مجتمع
صغار السن.. حصن منيع في وجه كورونا ؟
09/09/2020 - 11:27
مهدي حبشي
من أكثر المواضيع المحيرة بشأن فيروس كورونا المستجد، علاقته بصغار السن. إذ يلف الغموض تفاصيل عديدة حول تفاعل هذه الشريحة العمرية مع الفيروس القاتل، خصوصاً مع كونهم الأقل عرضة للإصابة به.
ومع حلول موعد الدخول المدرسي، يبذل المغرب على غرار دول العالم جهوداً جبارة كي لا يتحول هذا الموعد السنوي إلى قنبلة موقوتة، تفرز بؤراً وإصابات تؤزم الوضع الصحي. في وقت لا يتحرج العلماء من التأكيد على أن الأطفال، ومن بينهم تلاميذ المدارس الابتدائية على وجه الخصوص، يعدون من الشرائح الأقل إصابة والأقل تسجيلاً لحالاتٍ حرجة بسبب فيروس كورونا.
ففي أوروبا لا يشكل الأطفال سوى 5 في المئة من مجموع الحالات المسجلة منذ تفشي الوباء. وفقاً لإحصائيات الوكالة الفرنسية للصحة العمومية، استناداً إلى معطيات المركز الأوروبي للرقابة والوقاية من الأمراض. علاوة على ذلك، لا يشكل القاصرون سوى 1 في المئة من الخاضعين للاستشفاء بإحدى المؤسسات الصحية، وهي النسبة نفسها للوفيات في صفوفهم.
أما في الولايات المتحدة، فلا تتعدى نسبة البالغين من العمر أقل من 18 سنة، المصابين بفيروس كورونا، 7 في المئة. بالرغم من أن هذه الشريحة العمرية تشكل 22 في المئة من مجموع سكان البلاد، حسب مركز مراقبة الأمراض والوقاية الأمريكي. إلا أن صحيفة نيويورك تايمز أوردت تزايداً في أعداد الشبان المصابين بين شهري ماي وغشت الماضيين.
ونقلت الصحيفة الأمريكية أرقاماً تخص إصابات الشباب ضمن مخيم صيفي في جورجيا الأمريكية نهاية يوليوز الماضي، حيث تجاهل المنظمون التوصيات الصحية فكانت النتيجة ظهور 260 حالة ضمن 600 مصطاف، تفاصيلها: 50 في المئة من الأطفال ما بين 6 و10 سنوات، 44 في المئة من الشبان بين 11 و17 سنة، والثلث من بين المتراوحة أعمارهم بين 18 و21 سنة.
إلا أن ذلك لم يمنع "المجلس الفرنسي الأعلى للصحة العمومية" من التعبير عن موقف إيجابي من الدخول المدرسي، حين شدد على كون الشبان "نسبياَ أقل إصابة بفيروس كورونا من البالغين". وهو ما تجزم به كذلك دراستان صينية وأخرى يابانية، أكدتا أن إمكانية تلقف العدوى لدى الأطفال والشبان المخالطين للمصابين، أدنى بكثير من البالغين المخالطين.
حالات خطيرة أقل...
ولا يقتصر صمود صغار السن في وجه الفيروس القاتل على تدني نسب تلقفهم للعدوى فحسب، بل حتى على مستوى الحالات الحرجة التي تستلزم تدخلا طبياً، وذلك وفقاً للمجلس الفرنسي الأعلى للصحة العمومية، والذي تساير خلاصاته ما ذهبت إليه دراسة صينية اقتصرت على الأطفال، وخلصت بدورها إلى أن الفيروس يتخذ أشكالاً أقل عنفاً حين يتعلق الأمر بمصابين أطفال، تصل أحياناً إلى عدم ظهور أي أعراض عليهم. كما من الراجح أن يشفى الأطفال من المرض دون علمهم بالإصابة أو الكشف عنها.
"من النادر أن يحتاج الأطفال المصابون إلى عناية داخل المستشفيات" تقول المصالح الصحية الفرنسية، إذ إن الوفيات والحالات الحرجة تقتصر على نحو "شبه حصري" على المرضى المتقدمين في السن والمعانين من أمراض مزمنة.
