فن وثقافة
عيساوة بين الأجيال.. حين يتوارث الذكر والإيقاع
27/06/2025 - 17:04
محمد شافعي | خولة ازنيزنيفي قلب مدينة فاس، مهد التجليات الروحية والمقامات العريقة، حيث تتقاطع الإيقاعات، ويعلو صوت الدف و"البندير" و"الماعون"، يقف أب وابنه جنبا إلى جنب، مجسدين حكاية توارث الفن كهوية وروح، يرددان الأذكار نفسها، بالإيقاع ذاته، لكن بتجربتين مختلفتين توحدهما المحبة لفن عريق يُعرف بـ"عيساوة".
هذا المشهد (الأب - الابن) داخل فرقة عيساوية، ليس فقط صورة جميلة للتقاليد، بل قطعة من الزمن، تمتد من يد الأب إلى قلب الابن، ومن أنفاس الماضي إلى الحاضر، مقدّمة درسا في استمرارية الهوية، وإثباتا أن الفن الأصيل لا يموت طالما هناك من يقدره.
ورغم أن الزوايا تظل الحاضن الأول لهذا الإرث، إلا أن حضور عيساوة اليوم لا يقتصر على الفضاء الديني، بل أصبح جزءا من المشهدين الثقافي والاجتماعي. فالمجالس التي تعقد خارج الزوايا، والتي لا تخلو من الطقس والرمزية، تعكس كيف يتم تكييف هذا الموروث مع إيقاع العصر دون القطيعة مع جذوره.
من التصوف إلى الموسيقى
تُعد الموسيقى العيساوية امتدادا للطريقة الصوفية العيساوية، التي تأسست خلال القرن السادس عشر على يد الولي الصالح سيدي محمد الهادي بن عيسى، والمعروف بلقب "الشيخ الكامل". وتعتبر هذه الطريقة فرعا من الطريقة الجزولية، التي تعود إلى الإمام أبي عبد الله محمد الجزولي، أحد أعلام التصوف المغربي في القرن الخامس عشر، والتي بدورها تأثرت بالطريقة الشاذلية التي أسسها الإمام أبو الحسن الشاذلي في القرن الثالث عشر.
تعتمد الطريقة العيساوية على الطهر والصفاء، وتقرب المريدين إلى الله عبر حلقات الذكر، التي تشمل تلاوة القرآن، والأوراد، والمدائح النبوية، كما يشدد مريدوها على الانضباط، وطاعة المعلمين، والابتعاد عن الشوائب العقائدية.
يقول حماد الجامعي، مقدم الطائفة العيساوية، في حديثه لـSNRTnews، إن الموسيقى العيساوية تخاطب الجسد والروح معا، ولها إيقاعاتها الفريدة التي تتنوع بين "المُوَسَّع" أو "الميزان الحضّاري"، والخفيف"، و"الميزان المجرد" و"السريع"، وصولا إلى "انصراف القُدام" أو "الجموع" في الختام، وهو إيقاع يُقارن أحيانا بإيقاع گناوة.
لكن ما يميز هذه الموسيقى، حسب الجامعي، ليس فقط بنيتها الإيقاعية، بل قدرتها على احتضان المتعبين، أولئك الذين يحملون في صدورهم ضجيجا يبحث عن مخرج.
انتشر فن عيساوة ليصير طقسا ثقافيا توارثته عدة عائلات، خصوصا في فاس ومكناس، حيث حافظت على الإيقاعات الأصلية مع إدخال بعض الاجتهادات والتجديدات.
من بين أبرز التغييرات التي طرأت، يذكر الجامعي تغير طريقة اللباس، إذ عوضت الجلابيب "الحنديرة" التقليدية، وهو قميص يصنع بمواد بسيطة تعكس مستوى عال من الزهد والتصوف، وكان يلبسها مريدو الطريقة العيساوية الذين يسمون "فقراء"، وظل يضعها إلى الآن أعضاء الفرق العيساوية ممن يقومون بالتمايل على أنغام تلك الموسيقى، ويلبس العازفون الجلابيب والعمامات، وهذه الأخيرة وحدها تشكل شرطا لالتحاق كل عضو بالفرقة، لأن اللباس نفسه يحمل دلالة صوفية في امتداد للزهد والصفاء.
من الأب إلى الابن.. انتقال الذاكرة الإيقاعية
يصف حماد الجامعي ابنه أمين، قائد فرقة عيساوية شابة، بـ"الرجل الناضج المتقن للإيقاع"، الذي يتمايل مع نبرات الذكر كما لو أنه عاش ألف ليلة من المجالس الروحية، مؤكدا أن هذا الفن يُنقل من صدر إلى صدر، ومن يد إلى يد، دون الحاجة إلى ورق أو نوتة موسيقية.
يذكر أمين الجامعي، مقدم فرقة عيساوية، في حواره مع SNRTnews، أنه ترعرع في جو عيساوي خالص، إذ فتح عينيه على والده وهو يمارس هذا الفن، وكان يرافقه في الليالي العيساوية، محاولا الولوج إلى عالم الكبار.
يقول أمين الجامعي: " كنا نحاول حضور الليالي العيساوية في طفولتنا لكن كنا نطرد كل مرة، لكن مع تكرار المحاولة سُمح لنا بالحضور"، موضحا أن شيوخ عيساوة يعتبرون إصرار الطفل على الحضور دليلا على شغفه الصادق.
وفي المرحلة الأولى، يطلب من الأطفال الجلوس في صمت، والاستماع باحترام، دون إصدار أي صوت أو حركة، إلى أن يتعلموا جوهر الطريقة القائم على الانضباط والروية والتوقير.
ومن تجليات الاحترام داخل الجماعة أن يُقبّل المريد كتف معلميه عندما يُمنح آلة موسيقية، إشارة إلى نيله ثقة الجماعة وبلوغه درجة تؤهله للالتحاق الفعلي بالفرقة.
والانضمام إلى فرقة عيساوية لا يأتي بسهولة، كما يؤكد المقدم أمين الجامعي، فإن من يعشق هذا الفن عليه أن يتعلم أولا كيف يصمت، وكيف يوقّر، قبل أن يسمح له بحمل الآلة أو الجلوس وسط المجموعة، لأنه امتحان روحاني قبل أن يكون تدريبا موسيقيا.
وأشار مقدم الفرقة إلى أن هذا الفن ساعد العديد من شباب الحي على التطور وتحقيق ذواتهم، لأنه يمنحهم الإحساس بالانتماء، ويوفر لهم إطارا تربويا، يعلمهم القيم والاحترام والهوية.
يؤمن أمين الجامعي بأن مهمته اليوم ليست فقط الحفاظ على الموروث، بل مواصلة كتابة الحكاية، حيث يقول إنه امتدادٌ لحكاية بدأت قبل أن يولد، وواجبه الآن أن يكمل السطر، ويحافظ على اللحن كما هو، دون أن يمنعنه ذلك من التجديد لأن الطريقة هي الأصل.
مقالات ذات صلة
فن و ثقافة
فن و ثقافة
فن و ثقافة
فن و ثقافة