فن وثقافة
فيلا كارل فيك .. من بيت جاسوس وسجن إلى متحف لذاكرة الدارالبيضاء
23/06/2025 - 11:45
أيوب محي الدين | خولة ازنيزنيوسط حي مرس السلطان العتيق بالدارالبيضاء، تقف "فيلا كارل فيك" شامخة، كجسر حيّ بين ذاكرة مدينة وطموحها الثقافي، فالمكان الذي شيد قبل أكثر من قرن كإقامة فاخرة للتاجر والدبلوماسي الألماني كارل فيك، لذي أعدمته سلطات الاستعمار الفرنسية متهمة غياه بالجاسوسية، لتحوله إلى سجن، أصبح اليوم متحفا نابضا بالحياة، يروي فصولا من تاريخ الدار البيضاء، ويحتضن تحوّلاتها الكبرى في مجالات الفن والعمارة والرياضة، إلى جانب التحولات الاجتماعية والإبداع الحضري.
تحولت هذه البناية، التي شيدت بين سنتي 1912 و1913، إلى "متحف ذاكرة الدار البيضاء" تحت إشراف المؤسسة الوطنية للمتاحف، لتُكرَس كأحد أهم الفضاءات الثقافية الجديدة بالعاصمة الاقتصادية، حاملة رؤية طموحة لصيانة التراث ونقله إلى الأجيال القادمة.
تؤكد زينب الديوري، محافظة المتحف، أن "فيلا كارل فيك ليست فقط مبنى تاريخيا، بل ذاكرة جماعية حية تعكس مراحل التحولات التي عرفتها المدينة، وتقدّمها في صيغة سردية فنية للزوار".
وتضيف في حديثها لـSNRTnews، أن هذا الفضاء المتحفي الجديد يغني الساحة الثقافية للدار البيضاء من خلال تقديم محتوى متنوع يربط بين الماضي والحاضر، في تجربة بصرية ومعرفية فريدة.
وتؤكد أن "الدار البيضاء، من خلال هذا المشروع تحفظ فقط جزءا من ذاكرتها، وتؤسس أيضا لرؤية مستقبلية تعزّز حضورها كوجهة ثقافية مغربية وإفريقية.
أرشيف صامت
هندسة البناية، التي تم الحفاظ على أصالتها أثناء الترميم من طرف المهندسة المعمارية سليمة الناجي، تمثل مزجا بديعا بين فن الآرت ديكو والطراز النيوموريسكي، بزخارفها المستوحاة من زهرة الأقنتة الإغريقية، والمشربيات الدقيقة، والأعمدة البورجوازية المتينة، لتكن كل زاوية فيها شاهدة على مرحلة من تاريخ المدينة.
تحمل جدران "فيلا كارل فيك" آثار أزمنة مختلفة، إذ شغلت عبر التاريخ وظائف متعددة، فقد تحولت بعد إعدام مالكها من طرف السلطات الفرنسية سنة 1915 بتهمة التجسس، إلى مخيم لاحتجاز السجناء الألمان خلال الحرب العالمية الأولى، ثم إلى ملجأ للأطفال المصابين بالسل، قبل أن تستخدم كمرفق تعليمي حين استقبلت تلاميذ ثانوية خناتة بنت بكار.
وفي سنة 2025، تم استعادتها كمتحف بعد عملية ترميم دقيقة راعت المواد الأصلية، وحافظت على روح المكان، وفق مقاربة تأخذ بعين الاعتبار أصالته، وتكيّفه في الوقت ذاته مع متطلبات المتاحف الحديثة.
وجهة ثقافية جديدة في قلب المدينة
يقدّم المتحف للزائرين معارض دائمة حول تاريخ المدينة، إلى جانب معارض مؤقتة تتيح استكشاف تنوّع التعبيرات الفنية، كما يستعرض ذاكرة الدار البيضاء من زوايا مختلفة، تمتد من التاريخ والفن والثقافة، إلى العمران والرياضة.
وتتواصل تجربة الزائر في الساحة الخارجية التي تحولت بدورها إلى فضاء فني مفتوح يعرض أعمالا إبداعية في الهواء الطلق، وسط حديقة غنّاء تمنح المكان بعدا بيئيا وإنسانيا إضافيا.
وهذا المشروع الثقافي هو ثمرة شراكة جمعت بين المؤسسة الوطنية للمتاحف، ووزارة الشباب والثقافة والتواصل، وجماعة الدار البيضاء، وعمالة مقاطعة مرس السلطان، في تجسيد لإرادة تهدف إلى ترسيخ موقع الدار البيضاء كقطب ثقافي بارز.
وبينما تمتد ظلال الفيلا على جدرانها التي احتضنت قرنا من التحولات، تتحوّل "فيلا كارل فيك"، بعد إعادة افتتاحها، من شاهد صامت على التاريخ إلى راو بصري، يفتح أبوابه لكل من يرغب في الإصغاء إلى نبض مدينة لم تكف يوما عن إعادة تشكيل نفسها، من خلال إعلان عن ولادة فضاء يربط الحاضر بالماضي، ويفتح المجال أمام أجيال جديدة لاكتشاف تراثها في قالب فني حديث، يجمع بين الجمال والذاكرة.
مقالات ذات صلة
مجتمع
رياضة
مجتمع
فن و ثقافة