الأرقام الأمريكية بهذا الصدد مطمئنة بدورها، فمن أصل 100 ألف شخص سجلت 8 إصابات فحسب في صفوف الأطفال، مقابل 164.5 بالنسبة للبالغين من كل 100 ألف. "باستثناء الأطفال ذوي السن الأقل من عام واحد، أو المصابين بأمراض مزمنة، والذين يحتاجون لعناية طبية"، تنبه كل من السلطات الصحية في أمريكا وفرنسا على حد سواء.
وفي حالة نادرة جداً، يحدث أن يتعرض الطفل لإصابة من نوع خاص، يتعلق الأمر "بمتلازمة الالتهاب متعدد الأنظمة"، وهي حالة مرتبطة بالمعاناة من مشاكل في القلب والشرايين قبل الإصابة بكورونا. إلا أن المصالح الصحية الفرنسية شددت على أنها حالات محدودة جداً في العالم بأسره، لم تسجل أكثر من 79 حالة مؤكدة في فرنسا نتجت عنها وفاة واحدة فحسب.
أقل نقلاً للعدوى...
وعلى الرغم من أن أجسادهم قد تحتضن كميات تضاهي أو تفوق ما تحتويه أجساد البالغين من الفيروس، إلا أن دراسة بريطانية حسمت في أنهم أقل نقلاً للعدوى من غيرهم. وقد لوحظ أن البؤر المدرسية كانت قليلة بالفعل، إذ أجريت تحريات داخل المدارس أثبتت أن انتقال العدوى بين التلاميذ أمر نادر جداً.
وتتبعت دراسة فرنسية رحلة الفيروس الذي انتقل من شخص بالغ إلى 11 شخصاً من بينهم طفل يبلغ من العمر 9 سنوات، خالط الطفل ثلاث مدارس ومجموعاً من 112 شخصاً، لم تظهر بينهم حالة إصابة واحدة! وهو ما عززته دراسة أسترالية شبيهة كذلك.
مقاومة غير مفهومة...
ويقف المجتمع العلمي إلى الآن عاجزاً عن تفسير هذه المقاومة الشرسة التي يبديها الأطفال ضد فيروس كورونا، وكل ما توصل إليه العلماء يبقى في عداد الفرضيات. من ذلك ما أفادت به طبيبة الأطفال الفرنسية فيرونيك هينتغن: "يمكن للجهاز المناعي لدى الأطفال الاستجابة بشكل أفضل ضد الفيروس، لأنه تعرض لأمراض أقل خلال سيرورة حياته". فرضية أخرى: "لكي يقتحم الفيروس خلايا الجسم يكون عليه أولا الثبات داخل المستقبلات ACE2 المتواجدة في الأنف. الأطفال مثل النساء يتمتعون بعدد أقل من هذه المستقبلات مقارنة بالبالغين والرجال".
ما السبب في كون صغار السن أقل نقلا للعدوى من غيرهم ؟
مجدداً لا يملك العلم غير الفرضيات جواباً، كتلك التي نقلتها صحيفة نيويورك تايمز عن طبيب الأطفال الأمريكي جيفري ستارك: "بما أن للأطفال رئات أصغر حجماً، فإنهم يفرزون رذاذاً أقل، وبالتالي نسباً أقل من الفيروس".
لكن المصالح الصحية الأوروبية تتفق على حاجتها الملحة لدراسات أكثر تعمقاً في علاقة الصغار بكورونا، خصوصاً أن الغموض ما زال يحيط بالسن التي يصبح فيها الطفل ناقلاً للفيروس كأي بالغ، "نحن متأكدون بخصوص مقاومة الأقل من 10 سنوات، مترددون بخصوص الفئة بين 10 و15 سنة، لكن حين يصل الطفل لسن البلوغ تتنامى بشكل ملحوظ قدرته على نقل الفيروس" تخلص الدكتورة فيرونيك هينتغن.