مجتمع
خمس سنوات بعد كورونا .. ما الذي تغير في المغاربة؟
22/03/2025 - 10:50
خولة ازنيزني
في الـ20 من مارس 2020، دخل العالم في حالة طوارئ غير مسبوقة مع إعلان جائحة كورونا، حدث غير مجرى الحياة، وحمل معه العديد من التحديات، لاسيما النفسية، حيث عانى العديد من آثار نفسية مستمرة، سواء كانت مرتبطة بالقلق أو الاكتئاب أو فقدان الإحساس بالأمان. وسط اعتراف أممي بأن الفيروس عطل خدمات الصحة النفسية في غالبية بلدان العالم. خمس سنوات مرت، لكن التبعات النفسية للجائحة لا تزال راسخة في الأذهان، تهز أركان المشاعر والأفكار، ويظل معها التساؤل قائما: إلى أي مدى تأثرت نفسية المغاربة من جائحة كورنا؟
كانت مريم، 28 سنة، محاسبة بمدينة الرباط، تعيش قبل جائحة كورونا حياة طبيعية، ترتاد المقاهي والمطاعم مع أصدقائها بشكل دوري، وتزور أسرتها بمدينة فاس مرة كل شهرين، لكن مع بداية الحجر الصحي تغيرت حياتها.
تقول مريم في حديثها لـ:SNRTnews: "في البداية، كان الخوف من الفيروس طبيعيا، لكن مع مرور الوقت، أصبحتُ مهووسة بالنظافة. إذا دخلت إلى مكان مزدحم، أشعر بقلق شديد وأتخيل أنني سأصاب بالعدوى، أغسل يدي عشرات المرات في اليوم، وأعقم ملابسي، وأرفض مصافحة الناس، حتى بعد التلقيح، لم أتمكن من التخلص من هذه المخاوف."
في يوليوز 2020، أصيبت بكورونا، لكنها تعافت. رغم ذلك، ظلت مريم تعاني من الخوف الشديد من العدوى. وتقول: "أشعر أنني سأموت، ثم أبكي بحرقة حتى أشعر بألم في جسمي ورئتي"، ويرافق ذلك في الغالب شعور بالإحباط، لأنها لا تحقق تقدما في حياتها، والخوف من أن يستغرق الأمر سنوات حتى تستأنف حياتها الطبيعية وتسيطر على أعراض اضطراب الوسواس القهري."
خضعت مريم لعلاج نفسي لمدة سنة، لكنها لا تزال تعاني من آثار الوسواس القهري، ما أثر على علاقاتها الاجتماعية، إذ ترفض دعوات العائلة والأصدقاء، وتفضل العزلة والاشتغال من البيت.
عبد الرحيم، في منتصف الأربعينات، بالرغم من أنه كان يعاني من القلق، هو الآخر كان يعيش حياة مستقرة في الدار البيضاء مع زوجته وأطفاله قبل الجائحة، كان يقضي عطلات نهاية الأسبوع في منزل والديه بالرباط.
في يناير 2021، أصيب والده بفيروس كورونا وتوفي بعد أسبوعين دون أن يتمكن عبد الرحيم من رؤيته أو حضور جنازته بسبب إجراءات الحجر الصحي.
يقول عبد الرحيم لـSNRTnews: " هذا الحدث ترك في نفسيتي جرحا عميقا، ومع مرور الوقت، ازدادت أزمتي النفسية، إذ عانيت من نوبات هلع واكتئاب حاد، مما جعلني أعزل نفسي عن عائلتي."
بعد خمس سنوات، لا يزال عبد الرحيم يزور قبر والده أسبوعيا، في الوقت نفسه الذي يتابع فيه وضعيته الصحية مع أخصائي نفسي.
مشاعر سلبية وتحديد الأولويات
أوضحت الأخصائية النفسية أمل السبتي، في تصريحها لـSNRTnews، أن جائحة كورونا أحدثت تغييرا جذريا في حياة الناس، بالرغم من عودة الحياة إلى طبيعتها، مشيرة إلى أنها تلاحظ تضاعف المشاكل النفسية لدى المرضى النفسانيين من جهة، وازدياد عدد الأفراد الذين يعانون من آثار نفسية مستمرة من جهة ثانية، مثل القلق، والاكتئاب، والأرق، وفقدان الإحساس بالأمان، واضطراب ما بعد الصدمة، ومتلازمة الاحتراق النفسي، والوسواس القهري، خاصة فيها يتعلق بالنظافة، قائلة: "هناك العديد من الأفراد يحافظون على ارتداء الكمامة إلى اليوم بالرغم من مرور خمس سنوات على الجائحة".
