تكنولوجيا
مقاربة "النكسوس" .. هل يكرس المغرب الترابط بين الماء والطاقة والأمن الغذائي؟
05/02/2025 - 19:24
يونس أباعلي
أثار المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أهمية اعتماد مقاربة "النكسوس" خلال المنتدى الدولي حول آفاق تعزيز ترابط الماء والطاقة والأمن الغذائي، وهي مقاربة تطرح حلولا مبتكرة لمواجهة التحديات المعقدة التي تواجه القطاعات المترابطة، خصوصا في ظل الجفاف الذي طال وتتعمق تداعياته.
ويدعو المجلس إلى اعتماد مقاربة "النكسوس" في ما يتعلق، أساسا، بقطاعات الماء والطاقة والغذاء والنظم البيئية، لأن كل قطاع يؤثر على الآخر بشكل مباشر أو غير مباشر، خصوصا في سياق التغيرات المناخية.
وتعتمد المقاربة على دمج القطاعات ضمن إطار مشترك، مما يتيح أدوات أكثر فعالية في ترشيد استغلال الموارد الطبيعية وبالتالي لا يقتصر هذا النموذج المندمج على الإسهام في تخفيف التوترات القائمة بين القطاعات فحسب، بل يمتد إلى تحقيق منافع مشتركة على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، كما جاء في رأي كان المجلس قد عرضه السنة المنصرمة.
في هذا السياق، تساءل الأمين العام للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، يونس بن عكي، خلال المنتدى الذي احتضنته طنجة، الأربعاء 5 فبراير 2025، هل يمكن الاستمرار في التعامل مع الماء والطاقة والغذاء وكأنها قضايا منفصلة؟، وهل بالإمكان إدارة هذه الموارد الحيوية وفق مقاربات مجزأة في وقت تتعاظم فيه التحديات البيئية والاقتصادية والاجتماعية؟ مؤكدا أن هذه الأسئلة هي تحديات جوهرية تفرض إيجاد حلول منسقة ومتكاملة لضمان استدامة هذه الموارد.
وذكر بن عكي في كلمته بمحاولة المجلس الإجابة على هذه الأسئلة في إطار رأيه المعنون "النكسوس في مجالات الماء - الطاقة الغذاء - النظم البيئية تدبير أنجع للموارد الطبيعية، تعزيز التآزر والحد من المخاطر المشتركة بين القطاعات في المغرب"، الذي جرى تقديمه تقديمه بالتفصيل في أشغال هذا المنتدى.
كيف يمكن ذلك؟
للإجابة لفت بن عكي إلى نموذج محطة تحلية مياه البحر في الدار البيضاء، إذ اعتبر أن هذا المشروع يعد تجسيدا حقيقيا لتطبيق مقاربة النكسوس في مجالات الماء والطاقة والغذاء والنظم البيئية (WEFE)، مسلطا الضوء على التوازنات الدقيقة المطلوبة بين هذه الأبعاد الأربعة لضمان تدبير مستدام ومندمج.
وأضاف أن هذا المشروع يتيح الاستجابة في آن واحد لمجموعة من التحديات، مع إبراز الصعوبات المترتبة على اختيار الأولويات بين هذه القطاعات المختلفة.
واسترسل في التوضيح قائلا إنه على مستوى الماء، ستساهم هذه المحطة في تلبية الطلب المتزايد على المياه، لاسيما في سياق الإجهاد المائي المتفاقم بفعل نقص التساقطات. كما ستوفر المياه لـ 7,5 مليون نسمة، وستغذي 5000 هكتار من الأراضي الزراعية.
وفي ما يتعلق بالطاقة، أشار إلى أن المحطة تتميّز باعتمادها الكامل على الطاقات المتجددة، في خيار استراتيجي يهدف إلى تقليص بصمتها الكربونية وتحسين فعالية عملية التحلية المعروفة تقليديا باستهلاكها المفرط للطاقة. وهكذا، يتيح دمج هذه الطاقات المتجددة في التخفيف من الأثر البيئي للمحطة، مع ضمان إمداد مستقر بالطاقة.
وفي ما يخص قطاع الغذاء، سيتم تخصيص 50 مليون متر مكعب من المياه المحلاة للاستخدامات الفلاحية، مما يعزز الأمن الغذائي على مستوى الجهات من خلال دعم إنتاجية الأراضي الفلاحية، يقول بن عكي قبل أن يؤكد أنها ستساهم في الوقت نفسه في تخفيف الضغط على الموارد المائية العذبة المخصصة للفلاحة، وهي مقاربة ستتيح تحسين تدبير استغلال المياه، في سياق يشهد ندرة متزايدة.
