مجتمع
في عهد ترامب.. هل تواصل قرعة أمريكا منح الفرص؟
08/05/2025 - 11:41
خولة ازنيزني
يُعلَن خلال شهر ماي من كل سنة عن المقبولين في برنامج "قرعة أمريكا" أو "قرعة التنوع"، وهو نظام للهجرة القانونية يُنظم سنويا لتمكين الراغبين من الاستقرار بالولايات المتحدة الأمريكية. أُحدث هذا البرنامج سنة 1990، ويتيح سنويا لما يقارب 55 ألف شخص من مختلف أنحاء العالم الحصول على بطاقة الإقامة الدائمة، المعروفة بـ"Green Card".
على مدى السنوات الأخيرة، كان المغرب من أكثر الدول إقبالا على التسجيل في هذا البرنامج، إذ احتل المغاربة الرتبة الرابعة بين أكثر الجنسيات العربية حصولا على البطاقة الخضراء خلال سنة 2022، بمجموع 4756 بطاقة. كما جاء في المرتبة الـ40 عالميا، حسب أرقام وزارة الأمن الداخلي الأمريكية.
ولاحظ عدد من المغاربة الذين شاركوا في قرعة 2025 أن عدد المختارين كان محدودا مقارنة بالسنوات الماضية، منذ بداية الإعلان عن النتائج يوم السبت 3 ماي 2025، على الموقع الرسمي لوزارة الخارجية الأمريكية، بعد فترة ترقب من الحالمين بعيش "الحلم الأمريكي".
وتعززت التكهنات بشأن احتمال إقدام الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب على إدخال تغييرات على هذا النظام، خاصة مع إعلانه وضع ملف الهجرة ضمن أولوياته في ولايته الرئاسية الجديدة، بترشيحه توم هومان لتولي مسؤولية الوكالة المكلفة بالإشراف على حدود الولايات المتحدة الأمريكية.
يرى عبد الفتاح الزين، منسق الشبكة الإفريقية للهجرة والتنمية، أن المستجدات المتعلقة بقرعة الهجرة لا يمكن فصلها عن التحولات السياسية والإيديولوجية في الإدارة الأمريكية، خاصة أن ترامب سبق أن أعرب عن امتعاضه من هذا النظام خلال ولايته الأولى.
ويشير الباحث في قضايا الهجرة إلى وجود توجه متصاعد نحو التضييق على ملف الهجرة، سواء القانونية أو غير القانونية، وهو ما ينعكس على برامج مثل قرعة التنوع.
ويؤكد الزين، في تصريحه لـSNRTnews، أن الهجرة تظل في النهاية قرارا سياديا، ومن حق كل دولة أن تختار من تستقبل بناء على مصالحها الاقتصادية والاجتماعية.
ويوضح أن السوق الأمريكية لم تعد قادرة أو راغبة في استقبال الأعداد نفسها من المهاجرين، خصوصا من الفئات ذات المهارات المحدودة، ولهذا يتم إعادة النظر في المعايير المعتمدة في برامج الانتقاء.
وعلى مستوى السياسات العامة، يرى الزين أن إدارة ترامب، في ولايتها الحالية، تنطلق من منطق "أمريكا أولا"، حيث يتم تقديم مصلحة المواطن الأمريكي على أي اعتبار، بما في ذلك ما يُنفق على دعم المهاجرين، موضحا أن صعود التيارات اليمينية لا يؤثر فقط على سياسات الهجرة، بل يمتد إلى تقليص دعم الدولة للمنظمات الحقوقية والإنسانية، لأنها لا تحقق منفعة مباشرة للمواطن الأمريكي.
ويضيف أن الأولوية أصبحت تُعطى لأصحاب الشهادات والكفاءات العالية، خاصة في مجالات مثل الهندسة والطب والتكنولوجيا، مقابل تقليص فرص العمل في المهن التقليدية التي تعتمد على الجهد البدني، كالبناء والحراسة.
ويحذر الزين من أن هذا التحول قد يؤثر مباشرة على المغرب، إذ إن اليد العاملة المغربية غير المتخصصة قد تصبح خارج اهتمامات النظام الأمريكي، ما يوسع من ظاهرة هجرة الأدمغة ويُضعف السوق المحلية.
