اقتصاد
الفواكه الاستوائية بالمغرب.. كيف تتلاءم مع ظروف الإجهاد المائي؟
19/03/2025 - 12:12
حليمة عامر | حمزة بامومن إحدى الضيعات في منطقة الغرب، تبدأ رحلة فريق SNRTnews لاستكشاف زراعة الفواكه الاستوائية بالمغرب. هذه المنطقة الفلاحية، التي طالما ارتبطت بزراعة الحبوب والحوامض، تحولت إلى مساحات لزراعة فواكه طالما كانت نادرة، مثل فاكهة التنين، والكيوانو، والليمون كافيار، وذلك بفضل جهود فلاحي المنطقة وإصرارهم على مواجهة تحديات المناخ وقلة الموارد المائية بهذه الأنواع الجديدة.
تشهد منطقة المناصرة بإقليم القنيطرة تجربة فريدة لزراعة فواكه تنمو عادة في آسيا أو أستراليا، لكنها تتميز بقدرتها على مقاومة التغيرات المناخية التي تؤثر بشكل متزايد على البلاد. وتشمل هذه الفواكه اليد بوذا، والكيوانو، وفاكهة التنين، والسابوتي، والليمون كافيار.
ويزداد اهتمام الفلاحين المغاربة بزراعة الفواكه الاستوائية، مدفوعين بتنامي الطلب عليها في الأسواق المحلية والدولية، فضلا عن التغيرات المناخية التي جعلت مناطق عديدة في المملكة ملائمة لإنتاج أصناف مثل الكاكي، والمانغو، وفاكهة التنين، والكيوي، نظرا لمحدودية احتياجها للمياه، في ظل استمرار الجفاف للعام السادس على التوالي وما فرضه ذلك من تحديات على الإنتاج الفلاحي.
وبادر الفلاح إدريس العولة إلى زراعة مجموعة من الفواكه الاستوائية في أراضيه بدوار المناصرة، الذي يبعد بنحو 70 كيلومترا عن مدينة القنيطرة، محولا إياها إلى مشتل لبيع أشجار هذه الفواكه، مستفيدا من عائداتها المرتفعة مقارنة بالمحاصيل التقليدية.
زراعة واعدة
"قررت أن أخوض هذه المغامرة لأن السوق المغربي يعاني من نقص كبير في هذه الفواكه، خاصة وأن الطلب عليها يرتفع يوما بعد يوم"، يقول إدريس العولة، في تصريح لـSNRTnews، وهو يتفقد الثمار بعناية في إحدى ضيعاته الفلاحية.
إدريس العولة، أحد الرواد الذين راهنوا على هذه الزراعة الواعدة، يكشف، لـSNRTnews، تفاصيل هذه الزراعة الطموحة في المغرب.
وتمتاز تعاونية إدريس العولة بزراعة عدة أنواع من الأشجار المثمرة، منها الفواكه الاستوائية التي تتناسب مع مناخ المنطقة.
وأوضح العولة أن المناطق الممتدة من طنجة إلى الرباط يمكن أن تحتضن زراعة الفواكه الاستوائية، نظرا لطبيعة مناخها الشتوي، في حين تزرع الحوامض في مناطق أخرى مثل سيدي سليمان وصولا إلى بلقصيري.
ويشير إلى أن الفواكه الاستوائية غالبا ما تكون منتجات غابوية ذات استهلاك مائي محدود، لا سيما أن تعاونيته الفلاحية شرعت في إنتاج الفستق الحلبي، الذي يتميز بدوره بحاجته القليلة إلى الماء وتكاليفه المنخفضة. ويؤكد العولة أن هذه الزراعات تتوافق مع الظروف المناخية للمغرب.
وأضاف أنه منذ سنة 2019، بدأت زراعة هذه الفواكه تتكيف مع البيئة الزراعية المغربية، خاصة فواكه مثل التنين والكاكي، التي شهدت انتشارا متزايدا.
ومع مرور الوقت، انضم إلى إدريس العولة عدد من الفلاحين الذين شاركوه هذه التجربة وشرعوا في زراعة أنواع تعتبر جديدة على الموائد المغاربة.
قصص نجاح استثنائية
في قلب منطقة القنيطرة، زار فريق SNRTnews عبد الإله الحجاجمي، تقني فلاحي وأحد المنتجين الذين انخرطوا في هذا النشاط الواعد، مستفيدا من خبرته في مجال البحث الزراعي.