وأفادت السبتي، أن الدراسات النفسية أظهرت أن الناس الذين مروا بفترات طويلة من العزل الاجتماعي، مثلما حدث أثناء فترات الحجر الصحي، تعرضوا بشكل أكبر للمشاعر السلبية مثل الوحدة والعزلة، مما ساهم في فقدان الكثيرين لمهارات التواصل، وبالتالي تزايد الإدمان على مواقع التواصل الاجتماعي، وأيضا الألعاب الإلكترونية كمحاولة للهروب من الواقع، مضيفة أن الحجر الصحي عمق من اضطرابات الأفراد ذوي الميول الانعزالية، وساهم في نمو الخوف من الآخر، كما ساهم في تعطيل اكتساب المراهقين للمهارات الاجتماعية.
في المقابل، تشير الأخصائية النفسية إلى إيجابيات الجائحة، موضحة: " الجائحة ساعدت الكثيرين على إعادة التفكير في أولوياتهم. أصبح الناس أكثر اهتماما بالبحث عن معنى أعمق لحياتهم، وتغيرت مفاهيمهم حول الوقت والعمل. شاهدنا أيضا تحسنا ملحوظًا في مرونة الأفراد في التكيف مع التغيرات، مثل العمل عن بعد وتنظيم الحياة بشكل أكثر فعالية".
وتضيف السبتي:" الصحة النفسية أيضا أصبحت في صدارة الاهتمام، وأصبح طلب المساعدة النفسية أمرا طبيعيا. هذه التغييرات إيجابية وتظهر قدرة الإنسان على التكيف والنمو حتى في أصعب الأوقات."
مسافة أمان وتضامن
يرى نبيل الصافي، باحث في علم الاجتماع وعلم النفس، أن الجائحة لم تؤثر فقط على الأفراد، بل أحدثت شرخا في النسيج الاجتماعي المغربي، قائلا: "الجائحة جعلت الناس يعيدون تقييم الأولويات في حياتهم، إذ تغير نمط الحياة الذي كان يعتمد على الأنشطة الاجتماعية المكثفة والتجمعات العائلية والاجتماعية، ما فرض على الأفراد تبني سلوكيات جديدة، مثل التباعد الاجتماعي، والعمل والدراسة عن بُعد، وهو ما انعكس على جودة العلاقات الشخصية وطرق التواصل بين الأفراد".
وأضاف الصافي، في تصريحه لـSNRTnews، "من اعتبر كورونا أزمة عابرة تمتع بالقدرة على العيش كما في السابق، لكن من اعتبرها أزمة ممتدة تغير نمط معيشته وعقليته وتفكيره وتعامله مع الآخر".
وأكد الصافي أن الأفراد أصبحوا أكثر حرصا على الحفاظ على المسافات الاجتماعية، مما أثر على الروابط الاجتماعية التقليدية موضحا: "الأشخاص بدأوا يتعاملون مع بعضهم البعض بحذر أكبر، وهناك تحول في طرق التعبير عن العاطفة والدعم العاطفي. كانت اللقاءات العائلية والأصدقاء تشكل جزءا أساسيا من الحياة الاجتماعية، أما الآن، فالتواصل أصبح يعتمد بشكل كبير على الوسائل التكنولوجية، مما قلل من الاتصال المباشر وأدى إلى شعور البعض بالعزلة أو الوحدة العاطفية".
من جهة أخرى، أشار الصافي إلى أن البعض قد وجد في الجائحة فرصة لتغيير سلوكياته تجاه الآخر، قائلا: "كان هناك تزايد في التضامن الاجتماعي، إذ أظهر البعض استعدادا أكبر للتعاون والمساعدة في الأوقات الصعبة. بينما كان آخرون يزدادون تمسكا بالفردانية والانعزال بسبب الخوف من الفيروس والمخاوف الصحية".
وأضاف: "الجائحة عززت أيضا فكرة الاهتمام بالصحة الجسدية والنفسية، مما دفع الأفراد إلى البحث عن طرق جديدة للتعامل مع ضغوط الحياة اليومية والاعتناء بأنفسهم بشكل أفضل".
مقالات ذات صلة
عالم
مجتمع
مجتمع
عالم