فن وثقافة
عبد القادر الوزاني.. عازف النول في سمفونية البروكار
23/06/2025 - 13:11
محمد شافعي | خولة ازنيزنيفي الزقاق المؤدي إلى ساحة "لالة يدونة" في قلب المدينة العتيقة لفاس، ينبعث صرير غير مألوف، كأنه نبض تاريخ عريق يأبى الاندثار. يصدر هذا الصوت من ذاكرة حية، تنسج بخيوط الصبر والجمال ما تبقى من مجد "البروكار": إنها ورشة عبد القادر الوزاني، آخر معلمي نسج البروكار اليدوي في المملكة.
يجلس الوزاني، وقد جاوز الثمانين، منكبا على حياكة قطعة حرير على نول خشبي عتيق، يحرك قدميه بانسجام فوق مكابح آلة ميكانيكية يدوية تُعرف بـ"النول"، كأنه يعزف سمفونية تجمع الخيوط والألوان في رقصة صامتة، فهي ليست مجرد آلة، بل رفيقة درب امتد لأكثر من ستين سنة، تواطأت معه على حفظ أسرار حرفة تتوارى أمام زحف الآلات وضجيج الحداثة.
داخل ورشته التي تنتصب كحصن مقاوم رغم السنين التي أنهكتها، حيث تخاط الحكايات بالصبر، ويطرز المجد بخيوط الذهب، تخبرك القطع التي نسجها هذا "المعلم" عن براعة يد لا تزال تصون سلالة الفن الفاسي العريق، حرفة إذا ذكرتها في فاس أو المغرب، ذُكر اسم عبد القادر الوزاني.
البروكار.. نسيج فاخر
البروكار، ذلك النسيج الفاخر الذي يشتهر بنقوشه الراقية ولمعانه الأخاذ، يُحاك بدقة متناهية على أنوال يدوية تعود لعقود خلت، وينسج من حرير "الصابرة" أو "الصقلي"، ويتزين بخيوط الذهب والفضة.
وحياكة المتر الواحد منه تستلزم ساعات طويلة من الصبر والتركيز والحرفية العالية، والقطعة الكاملة من القفطان التي تتطلب حوالي ستة أمتار قد تصل مدة إنتاجها لأشهر عدة.
يقول الوزاني بفخر، في حديثه لـSNRTnews، إن البروكار ليس مجرد قماش فخم منسوج من الحرير، بل هو قطعة من الذاكرة الفاسية، كان يستخدم في بداياته لصناعة الأحزمة النسائية الفاخرة التي تزين خصور سيدات الأسر الثرية في شمال المغرب، ويعد من التركات التي تورث من الأم لبناتها.
ومع مرور الزمن، تطور استعماله ليشمل القفاطين الفاخرة، و"لبسة النكافة" التقليدية، وأحيانا أغلفة الأثاث الراقي.
وكانت الفتاة المقبلة على الزواج تشتري قطعة خضراء من البروكار لتكمل بها "الكسوة الجوهر"، اللباس الفاسي التقليدي الذي لا تكتمل فرحة العرس المغربي إلا به، إذ يعد زينة العرائس ورمزا للثراء والرقي.
ويؤكد الوزاني أن هذا النسيج ما يزال مطلوبا لدى الأسر العريقة بفاس، وله عشاق كثر داخل المغرب وخارجه، إذ يستخدم في الأعراس، وفي تصميم الأزياء الراقية، بل وحتى في صناعة الأثاث والصالونات الفخمة، وهو ما جعله واحدا من أغلى وأفخر الأقمشة في العالم.
حارس الصنعة
خلال القرن العشرين، كانت فاس تضم أكثر من 212 معلما مختصا في البروكار، يشرفون على ورشات تضم حوالي 114 حرفيا، وتضج بأصوات، واشتهر من بينهم معلمون كبار مثل الودغيري، وبن جلون، وبناني، الذين أداروا مشاغل كبرى داخل المدينة، بحسب دراسة "الكنوز الإنسانية الحية: فن بروكار فاس نموذجا" المنجزة من قبل وزارة الصناعة التقليدية بدعم من اليونسكو.