وتمكن الحجاجمي من إدخال زراعة فاكهة التنين الاستوائية في مزرعته قبل بضع سنوات، معتمدا على تقنيات زراعية حديثة، ساعدته على تحسين جودة الإنتاج وزيادة المردودية.
وأكد الحجاجمي أن الطلب المتزايد على هذه الفواكه شجعه على توسيع نشاطه، موضحا أن السوق المغربي أصبح أكثر تقبلا لهذه المنتجات، التي كانت تعتبر لفترة طويلة غريبة على المائدة المغربية.
وأشار المصدر المهني إلى أن زراعة فاكهة التنين تشهد إقبالا متزايدا مؤخرا، حيث تعد من الزراعات غير المستهلكة لكميات كبيرة من المياه، كما أنها مشروع غير مكلف، يتطلب إمكانيات مادية بسيطة.
وأضاف الحجاجمي أن فلاحي المنطقة يستوردون بذور هذه الفاكهة من إسبانيا وأمريكا اللاتينية، ما يساهم في تحقيق إنتاجية عالية تلبي الطلب المحلي المتنامي.
هل هي فلاحة غير مستهلكة للماء؟
يواجه المغرب تحديات متزايدة في الموارد المائية، حيث تعاني البلاد من تراجع مخزون السدود، الذي لا تتجاوز نسبة ملئه 35 في المائة، إضافة إلى عدم انتظام التساقطات المطرية، مما أثر بشكل مباشر على القطاع الفلاحي.
وفي ظل هذه التحديات، يرى مزارعو الفواكه الاستوائية أن زراعتها تمثل الحل الأنسب لهم، نظرا لقدرتها على التكيف مع المناخ الحار وحاجتها المحدودة للمياه مقارنة ببعض الزراعات التقليدية.
ووفقا لما عاينه SNRTnews، ساهمت تقنيات الري الحديثة، مثل الري بالتنقيط، في تحسين استغلال الموارد المائية وضمان إنتاجية جيدة لهذه الفواكه، حيث أوضح الفلاحون بالمناصرة أن مدة السقي باستخدام هذه التقنيات لا تتجاوز 45 دقيقة يوميا.
في هذا الصدد، يرى محمد بنعبو، الأستاذ الباحث في مجال المياه، أن الفواكه الاستوائية تعد في الأصل من الزراعات المستهلكة للمياه، ما يجعلها زراعات دخيلة على الفلاحة المغربية، إلا إذا أُعيد تكييفها لتنسجم مع المناخ المحلي وتُخفَّض احتياجاتها المائية.
غير أن ذلك، وفقا لبنعبو، لا يعني أن باقي الزراعات لا تتطلب المياه، فجميع المزروعات، سواء كانت خضرا أو فواكه، تحتاج إلى الري. فعلى سبيل المثال، رغم معاناة منطقة برشيد من نقص في الموارد المائية، إلا أنها تشهد زراعة الجزر، بفضل اعتماد أساليب زراعية تتكيف مع التغيرات المناخية.
وأوضح بنعبو، في تصريح لـSNRTnews، أن الزراعات الاستوائية بجميع أنواعها، يمكن تهيئتها لتلائم مناخ المغرب، كما هو الحال في مناطق الغرب، حيث يُزرع الكيوي والكاكي تحت أنظمة زراعية مغطاة، تُتيح التحكم في الحرارة وكمية الإنتاج واحتياجات المياه، مما يمنحها "بصمة مغربية".
وارتباطا بذلك، يوضح المهندس الزراعي نور الدين الصافي، أستاذ بكلية علوم الحياة الأرض ابن طفيل بالقنيطرة ورئيس الجمعية الجهوية للمستشارين الفلاحيين بجهة الرباط-سلا-القنيطرة، أن التغيرات المناخية دفعت البحث العلمي إلى التركيز على إيجاد حلول مبتكرة للزراعات المستدامة.
وأشار إلى أن المغرب يواجه عامه السادس من الجفاف، ما يجعل زراعة الفواكه الاستوائية خيارا استراتيجيا نظرا لاستهلاكها المحدود للماء مقارنة ببعض الزراعات التقليدية.
دور البحث العلمي في دعم هذا النوع من الزراعات
أكد الصافي أن البحث العلمي يلعب دورا حيويا في تطوير زراعة هذه الفواكه، عبر تحسين جودة البذور وتوفير أصناف تتلاءم مع المناخ المحلي، مشيرا إلى أن هذه التحديات هي محور جهود الباحثين حاليا.
