فن وثقافة
كتاب أثر فيا .. المخرج محمد مفتكر والرواية التي فتحت له أبواب القراءة
03/03/2025 - 17:33
حليمة عامر
تطلق منصة SNRTnews سلسلة "كتاب أثر فيا"، في شهر رمضان، لتسليط الضوء على الكتب التي تجاوزت كونها مجرد عناوين على رفوف المكتبات، وأصبحت محطات فارقة في حياة قرائها. تسعى السلسلة إلى استكشاف سر الكتب التي تترك أثراً عميقاً، وتجعل البعض يعود إليها مرارًا لاستخلاص معانٍ جديدة لم تتكشف في القراءة الأولى.
يستهل المخرج وكاتب السيناريو المغربي محمد مفتكر هذه السلسلة، كاشفًا عن الرواية التي لعبت دورًا جوهريًا في علاقته مع القراءة.
بالنسبة إليه، فإن كتابًا واحدًا قد لا يكون بوابةً إلى عالم الأدب، لكنه قادر على تحفيز الشغف بالقراءة، حتى لو لم يكن القارئ متفقًا مع مضمونه. ما يهم، في نظره، ليس فقط مضمون الكتاب، بل الأثر الذي يتركه في النفس، والقدرة التي يمتلكها على فتح آفاق جديدة أمام القارئ.
يستعيد مفتكر اللحظة التي اكتشف فيها رواية "الغريب" (L’Étranger) للكاتب والفيلسوف الفرنسي ألبير كامو، الرواية التي قدمت له نموذجًا مختلفًا تمامًا للكتابة، حيث لا تُقدم الإجابات بسهولة، بل تدفع القارئ إلى الغوص في طبقاتها بحثًا عن المعاني الكامنة. هذه الرواية، التي نشرت عام 1942، تُعدّ أحد أبرز الأعمال التي تجسد فلسفة العبث، حيث تطرح أسئلة وجودية عميقة حول معنى الحياة، وموقع الإنسان في عالم غير مكترث بمصيره.
تدور الرواية حول شخصية ميرسو، شاب جزائري فرنسي يعيش بلا اكتراث واضح تجاه الأحداث التي تحيط به. تبدأ القصة بوفاة والدته، لكنه يتعامل مع الأمر ببرود، لا يبكي، ولا يظهر أي حزن، ما يثير استغراب الآخرين. لاحقًا، يدخل في علاقة عاطفية عابرة مع امرأة تُدعى ماري، ويساعد جاره ريمون في مشاكله الشخصية، لكنه يظل منعزلًا، منفصلًا عن العواطف والمجتمع. هذه اللامبالاة تقوده إلى ارتكاب جريمة قتل، وحين يُحاكم، لا يكون فعل القتل بحد ذاته هو جوهر الاتهام، بل طريقة تعامله الباردة مع الأحداث، وكأنه يدفع ثمن اختلافه عن الآخرين أكثر من ذنبه الحقيقي.
ما شدّ مفتكر في الرواية، ليس فقط القصة بحد ذاتها، بل الأسلوب الذي كتب به كامو روايته. فهو يرى أن السرد، رغم بساطته الظاهرة، يخفي عمقًا فلسفيًا مذهلًا، يجعل القارئ يعيد التفكير في القيم والمعايير التي تحكم حياته. بالنسبة له، الغريب تجسد مفهوم "السهل الممتنع": نص بسيط، لكنه يُحيل إلى أسئلة كبيرة تتطلب تأملًا عميقًا.
بالنسبة لمفتكر، فإن اكتشاف رواية الغريب كان لحظة مفصلية، ليس لأنها قدمت له إجابات، بل لأنها جعلته يطرح المزيد من الأسئلة، ويدرك أن الأدب ليس مجرد وسيلة للترفيه، بل نافذة على تعقيدات الوجود الإنساني. إذ يؤكد أن القراءة فعل مستمر، لا ينبغي أن يكون محصورًا في فترة معينة أو مناسبة خاصة، فالشخص الذي لا يقرأ يعيش حياة ناقصة، حيث تبقى مداركه محدودة. ويضيف: "هناك أنواع مختلفة من القراء، بعضهم متخصص، وبعضهم يقرأ بدافع الفضول، لكن القاسم المشترك بينهم جميعًا هو أن القراءة تفتح آفاق الفهم والتعلم. هي ليست ترفًا، بل ضرورة لتوسيع الأفق واستيعاب العالم بطريقة أعمق."
ويستعيد مفتكر الفترة التي قضاها خارج المغرب، حيث لاحظ كيف أن القراءة جزء من الحياة اليومية في أوروبا. في الأسواق والمتاجر، تُباع الكتب إلى جانب المواد الاستهلاكية، وكأنها منتج أساسي لا غنى عنه. على النقيض من ذلك، يرى أن القراءة في المجتمعات العربية لا تحتل المكانة ذاتها، حيث تبقى ممارسة نخبوية أو محدودة، بدل أن تكون عادة يومية متجذرة في الثقافة العامة.
ربما لم يكن مفتكر يعلم وهو يقرأ الغريب لأول مرة، أنها ستصبح نقطة تحول في مسيرته كقارئ. مثل هذه الكتب لا تمنح إجابات جاهزة، لكنها تثير تساؤلات تدوم، تجعل القارئ يعيد النظر في نفسه وفي العالم. وكما يقول كامو نفسه: "في قلب الشتاء، اكتشفتُ أن في داخلي صيفًا لا يُقهر."
بهذه الكلمات، يمكن تلخيص تجربة محمد مفتكر مع الغريب، الرواية التي جعلته يدرك أن القراءة ليست مجرد نشاط، بل رحلة بحث مستمرة عن المعنى.
مقالات ذات صلة
فن و ثقافة
عالم
فن و ثقافة
فن و ثقافة