فن وثقافة
حين يُحقن الإحساس: هل تجميل الوجه يشل التمثيل؟
19/05/2025 - 00:27
خولة ازنيزني
"الوجه هو أداة الممثل"، عبارة تختصر صلب النقاش حول أثر عمليات التجميل على الأداء التمثيلي. ومع تنميط مقاييس الجمال، التي تروجها خوارزميات "إنستغرام" و"تيك توك"، أصبح تحديد معايير جمالية ثابتة أمر شائع، حيث تمنح هذه التطبيقات فلاتر أو قوالب جاهزة تشجع على ظهور وجوه متشابهة على الشاشة؛ خدود منتفخة، وشفاه مكتنزة بشكل مبالغ فيه، وفك عريض، وحواجب مرسومة بدقة، مع أنف صغير لا يتناسب حجما مع الملامح الأخرى.
ورغم أن الجمال عنصر جاذب في عالم الصورة، إلا أن المبالغة فيه جعلت من تعبيرات الوجه أمرا صعبا. فقد أصبح بعض الممثلين يعجزون عن إيصال مشاعر مثل الغضب، أو الحزن، أو الدهشة، وذلك بسبب تجميد ملامح الوجه وتصلبها بفعل البوتوكس والشد المتكرر.
تسليع الجمال وتجميل الموهبة
أفاد المخرج إبراهيم الشكيري بأن الظاهرة بدأت تدخل إلى المغرب، ولكن ليس بنفس الحدة التي نشهدها في الدراما العربية.
ويؤكد، في تصريحه لـSNRTnews، أن "تجميل الوجه" يقتل قدرة الممثل على التعبير. ويقول: "الأداء والتشخيص أهم من الصورة، لكن الوجه هو الأداة الرئيسية للممثل، وإذا تم تقييد هذه الأداة، فإن المشهد يفقد روحه".
ويوضح الشكيري أن الوجه هو الذي ينقل المشاعر المختلفة للمشاهد؛ إذ تسهم اللقطات القريبة في إظهار هذه التفاصيل الدقيقة، ولكن مع عمليات شد الوجه وحقنه بالبوتكس باتت هذه الغاية تأتي بنتائج عكسية، فالبوتوكس يشل تعبيرات الوجه ليصبح الممثل كروبوت آلي أو دمية محنطة، وبالتالي، يفقد تلك القدرات التي يمنحها له الوجه الطبيعي الغني بالنهايات العصبية.
وجوه تتغذى بالدم وليس بالبوتوكس
يقول الشكيري: "نحن بحاجة إلى وجوه طبيعية نابضة بالوجع أو الفرح أو الألم، وفقا للموقف الدرامي، بحاجة إلى وجوه تتغذى بالدم وليس بالبوتوكس". ويستشهد بنجوم هوليوود العالميين الذين يتمسكون بجمالهم الطبيعي.
ويضيف: "إنه لا ضير في أن تلعب الممثلة دور الأم أو الجدة عندما تتقدم في العمر، فالتجاعيد ليست عيبا، ويمكنها أن تكون وسيلة تعبير إضافية. ولكن تسويق صورة 'البطلة الشابة للأبد' دفع العديد من الممثلات إلى اختزال موهبتهن في الجمال الجسدي".
ويشدد الشكيري على أن الممثل الذي يلجأ إلى عمليات التجميل ويدمن عليها لتحسين فرص ظهوره هو ممثل فارغ ثقافيا، وغالبا ما يفتقر إلى تجربة ثقافية أو أدبية، وبدون قراءات في مجالات متعلقة بتخصصه المهني.
من جهته، يؤكد الناقد السينمائي محمد باكريم أن أغلب المخرجين باتوا يرفضون مشاركة الممثلات اللاتي خضعن لعمليات تجميل مبالغ فيها، لما لذلك من تأثير مباشر على قدرة الوجه على التعبير.