وأضاف أن جهة الغرب أصبحت مركزا للتوسع في زراعة أصناف استوائية مثل الأفوكادو، والباباي، وفاكهة التنين، ولليمون الكافيار، فضلا عن أشجار علفية وغابوية كالأركان والخروب والمورينغا.
وأوضح أن هذه الزراعات ظهرت كبديل يعزز التنوع الزراعي ويعوض نقص الإنتاج في بعض المحاصيل التقليدية.
كما أشار إلى أن الأفوكادو يعد نموذجا للنجاح، حيث ينتج بين 20 و30 طنا في الهكتار، ورغم استهلاكه النسبي للماء، فإن إنتاجيته العالية تعكس أهمية التركيز على كفاءة استخدام الموارد.
وفي سياق ترشيد استهلاك الماء، أوصى الصافي بتبني تقنيات حديثة، أبرزها السقي بالتنقيط الذي يوفر حتى 80 في المائة من الماء، بالإضافة إلى الاعتماد على الرقمنة التي تحد من نسبة ما يضيع من المياه إلى 60 في المائة.
كما نبه إلى ضرورة استخدام تكنولوجيا "النانو"، التي تتيح ري المزروعات بكفاءة تصل إلى 85 في المائة.
واختتم الصافي بتأكيد أهمية تدريب الفلاحين وتمكينهم من أدوات وتقنيات الري الحديثة لضمان استدامة الموارد الطبيعية وتحسين الإنتاج الزراعي.
السوق المحلي والاستجابة للطلب
وبفضل تحسن إنتاج هذا النمط من الزراعات في المغرب، باتت الأسواق المغربية توفر الفواكه الاستوائية بأسعار أكثر ملاءمة للمستهلك، مما ساهم في تعزيز حضورها ضمن أنماط الاستهلاك اليومية، خاصة مع تزايد الاهتمام بالغذاء الصحي.
ووفقا لعبد الرزاق الشابي، رئيس جمعية سوق الجملة للخضر والفواكه بمدينة الدار البيضاء، شهد السوق خلال السنوات الأخيرة ظهور أنواع جديدة من الفواكه الاستوائية محلية الإنتاج، بعدما كان يعتمد سابقا على الفواكه المستوردة فقط.
وأوضح الشابي، في تصريح لـSNRTnews، أن من أبرز هذه الأنواع فاكهة "الكاكي"، التي شهد إنتاجها ارتفاعا ملحوظا لتلبية الطلب المتزايد، خاصة من مناطق الأطلس الكبير، والغرب، والقصر الكبير. كما تشمل الفواكه الاستوائية محلية الإنتاج "المانغو"، القادمة من مناطق الغرب، وبوسلهام، والقصر الكبير، بالإضافة إلى فاكهة التنين، التي بدأت تغطي نسبة كبيرة من الطلب المحلي رغم محدودية إنتاجها.
وأشار إلى أن تزويد السوق بهذه الفواكه يبدأ من منتصف شهر غشت ويستمر حتى منتصف يناير، حيث تبلغ ذروة الإنتاج والتزويد خلال شهري أكتوبر ونونبر، ما ينعكس بشكل مباشر على الأسعار والعرض والطلب.
وفي فترة ذروة الإنتاج، يتراوح سعر "الكاكي" بين 8 و10 دراهم للكيلوغرام، بينما تسوق فاكهة "الكيوي" المحلية بأسعار تتراوح بين 10 و12 درهما للكيلوغرام.
أما "المانغو"، فتتراوح أسعارها بين 12 و15 درهما للكيلوغرام، في حين تتراوح أسعار فاكهة "التنين" بين 20 و35 درهما للكيلوغرام، وفقا للجودة والنوع.
ووفقا لمعطيات توصل بها SNRTnews من سوق الجملة للخضر والفواكه بمدينة الدار البيضاء، استقبل السوق خلال سنة 2024 حوالي 106 آلاف طن من الفواكه الاستوائية السالفة الذكر؛ منها 14 ألف طن من "المانغو". بينما بلغ حجم "الكيوي" المستورد 6500 طن مقابل 25 طنا فقط من الإنتاج المحلي، الذي يبقى محدودا للغاية.
كما سجل السوق استيراد 4000 طن من "الكاكي"، مقابل 6300 طن من الإنتاج المحلي. بينما لم يتجاوز حجم فاكهة "التنين" المنتجة محليا 1000 طن.
مقالات ذات صلة
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد