سياسة
المحكمة الدستورية ترفض مقتضيات واسعة من قانون المسطرة المدنية
06/08/2025 - 18:48
يونس أباعلي
في قرار لافت، أسقطت المحكمة الدستورية مقتضيات محورية من قانون رقم 23.02 المتعلق بالمسطرة المدنية، الذي أحيل عليها بعد المصادقة عليه في البرلمان، والذي أثار سجالا واختلافات خلال مراحل مناقشة وتعديل مقتضياته، بعد أن رصدت المحكمة ما اعتبرته تجاوزات دستورية تمس جوهر الحقوق والحريات.
وأكدت المحكمة أنها رصدت، بعد اطلاعها على الملاحظات الكتابية التي أدلى بها بعض أعضاء مجلسي البرلمان ورئيس الحكومة، والمسجلة بالأمانة العامة للمحكمة على التوالي في 17 و18 يوليوز 2025، عدة مقتضيات تمس بمبادئ دستورية أساسية وعلى رأسها استقلال القضاء، والأمن القضائي، وفصل السلط، وحقوق الدفاع.
صلاحيات لوزير العدل غير دستورية
أعطت المادتان 408 و410 من القانون لوزير العدل حق تقديم طلبات الإحالة لمحكمة النقض، إما بدعوى "تجاوز القضاة لاختصاصاتهم" أو في حالات "التشكك المشروع". غير أن المحكمة اعتبرت أن هذا المقتضى يمثل تدخلا مباشرا من السلطة التنفيذية في عمل القضاء، وهو ما يتعارض مع مبدأ استقلال السلطة القضائية ومبدأ فصل السلط، وبالتالي اعتبرت هذين المقتضيين غير دستوريين.
لا يمكن للنيابة العامة تجاوز القضاة
خولت المادة 17 للنيابة العامة المختصة أن تطلب التصريح ببطلان كل مقرر قضائي يكون من شأنه مخالفة النظام العام، داخل أجل خمس سنوات من تاريخ صيرورته حائزا لقوة الشيء المقضي به.
لكن رغم اعتراف المحكمة بدور النيابة العامة في حماية النظام العام، فقد اعتبرت أن منحها صلاحية طلب بطلان أحكام قضائية نافذة، دون ضوابط دقيقة وسلطة تقديرية غير مألوفة، يمس بمبدأ حجية المقررات القضائية، ويقوض ثقة المواطن بالقضاء، ويمس بمبدأ الأمن القضائي.
التبليغ بالتخمين لا باليقين
تجيز المادة 84 للمكلف بالتبليغ، عند عدم العثور على الشخص المطلوب تبليغه في موطنه الحقيقي أو المختار أو محل إقامته، أن يسلم الاستدعاء إلى من يثبت بأنه وكيله أو يعمل لفائدته أو يصرح بذلك، أو أنه من الساكنين معه من الأزواج أو الأقارب أو الأصهار ممن يدل ظاهرهم على أنهم بلغوا سن 16، على ألا تكون مصلحة المعني في التبليغ متعارضة مع مصلحتهم.
غير أن المحكمة وصفت هذه الصيغة بأنها فضفاضة وتفتقر للوضوح والضمانات، إذ لاحظت أنها تعتمد على التخمين بدل الإثبات، وتلقي على عاتق عون التبليغ تقديرات قانونية لا يملكها.
لذلك يخل المقتضى، وفق المحكمة، بمبدأ الأمن القانوني ويقوض حق الأفراد في محاكمة عادلة، كما نص عليه الفصل 120. ولأن هذه الصيغة شكلت أساسا لعدد من المواد الأخرى، فإن المحكمة وسعت نطاق عدم الدستورية ليشمل المواد: 97، 101، 103، 105، 123، 127، 173، 196، 204، 229، 323، 334، 352، 355، 357، 361، 386، 500، 115، 138، 185، 201، 312، 439.
جلسات عن بعد بلا ضمانات دستورية
سمحت المادة 90 للمحاكم بعقد الجلسات حضوريا أو عن بُعد، وألزمت الأطراف بالحضور بالطريقتين. إذ نصت على أن "يحضر الأطراف أو من ينوب عنهم الجلسات المنعقدة حضوريا أو عن بعد بأمر من المحكمة في التاريخ والساعة المحددين في الاستدعاء. كما يحضرون بنفس الكيفية الجلسات اللاحقة التي أشعروا بحضورها شفويا من قبل المحكمة".
لكن المحكمة لاحظت أن النص أهمل تحديد شروط تنظيم الجلسات عن بعد، ولم يضمن صراحة قبول الطرف المعني، وتكافؤ الوسائل، وسرية المعطيات، وضمان الاتصال المتزامن، وآليات العودة للحضور في حال انقطاع التواصل. وكل هذا يشكل إخلالا بحق الدفاع ومبدأ علنية الجلسات.
لا تعقيب على المفوض الملكي
نصت المادتان 107 و364 على أنه "يحق للأطراف أخذ نسخة من مستنتجات المفوض الملكي للدفاع عن القانون والحق دون التعقيب عليها"، وعلى أنه "يحق للأطراف أو دفاعهم أو وكلائهم الحصول على نسخة من مستنتجات المفوض الملكي للدفاع عن القانون والحق دون التعقيب عليها".
غير أن المحكمة شددت على أن هذا القيد يتعارض مع مبدأ التواجهية، ويحرم الأطراف من فرصة الرد على ملاحظات قد تؤثر على الحكم النهائي. وبالتالي، فإن عدم السماح بالتعقيب يشكل مساسا بحقوق الدفاع المنصوص عليها صراحة في الفصل 120.
خطأ يُفقد المادة معناها
تنص المادة 288 على أن كاتب الضبط يسلم الوصية المفتوحة إلى القاضي "وفق ما هو مقرر في المادة 284"، إلا أن هذه المادة المحال عليها تتعلق بمفاتيح أقفال الأبواب الموضوعة عليها الأختام، لا إجراءات الوصية، تقول المحكمة.
واعتبرت المحكمة أن هذا خلل في الإحالة يضر بوضوح النص القانوني ويجعل المادة غير مطابقة لمبدأ الشفافية القانونية، وهو ما يخالف الفقرة الأولى من الفصل السادس.
وجوب تبرير أحكام الرفض
تنص الفقرة الثانية من المادة 339 على ضرورة تعليل القرار فقط في حالة رفض الطلب. لكن المحكمة رفضت هذا المنطق، واعتبرت أن الفصل 125 من الدستور يُوجب تعليل جميع الأحكام، وليس فقط الرافضة منها، وأن الاستجابة للطلبات دون تعليل يفتح الباب أمام التمييز والغموض. وعليه، فهذه الفقرة أيضا غير مطابقة للدستور.
السلطة التنفيذية والنظام المعلوماتي القضائي
نصت المواد 624 و628 على أن السلطة الحكومية المكلفة بالعدل هي من تدبر النظام المعلوماتي القضائي، بما فيه قاعدة المعطيات وتعيين القضاة المكلفين بالملفات بطريقة إلكترونية.
غير أن المحكمة رفضت ذلك، واعتبرت أن توزيع القضايا وتعيين القضاة عمل قضائي صرف، وأنه يجب أن يظل تدبير النظام المعلوماتي بيد السلطة القضائية فقط.
وبالتالي تم الحكم بعدم دستورية المقتضيات التي تمنح هذه الصلاحيات للسلطة الحكومية، نظرا لما تشكله من مخالفة لفصل السلط واستقلال السلطة القضائية.
وفي ختام قرارها أمرت المحكمة الدستورية بتبليغ نسخة من قرارها هذا إلى كل من رئيس الحكومة ورئيس مجلس النواب ورئيس مجلس المستشارين، وبنشره في الجريدة الرسمية.
مقالات ذات صلة
سياسة
مجتمع
سياسة
مجتمع