كما يشير إلى أن الهجرة لم تعد مجرد حلم فردي، بل أصبحت أداة اقتصادية تُستغل لتلبية حاجيات سوق العمل في بلدان الاستقبال. ويوضح أن الفوارق بين المواطن والمهاجر لا تزال قائمة، سواء من حيث الأجور أو ظروف العمل، رغم أنها تظل أفضل من تلك الموجودة في بلدان الأصل.
ويشدد الباحث على أهمية تعزيز الحقوق الاقتصادية والاجتماعية في بلدان الجنوب، وتثمين الكفاءات الشابة، والاستثمار في التنمية.
عودة ترامب.. عودة للقيود؟
يستمد برنامج "قرعة أمريكا" شرعيته من قانون الهجرة لسنة 1990، والذي أنشئ لتشجيع التنوع بين الجنسيات. لكنه تحول في عهد ترامب، إلى هدف لحملته المناهضة للهجرة، خاصة بعد حادث إرهابي سنة 2017، قُتل فيه ثمانية أشخاص في نيويورك على يد مهاجر دخل عبر هذا البرنامج. وقد شكل ذلك الحادث لحظة محورية في خطابه، حيث أعلن نيته العمل على إلغاء البرنامج وتعويضه بنظام قائم على الكفاءة.
في هذا السياق، يرى الخبير في القانون الدولي وقانون الهجرة، صبري الحو، أن نظام القرعة يتجاوز الرهانات السياسية المؤقتة، مثل إدارة ترامب، مؤكدا أنه يعكس تحولا بنيويا في فلسفة الهجرة الأمريكية، كما أنه يخدم ما يسميه بـ"الدولة العميقة" في أمريكا، والتي تهدف من خلاله إلى تأمين مصالح استراتيجية طويلة الأمد، كالحفاظ على تنوع المجتمع وتعزيز الاقتصاد وخلق امتداد ناعم في دول الجنوب.
وربط الحو، في تصريحه لـSNRTnews، هذا التوجه بموجة عالمية، خاصة في أوروبا، تسعى إلى التشدد في ملف الهجرة والقطع مع الأساليب القديمة، من خلال تعزيز الجدران الحدودية، وتقليص التأشيرات، وتشديد شروط الانتقاء، أو محاولة تعطيل البرامج التي تتيح الهجرة القانونية، موضحا أن تأثيرات هذه الإجراءات قد تظهر خلال السنوات المقبلة.
وفي هذا الإطار، ميّز الحو بين نوعين من الهجرة: الأولى "مختارة"، كما في حالة القرعة التي تقوم على انتقاء إداري مؤسساتي، والثانية "مفروضة" أو غير نظامية، والتي تُحاربها الإدارة الأمريكية حاليا بسياسات أكثر صرامة.
ويؤكد أن الحديث عن الطابع العشوائي والحيادي للسحب الإلكتروني لا يعكس الواقع؛ إذ إن هذا النظام "انتقائي" في جوهره، موجه لخدمة مصالح معينة، ومرتبط بالخلفيات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية للمرشحين.
ويشدد الحو على أن النظام "ليس بريئا"، إذ يقوم على اختيار مهاجرين بمواصفات محددة، من أبرزها الكفاءة المهنية القابلة للتطوير، بهدف تزويد السوق الأمريكية بيد عاملة مؤهلة وسريعة الاندماج، وهو ما يدعم الاقتصاد ويساهم في توازن الهرم السكاني، خاصة في ظل شيخوخة المجتمع الأمريكي، فضلا عن توجيه استقطاب مهاجرين من دول معينة لتكوين نخب إثنية قادرة على التأثير مستقبلا في بلدانها الأصلية.
ويقول الخبير في قضايا الهجرة: "إن هذا النظام يُمثل أملا لفئات واسعة، خصوصا من الشباب ذوي الكفاءات، الذين لا يرغبون في الهجرة غير الشرعية، بل يبحثون عن منافذ قانونية تحترم كرامتهم"، محذرا من تداعيات خيبة الأمل التي قد تدفع البعض إلى طرق غير نظامية أو مضاعفة الإقبال على الهجرة نحو أوروبا بطرق محفوفة بالمخاطر".
مقالات ذات صلة
عالم
عالم
عالم
مجتمع