فن وثقافة
الطريقة العيساوية.. مسار صوفي يربط الذكر بالتراث المغربي
24/07/2025 - 12:01
خولة ازنيزني | محمد شافعيفي قلب العاصمة الإسماعيلية مكناس، يحتفظ ضريح الشيخ الكامل، الولي محمد الهادي بن عيسى، بهالة روحية ممتدة منذ القرن السادس عشر إلى اليوم. وعلى خطى مؤسس الطريقة العيساوية، يواصل المريدون والأحفاد نشر هذا الإرث الروحي الذي يتقاطع فيه البعد الديني بالثقافي، والوجد الصوفي بالإيقاع الفني، ضمن مشهد تراثي مغربي فريد.
في هذا السياق، تحدث إلى SNRTnews كل من عبد العالي العيساوي، مقدم ومحافظ ضريح الشيخ الكامل، والحسن العيساوي، رئيس تنسيقية الطريقة العيساوية بالمغرب وخارجه، لتسليط الضوء على النشأة، والمرجعيات، ومكانة الضريح لدى أتباع الطريقة داخل المغرب وخارجه.
يؤكد عبد العالي العيساوي أن الطريقة العيساوية تعد من أبرز الطرق الصوفية التي عرفها المغرب خلال العصر الحديث، وتحديدا في القرن السادس عشر، على يد الولي محمد الهادي بن عيسى، المعروف بالشيخ الكامل.
وتمثل العيساوية امتدادا للطريقة الجزولية التي ظهرت خلال القرن الثالث عشر على يد الإمام أبي الحسن الشاذلي، وتفرعت عبر تلامذته، من أبرزهم محمد بن سليمان الجزولي، صاحب كتاب "دلائل الخيرات".
وتفرعت عن العيساوية، بحسب المتحدث، عدة طرق منها: الحمدوشية، والقادرية، والعليوية، والشرقية، وغيرها، غير أنها تلتقي جميعها في نفس المنحى المرتكز على الذكر والتصوف.
ويعتبر المنتسبون للطريقة أن العيساوية ليست مجرد حضرة أو طقس احتفالي، بل مدرسة تربوية وروحية متكاملة، تهدف إلى تهذيب النفس، وتربية المريدين على مكارم الأخلاق، من خلال الجمع بين علوم الشريعة وأسرار التصوف.
من جانبه، يرى الحسن العيساوي أن الطريقة العيساوية تمثل منهجا روحيا يستند إلى الكتاب والسنة، ويقوم على الطهر والصفاء في التقرب إلى الله ورسوله، ويظهر ذلك من خلال الاعتماد على ترتيل القرآن، وقراءة الأوراد، ومدح الرسول (ص)، وتجنب الشوائب العقائدية.
كما ترتكز على أركان أساسية، أبرزها: الذكر، والمذاكرة، والعلم، والمحبة، والكرم، والتضحية، والرأفة، والمودة.
محمد الهادي بنعيسى.. الشيخ الكامل
يعرف الشيخ الكامل، واسمه الكامل محمد الهادي بن عيسى السباعي الإدريسي الحسني، كواحد من كبار مشايخ التصوف في المغرب. ولد سنة 872 هـ الموافق لـ1467 م، وتوفي سنة 933 هـ، الموافق لـ1526 م، وفق ما أورده المؤرخ عبد السلام بن سودة في كتاب "دليل مؤرخ المغرب الأقصى".
ويوضح الحسن العيساوي أن الشيخ الكامل نشأ في بيت صالح ومحترم، وتولى والداه تربيته وتعليمه، حيث اصطحبه والده إلى مدينة فاس لتحفيظه القرآن، وتعليمه الأدب والعلوم الشرعية بجامع القرويين، حيث أبان عن نباهة علمية، وأتقن الفقه، واللغة، والتفسير.
بعد ذلك، انتقل إلى مكناس، حيث التقى بالشيخ أحمد الحارثي، أحد ورثة الطريقة الجزولية عن الشيخ محمد بن سليمان الجزولي، وتلقى على يده التربية الصوفية، ثم ارتحل إلى مراكش للقاء الشيخ عبد العزيز التباع، الذي استقبله بقوله: "أهلا بالابن البار والخليفة الناصح"، ومنحه مفاتيح الطريقة، وأذن له بالتربية والجلوس لتلقين المريدين.