أما في ما يخص النظم البيئية، أشار إلى أنه تم دمج البعد البيئي بعناية في المشروع من خلال استخدام تقنيات تحلية المياه المتطورة مثل التناضح العكسي، بالإضافة إلى إدارة العمليات المتعلقة بالتحلية بشكل آلي، مما يحد من التأثيرات البيئية، خصوصا من خلال التحكم في النفايات الملحية والمواد المتبقية من معالجة الحمأة.
وأكد أن نموذج هذه المحطة ليس هو الوحيد، مشددا على أن التحدي الأكبر اليوم هو كيفية تعميم هذا النوع من الحلول المندمجة وتوسيع نطاق تطبيقها في مختلف المناطق والمشاريع عبر المغرب.
ويرى أنه على الرغم من بعض المبادرات المعزولة والجهود المبذولة لتعزيز حكامة قطاعات الماء والطاقة والغذاء والنظم البيئية بشكل عام، فإن الاندماجية الفعلية بين هذه القطاعات لم تصل بعد إلى الهدف المنشود، بحيث أن القرارات المتخذة تتم وفق مقاربة قطاعية غالبا ما تغفل أوجه الترابط بين هذه القطاعات، وهو ما يحول دون الاستغلال الأمثل للموارد ويُضعف قدرة المجالات الترابية على الصمود، ويحدّ من فعالية السياسات العمومية ذات الصلة.
توصيات المجلس
في هذا السياق، دعا المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيني في رأيه حول موضوع النكسوس إلى وضع خارطة طريق وطنية مخصصة لمقاربة "النكسوس" بين قطاعات الماء والطاقة والغذاء والنظم البيئية، تهدف إلى تحقيق التوازن بين الاستدامة والنجاعة والقدرة على الصمو.
وتتمثل الغاية الأساسية من هذه الآلية في ضمان دمج هذه المقاربة بكيفية ممنهجة في جميع مراحل اتخاذ القرار، سواء على المستوى المركزي أو الترابي، من أجل ضمان تدبير منسق ومستدام للموارد الطبيعية ببلادنا.
وفي هذا الاطار، أوصى المجلس بإحداث آلية للتنسيق بين القطاعات على المستوى المركزي والجهوي، مكلفة بإعداد وتتبع خارطة الطريق المشار إليها، وتقوية الإطار التشريعي والتنظيمي لقطاعات الماء والطاقة والغذاء والنظم البيئية من خلال إدماج مبادئ مقاربة النكسوس بشكل صريح بهدف ضمان تدبير الموارد الطبيعية بكيفية مندمجة وشاملة ومستدامة.
كما أوصي بالحرص على أن تُجسد المشاريع الممولة، بما فيها تلك المنجزة ضمن إطار الشراكة بين القطاعين العام والخاص، مبادئ مقاربة النكسوس مع التركيز على إبراز هذه المقاربة في طلبات التمويل الموجهة إلى المؤسسات المالية الدولية، وتفعيل هيئات ضبط قطاعات الماء والطاقة مع الحرص على اعتماد مقاربة النكسوس وتطبيق مبادئها.
ومن توصياته أيضا تعزيز قدرات الفاعلين والأطراف المتدخلة في تنفيذ مقاربة النكسوس من خلال تطوير برامج للتكوين وتشجيع البحث والابتكار، بما يضمن تدبيرا أفضل ومستمرا للتفاعلات بين قطاعات الماء والطاقة والغذاء والنظم البيئية، وتنظيم حملات تحسيسية منتظمة موجهة للفاعلين والمسؤولين عن التدبير، لتعميق فهمهم لأهمية مقاربة النكسوس وما توفره من مزايا مع التنبيه إلى المخاطر المرتبطة بتدبير القطاعات المعنية وفق مقاربات قطاعية مجزأة.
وقال الأمين العام للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي إن تبني هذه المقاربة ليس مجرد خيار، بل هو ضرورة ملحة تفرضها التحديات البيئية والاقتصادية المتزايدة، كما أن إدماج مقاربة النكسوس وأخذها بعين الاعتبار في قطاعات استراتيجية أخرى يمكن أن يشكل رافعة حاسمة لتنسيق الجهود القطاعية، بما يضمن تعزيز الالتقائية على مختلف مستويات تنفيذ السياسات العمومية التي يشرف عليها مختلف الفاعلين والجهات الفاعلة.
مقالات ذات صلة
عالم
اقتصاد
مجتمع
مجتمع