أما اليوم، فلم يبقَ سوى عبد القادر الوزاني، متمسكا بنوله ومهارته المتفردة، في مشهد ثابت تُمليه علاقة عشق متبادلة بينه وبين حرفة أصيلة، يصر على أن لا تنقرض ما دام قلبه ينبض.
يروي الحاج عبد القادر، وهو يدخل خيطا جديدا في نسيجه، أنه تعلم أسرار هذه الحرفة منذ أن كان في ربيعه السابع عشر، على يد معلمه من عائلة بن الشريف الفاسية، التي اشتهرت بصناعة البروكار منذ مطلع القرن الماضي.
صنعة من رياضيات وعبقرية فنية
لم يدرس عبد القادر كثيرا، لكنه يتقن ما يشبه الرياضيات الذهنية المعقدة، فكل قطعة من البروكار تحمل تصميما خاصا وزخرفة متفردة لا ترسم على ورق ولا تستنسخ، بل تنبع من مخيلة متقدة وتترجمها يدٌ صبورة إلى لوحات حريرية آسرة.
ويعد هذا النول، حسب الباحثين في التراث، الأكثر تعقيدا نظرا إلى آلية تحريكه، ويتطلب تشغيله خمسة إلى ستة رجال للتحكم في تسديته التي تصل أكبرها إلى 6000 خيط، وكذا في نظام الجذب الذي يمكن من إنجاز زخارف دقيقة ومعقدة ومتعددة الألوان، ما يتطلب مهارة لا يقدر عليها إلا من تمرس بجهد، ولا يستوعبها إلا من سحر بروعة النسيج ودقة التفاصيل.
وعن تقنية إنجاز هذا الثوب فيستعمل خيوط كثيرة تتحكم في نسجها إلى "النزق" التي يمررها المعلم الوزاني بحرفية عالية، إذ يضع بداخلها خيوط الصابرة الحريرية والتي غالبا ما تستعمل كل واحدة للون معين وقد تصل أحيانا إلى سبعة ألوان.
ورغم المكانة الرفيعة لهذا الفن، يُقرّ الحاج الوزاني بأسى أن الحرفة تسير نحو الأفول، إذ حاول مرارا أن يعلمها للشباب، لكنهم غالبا ما ينسحبون سريعا، فهم لا يجدون في صرير النول وإيقاع الأقدام حاجة كافية لمنافسة تطورات ومتطلبات الزمن.
ومع ذلك، ما زال الحاج الوزاني يحتفظ بكنوزه في خزانة خشبية، تضم نماذج لتصاميمه المستوحاة من الزخارف الأندلسية والفنون الشرقية والأوروبية، ولا يزال يأمل أن يستمر العاشقون في اقتناء قطعة من البروكار، سواء للذكرى، أو للاعتزاز بسحر فاس، أو لارتداء تصميم نادر تتهادى به أميرة أو نجمة على مسرح عالمي.
ويأمل أن لا تتوقف الحرفة التي أمضى فيها أكثر من ثلثي عمره عنده، بل أن يكمل أبناؤه المسار الذي بدأه، وقد أورثهم أسرار "النزق"، ومهارة "البهجة" و"الخريب"، وهي أسماء لأنواع بروكار لا تزال تُزين حفلات الأعراس والمجالس المغربية الراقية.
ويتراوح سعر القطعة الكاملة من البروكار لقفطان مغربي بين 7000 و9000 درهم، حسب بساطة أو تعقيد التصميم، وطول القماش، ومدى استعمال الخيوط المذهبة أو الفضية، بناء على طلب زبنائه الذين يعتبرهم "نخبة النخبة".
مقالات ذات صلة
فن و ثقافة
فن و ثقافة
فن و ثقافة
اقتصاد