلا من محمد الكحص، كاتب الدولة في الشباب والرياضة سابقا، ومحمد أوزال، النائب السابق لرئيس الجامعة الملكية المغربية، وعمر الجازولي، العمدة السابق لمدينة مراكش. وقال كأنه يخاطبهم مباشرة: "النجاح في الفوز بتنظيم المونديال، لا يكتمل إلا بتنظيم جيد، والفشل في الفوز بالتنظيم يمنح البلدان المنافسة فرص أحسن من سابقاتها، لهذا يجب أن نبقى دائما إيجابيين ومتفائلين".
المصالحة بـ"الموندياليتو"
في 17 دجنبر 2011، اجتمعت اللجنة التنفيذية للاتحاد الدولي "فيفا" في مدينة "يوكوهاما" اليابانية، ليلة المباراة النهائية لـ"مونديال" الأندية بين برشلونة الإسباني وسانتوس البرازيلي في 18 دجنبر 2011.
وخلال هذا الاجتماع، أعلن بلاتر، رسميا، إقامة نسختي "مونديال" الأندية لسنتي 2013 و2014 في المغرب. وقال: "ستقام البطولة في اليابان العام المقبل (2012)، وبالنسبة لبطولة عامي 2013 و2014، فقد اتخذنا قرار إقامة النسختين في المغرب. لقد قدم الاتحاد الملكي المغربي لكرة القدم عرضا، وأتوقع أن تكون البطولة هناك ممتازة على جميع الأصعدة".
ويوم الاثنين 30 أبريل 2012، حل جوزيف بلاتر بالمغرب، مرة أخرى، في زيارة عمل للاطلاع على استعدادا المملكة لتنظيم "الموندياليتو"، والتقى، في اليوم نفسه، بعلي الفاسي الفهري، الرئيس السابق للجامعة الملكية المغربية، ومحمد أوزين، وزير الشباب والرياضة، وعيسى حياتو، الرئيس السابق للاتحاد الإفريقي.
خلال هذه الزيارة، حاول بلاتر أن يظهر للمسؤولين عن الشأن الكروي المحلي فضله في فوز المغرب بشرف تنظيم "الموندياليتو"، وكان يبدو كمن يطلب الغفران من المملكة على عدم تنظيم "مونديال 2010"، وقال في ندوة صحفية عقدها مع علي الفاسي الفهري وعيسى حياتو: "إننا لجد مسرورين لأن المغرب كانت له الشجاعة لطلب تنظيم كأس العالم للأندية، لقد كانت هناك بلدان أخرى ترغب في تنظيمها، لكننا أردنا أن نعطي شيئا ما لهذا البلد، لأنه يستحق تنظيم تظاهرة من الحجم الكبير، وكأس العالم للأندية هي حقا تظاهرة عالمية".
بلاتر في حضرة جلالة الملك
التقى بلاتر، الملك محمد السادس من جديد، كان ذلك في 21 دجنبر 2013، على هامش نهائي كأس العالم للأندية، بين الرجاء الرياضي وبارين ميونخ الألماني، في ملعب مراكش.
قبل هذا اللقاء، افتتح بلاتر، يوم الأربعاء 18 دجنبر 2013، الدورة الثالثة للمعرض الدولي "فوت إكسبو" في مدينة مراكش، حيث أدلى بتصريح لوسائل الإعلام الوطنية، يمدح فيه المغرب على التطور الذي شهدته البلاد في مجال تطوير الممارسة الكروية والبنية التحتية.
وفي السنة الموالية 2014، عاد جوزيف بلاتر إلى المغرب، وهذه المرة التقى بالأمير مولاي الحسن، في ملعب مراكش، على هامش مباراة ريال مدريد الإسباني وسان لوزينزو الأرجنتيني، في 20 دجنبر 2014، وقبل ذلك كان قد أشرف، للمرة الثانية، على افتتاح الدورة الرابعة لمعرض "فوت إكسبو"، في المدينة الحمراء.
خلال هذه الدورة لمونديال الأندية، أقيمت مباراة بين "كروز أزول" المكسيكي و"ويسترن سيدني وانديريرز" الأسترالي في ملعب مجمع الأمير مولاي عبد الله، وحدث أن تضررت أرضية الملعب بشكل كبير بسبب الأمطار، فقررت جامعة الكرة إقامة باقي مباريات البطولة في ملعب مراكش، وهو القرار الذي علق عليه بلاتر قائلا: "نقل مباريات المسابقة من ملعب غير جاهز في الرباط صوب ملعب آخر في مراكش دون مشاكل، أمر يحسب لرئيس الجامعة الملكية السيد لقجع، والذي بذل مجهودا كبيرا يشكر عليه"، مضيفا: "مرة أخرى يظهر المغرب على أنه أهل لثقتنا داخل الفيفا".
ظهور حقيقة "الثعلب"
في يونيو 2015، ستظهر حقيقة بلاتر براقة لا غبار عليها، وتكشف تواطؤه ضد الملف المغربي في 2004، من خلال إجباره مسؤولين في "فيفا" على عدم التصويت للمغرب، ومنح أصواتهم لجنوب إفريقيا، مقابل رشاوى تصل قيمتها لـ100 مليون دولار توصل بها "الثعلب" ومجموعة من أعضاء المكتب التنفيذي لـ"فيفا"، حسب ما كشفته وسائل إعلام أمريكية وبريطانية، وقتها، استنادا إلى معلومات وزارة العدل الأمريكية، وتحقيق أجرته شبكة "بي بي سي"، استنادا إلى مصادر في "مكتب التحقيقات الفدرالي" الأمريكي "FBI"، إضافة إلى حقائق أخرى كشفها المحقق الأمريكي مايكل غارسيا، الذي كان يشغل رئيس غرفة التحقيق في لجنة الأخلاقيات في "فيفا".