عاد الشيخ الكامل إلى مكناس، وبدأ في ممارسة التربية الروحية، ليطلق عليه أتباعه لقب "الشيخ الكامل"، ويصفه حفيده، نقلا عن روايات الأجداد ومن التقاه، بأنه كان عالما ربانيا، وفقيها حكيما، ومرشدا روحانيا اتسم بالحكمة والانفتاح؛ إذ لم يقتصر نشاطه على المتعلمين، بل شمل مختلف فئات المجتمع، ما منحه إشعاعا واسعا امتد إلى خارج المغرب، ليصل إلى تونس، وليبيا، ومصر.
ويتميز أسلوبه في تربية المريدين بالتركيز على تلاوة القرآن، وترديد الأمداح النبوية، والذكر الجماعي، مع الحفاظ على الصفاء الروحي، ويعتبر استخدامه للدف خلال الحضرات من الخصائص الفنية التي طبعت طريقته.
بين "سبحان الدائم" و"دلائل الخيرات"
من أبرز ما تركه الشيخ الكامل من أوراد، حزب "سبحان الدائم"، الذي يعد الحزب الرسمي للطريقة العيساوية، والذي يُشترط في المريد أن يكون حافظا له، ومتمكنًا من قراءة "دلائل الخيرات"، وملما بعلوم التصوف والفقه، ويتخلق بالأخلاق الحسنة، كما يوضح المحافظ.
كما يلزم أتباع الطريقة بوصية الشيخ الكامل التي يقول فيها: "طريقتنا لا تدخل في قلب قاس، ولا في جسم عاص، ولا في عقد جاهل، ولا تدرك بالقياس، وهي مبنية على الكتاب والسنة، وحكمة عليا وموهبة أولية، على السنة والنية، ومُسَاقة على أثر الأنبياء والأولياء".
ويفرق الحسن العيساوي بين قسمين داخل الطريقة: قسم أصلي يركز على الأوراد والأحزاب، وقسم فني يعرف بالحضرة العيساوية، حيث يندمج البعد الصوفي بالإيقاع الموسيقي.
ويشير إلى أن الإيقاع العيساوي تطور بعد وفاة الشيخ الكامل؛ إذ أدخل الطبل من طرف تلميذه الشيخ عبد الرحمن التاغي، ثم أضيفت آلة الغيطة على يد محمد الشباني، الذي استخدمها لإبلاغ الناس بخبر وفاة الشيخ الكامل.
ضريح الشيخ الكامل
يقع ضريح الشيخ الكامل داخل المدينة العتيقة لمكناس، قرب باب الجديد، ويعد من أهم الزوايا التاريخية بالمغرب. بني بصيغته الحالية سنة 1776، في عهد السلطان محمد بن عبد الله، وصنف سنة 1996 ضمن قائمة اليونسكو للتراث العالمي، باعتباره جزءا من النسيج التاريخي لمدينة مكناس.
منذ وفاة الشيخ الكامل، تواصل الزاوية أداء وظيفتها الروحية، حيث تقام بها طقوس الذكر، وتتلى الأوراد، كما تنظم فيها ثلاث مناسبات سنوية كبرى: وهي ليلة القدر، وعاشوراء، وذكرى المولد النبوي، التي يحتفى بها منذ ما يزيد عن خمسة قرون، ما يعكس مكانة الزاوية الرمزية لدى أتباع الطريقة.
وفي هذا السياق، تحدث مقدم الزاوية عن بعض الممارسات التي ترافق هذه المناسبات، والتي كثيرا ما تدرج في خانة الشعوذة أو الطقوس الدخيلة على التصوف، مؤكدا أن الطريقة العيساوية قائمة على الذكر والسماع والتقوى، وما عدا ذلك لا يندرج ضمن مرجعيتها ولا يمثلها، مستشهدا بمقولة الشيخ الكامل: "من يعمل بهذا فهو منا ومحسوب علينا، ومن لم يعمل به، فعمله رد."
مقالات ذات صلة
فن و ثقافة
فن و ثقافة
فن و ثقافة
فن و ثقافة