وبالنسبة إليه، هذه الظاهرة ليست جديدة تماما، وإنما امتداد لمسار ثقافي-فني طويل بدأ مع نشوء "صورة النجم"، غير أن التحول الحالي أكثر تعقيدا بسبب طغيان الصورة الرقمية.
ويقول باكريم في حديثه لـSNRTnews: "الممثلات أو الممثلون هم ظاهرة ثقافية واجتماعية وفنية، مرتبطة بتطور النجم الذي يُخلق في وعي المتلقي عبر نمط معين من الصور"، مشيرا إلى أن هذا النمط لم يكن غريبا على بدايات السينما؛ إذ ساهمت إطلالة ممثلات مثل لويس بروكز في العشرينات والثلاثينات في ترسيخ صورة جمالية امتدت خارج الشاشة إلى سلوكيات الناس وتفاصيل حياتهم اليومية.
لكن باكريم يلفت الانتباه إلى بُعد آخر، حين يعتبر أن الانتقادات غالبا ما توجه للممثلات بينما يتم التغاضي عن المنظومة الصناعية التي تحدد معايير الجمال، من شركات إنتاج ودراسات تسويقية، فيقول: "ما ننساه أحيانا هو أن هناك منظومة صناعية تتحكم في شكل ظهور الممثل على الشاشة، وفقا لما يحدده السوق، وليس دائما ما يريده الفنان أو المشاهد".
ويضيف: "لقد حوّلتنا معايير السوق إلى متفرجين على الشبه لا على الاختلاف، وإلى رواد تسلية، لا إلى مشاهدين ناقدين. وبالتالي تُروج هذه الثقافة، فتؤثر بدورها على المتلقي الذي قد يشعر بالنقص والدونية، فيسعى للتقليد. وهكذا ندخل في حلقة مفرغة من الاستنساخ الجمالي الذي يطيح بالهوية والتنوع".
وبرأيه، فإن الظاهرة ليست سلبية بالمطلق، لأنها تُعبر عن واقع اجتماعي معين، ويختصرها في جملة واحدة: "العرض هو الذي يحدد الطلب". فالجمهور يتأثر بما يُقترح عليه من صور جمالية، والممثل لا يفعل سوى الانصياع لأنماط إنتاجية ترسم خارطة الظهور والنجاح، كما حدث مع الهيمنة البصرية للمسلسلات التركية التي "فرضت نوعا من الصورة النمطية للجمال"، وفقًا لتعبيره.
هوس التجميل
ومن الزاوية الطبية، يوضح الحسن بوكيند، أخصائي الجراحة التجميلية والترميمية، أن الإشكالية لا تكمن فقط في التجميل بحد ذاته، وإنما في التحول إلى الإدمان عليه.
يوضح بوكيند، في تصريحه لـSNRTnews، أن المسألة في البداية قد تكون وسيلة لتكييف المظهر حسب متطلبات "الكاستينغ"، خاصة في أدوار تتطلب شكلا جسديا معينا، لكن المشكلة "تكمن عندما يفقد الوجه هويته ويظهر كما لو أنه يخص شخصية أخرى تماما، ما ينعكس سلبا على تعبيراته ويربك أداء الممثل".
ويُحمّل الأخصائي المسؤولية إلى هوس المشاهير وتكريس صورة مثالية غير واقعية على وسائل التواصل الاجتماعي، مما يدفع الكثيرين إلى الشعور بالدونية أو الخوف من فقدان الأضواء، لا سيما مع تقدم السن.
غير أنه يفرق بين التجميل بوصفه وسيلة لتحسين الشكل دون المساس بتعابير الوجه، وبين ما يصفه بـ"المبالغة الجراحية التي تجعل من الوجه جزءا من موضة معينة".
ويرى أن "هناك عمليات تُجرى باحترافية عالية دون أن تضخم الشفاه أو تغيّر الملامح، لكنها للأسف أقل حضورا في وسط يغري بالتحول السريع ولو على حساب الهوية التعبيرية للممثل".
مقالات ذات صلة
مجتمع
فن و ثقافة
فن و ثقافة
فن و ثقافة