وفي 7 يونيو 2015، أكدت صحيفة "الصنداي تايمز" البريطانية، بالدليل، تلاعب "فيفا" في عملية التصويت سنة 2004، وقالت إن المغرب كان من المفترض أن يكون الفائز الحقيقي بتنظيم مونديال 2010، ونشرت تسجيلا صوتيا منسوبا إلى البوتسواني إسماعيل باهامجي، أحد الأعضاء السابقين للمكتب التنفيذي في "فيفا"، يقول فيه إن المغرب فاز بفارق صوتين عن جنوب إفريقيا لتنظيم نهائيات كأس العالم 2010، مضيفا: "لقد تحدثت مع الجميع، ونحن جميعا زملاء، ورأينا في الواقع أن المغرب فاز بفارق صوتين".
بلاتر يدعم المغرب
وكأنه شعر بالندم على تسببه في خسارة المغرب تنظيم مونديال 2010، فأراد التكفير عن ذلك بإعلانه دعمه للمملكة في ملف ترشحها لاستضافة مونديال 2026، في مواجهة الولايات المتحدة الأمريكية وكندا والمكسيك، التي كانت وراء سقوطه من عرشه في "فيفا".
وفي هذا السياق، قال بلاتر، في ندوة صحفية نظمها يوم الخميس 8 مارس 2018، ونقلتها مختلف وسائل الإعلام الدولية، إن المغرب "أحق من الولايات الأمريكية وكندا والمكسيك بتنظيم مونديال 2026"، مبرزا: "قلبي يميل لإفريقيا، والمغرب أحق بتنظيم هذه التظاهرة استنادا إلى قانون الاتحاد الدولي".
ولم يكتف "الشيخ" السويسري بذلك، بل إنه طعن في شرعية ملف الولايات المتحدة الأمريكية وكندا والمكسيك. وقال إن التنظيم المشترك "لا يخدم البطولة"، مبرزا: "بعد كأس العالم 2026، الذي نظم في كوريا الجنوبية واليابان، رأينا أن التنظيم المشترك يعتبر كابوسا، لهذا قررنا أنه طالما هناك ترشح منفرد، فستكون له الأولوية، ووثقنا ذلك في قانون مكتوب. لهذا، إذا كان المغرب قادرا على تنظيم كأس العالم بمشاركة 48 منتخبا، فيجب منحه التنظيم".
وبعد أن ترددت أنباء حول احتمال إقصاء الملف المغربي من طرف لجنة المراقبة "تاسك فورس" (task force)، التي كانت مكلفة بالتدقيق في ملفات المتنافسين لاحتضان "المونديال"، خرج بلاتر من جديد، للدفاع عن الملف المغربي، وقال في تصريح لهيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي"، يوم الأربعاء 9 ماي 2018، إن اللجنة ذاتها، "ليس من حقها إقصاء الملف المغربي"، مشددا: "حتى وإن لم يكن أحد الملفين جيدا، فإن المغرب له الحق في الوصول لمجلس الفيفا في مرحلة التصويت، ولهذا السبب، أدعو أن يصل الملف المغربي إلى مؤتمر الفيفا، لأنه ليس من العدل طرده قبل مرحلة التصويت".
سيب بلاتر الظاهرة
يستحق بلاتر، المزداد في 10 مارس 1936، دراسة خاصة لشخصيته، إذ أنه لم يكن يهنأ في كل محطة من حياته، إلا حين يتطلع للموالية ويبحث عن سبل لبلوغها، فقد بدأ مساره المهني أمينا عاما للاتحاد السويسري للهوكي على الجليد، واستغل معرفته بقوانين هذه الرياضة، ليمارسها في التسيير، ويتزحلق بخفة ويقفز برشاقة في المناصب.
في الفترة الممتدة ما بين 1966 و1968، عمل مديرا إعلاميا لجمعية الصحافة الرياضية في سويسرا، وما بين 1968 و1975، عمل مديرا في أجهزة قياس التوقيت الرياضي والعلاقات العامة والتسويق في إحدى الشركات المتخصصة في صناعة السيارات، وفي 1975، خطا أولى خطواته في الاتحاد الدولي "فيفا"، في منصب مدير برنامج التطوير، واستغل دهاءه ليتسلق المراتب ويصير الأمين العام لـ"فيفا" في 1981.
تقرب "الثعلب" بلاتر من الراحل جواو هافلانج، الرئيس السابق للاتحاد الدولي "فيفا"، كان يتودد له ويهيء له ظروف نجاح المنافسات، ويظهر له محبة "ماكرة"، وولاء "خادع"، كان ينتظر الفرصة المناسبة للانقضاض عليه والإطاحة به، إلى أن أدرك مراده في 8 يوينو 1998، وحكم "فيفا" بقبضة من حديد، إلى أن قدم استقالته في 2 يونيو 2015، بسبب فضائح الرشوة والفساد.
مقالات ذات صلة
رياضة
رياضة
رياضة