اقتصاد
كيف سيؤثر تفعيل آلية تعديل الكربون الأوروبية على المغرب؟
24/09/2025 - 15:22
حمزة بامو | مصطفى أزوكاحلا تخفي التدابير التي اتخذها المغرب تحسبا لسريان آلية تعديل الكربون على حدود الاتحاد الأوروبي، ضرورة رفع التحديات التي قد تربك استجابة النسيج الصناعي الوطني لمتطلبات تلك الآلية، التي سيبدأ العمل بها في فاتح يناير 2026، علما أن المغرب انخرط في مسار لتطوير صناعة منخفضة الكربون، وتقليص انبعاثات الغازات الدفيئة.
وجرى خلال لقاء تواصلي، نظم اليوم الأربعاء 24 شتنبر بالرباط، لتقديم رأي المجلس حول "آلية تعديل الكربون على حدود الاتحاد الأوروبي وتأثيرها على المبادلات التجارية مع المغرب"، توضيح تداعيات تلك الآلية ودرجة استعداد المغرب للتعاطي معها والتدابير التي يفترض اتخاذها، خاصة مع اعتزام شركاء آخرين تبني مثل تلك الآلية وتوسيع مجال تطبيقها إلى منتجات أخرى.
ماهي آلية تعديل الكربون على الحدود الأوروبية؟
تعد آلية تعديل الكربون على الحدود الأوروبية (MACF) إحدى الأدوات الرئيسية المعتمدة في إطار الميثاق الأخضر الأوروبي، حيث بلورت في انسجام مع نظام تداول حصص الانبعاثات في مرحلته الأولى (SEQE1- système d'échange européen de quotas d'émission de l'UE)، المعمول به داخل حدود الاتحاد الأوروبي منذ سنة 2005.
وتهدف هذه الآلية الجديدة، التي ستدخل حيز التنفيذ ابتداء من يناير 2026، حسب سلطات الاتحاد الأوروبي، إلى الحد من مخاطر تسرب الكربون وضمان تكافؤ شروط المنافسة بين الصناعيين الأوروبيين ونظرائهم في البلدان الشريكة من خارج الاتحاد، بحيث من المقرر أن تستهدف في مرحلة أولى القطاعات الأكثر إصداراً للانبعاثات، وتشمل أساساً: الصلب، الألومنيوم، الإسمنت، الأسمدة الآزوتية، الهيدروجين، والكهرباء.
وسرت هذه الآلية في مرحلتين، حيث تمتد مرحلة انتقالية من أكتوبر 2023 إلى دجنبر من العام الجاري. تلك مرحلة، لم يتم خلالها دفع ضرائب الكربون بعد الإبلاغ عن مكون الكربون في الوردات الموجهة إلى الاتحاد الأوروبي. وتبدأ المرحلة النهائية في فاتح يناير 2026، لتشمل ستة قطاعات، على أن تغطي جميع السلع في عام 2034.
وتفضي هذه الآلية، بعد سريانها، إلى تحميل الصادرات الموجهة إلى السوق الأوروبية كلفة الانبعاثات الناجمة عن إنتاجها، وذلك على نحو مماثل للتحملات المالية والتقنية التي يخضع لها الصناعيون الأوروبيون في إطار نظام تداول حصص الانبعاثات.
تأثيرات محدودة ولكن
يلاحظ رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، عبد القادراعمارة عند تقديمه لخلاصات الرأي الذي جاء في إطار إحالة ذاتية، أن بعض الشركاء التجاريين للاتحاد الأوروبي يرون في تلك الآلية "حاجزاً جمركيا كربونيا" أمام الولوج إلى السوق الأوروبية، أكثر منه أداة بيئية يروم بلوغ الحياد الكربوني.
وذهب الرأي الذي أنجزه المجلس، إلى أن الأثر المباشر لهذه الآلية على المغرب، على المدى القصير، يظل محدوداً نسبياً، على اعتبار أن حصة الصادرات المغربية المعنية لا تتجاوز 3,7% من إجمالي المبادلات مع الاتحاد الأوروبي، 2,9% منها تخص قطاع الأسمدة.
وسجل أن الصناعيين الخاضعين في المغرب لهذه الآلية هم في معظمهم مجموعات كبرى بادرت إما إلى إطلاق استراتيجيات لخفض بصمتها الكربونية، أو نها تتوفر على الإمكانيات التي تمكّنها من الالتزام بالمعايير الأوروبية.
غير أن رئيس المجلس، ينبه إلى أن هذا الوضع قد يتغير لاحقا، إذا ما قرر الاتحاد الأوروبي، كما سبق أن أعلن عن ذلك، توسيع نطاق تطبيق الآلية على المدى المتوسط ليشمل منتجات إضافية، وكذا الانبعاثات غير المباشرة والمنتجات المُصنعة".
وشدد على أن ذلك قد يترتب عنه اتساع قاعدة الصادرات المغربية الخاضعة للآلية، وما سيكون له من انعكاسات على القدرة التنافسية لقطاعات رئيسية في اقتصادنا الوطني، من قبيل صناعة السيارات، والفلاحة، والسياحة، وصناعة الطيران.
واوضح عضو المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، أمين منير العلوي، أن القطاعات المغربية المعنية أكثر بتلك الآلية إلى حدود الآن، هي الأسمدة الآزوتية والكهرباء والهيدروجين، دون أن يستبعد بعض الإكراهات غير المباشرة التي قد تهم قطاعات مثل السيارات التي تستعمل الصلب.
ويلاحظ المجلس أن الأمر لا يقتصر على علاقة المغرب بالاتحاد الأوربي، حيث يسجل أن " هناك توجها لبعض الشركاء التجاريين للمغرب لاعتماد آليات كربونية مماثلة، وهو ما من شأنه أن يزيد من حدة الضغوط على الصادرات الوطنية ويؤثر على مستويات تنافسيتها في أسواق أخرى خارج الاتحاد الأوروبي".
تدابير استباقية
ويذهب اعمارة إلى أن هذه التحديات الحالية والمستقبلية، وما قد تنطوي عليه من فرص لتسريع الانتقال منخفض الكربون للاقتصاد الوطني، دفعت إلى التساؤل مع الفاعلين الذين تم الإنصات إليهم حول كيفية استعداد المغرب للتعاطي مع موجبات الآلية،لا سيما القطاعات الإنتاجية المعنية، لمواجهة هذه التحولات، والتدابير التي تم اتخاذُها لمواكبة دخول آلية تعديل الكاربون الأوروبية حيز التنفيذ.
وذكر بأن المغرب قد انخرط منذ سنوات في تنزيل سياسات طموحة في مجالات البيئة والطاقة والصناعة، تهدف إلى تطوير صناعة منخفضة الكربون، وتقليص انبعاثات الغازات الدفيئة، من أجل بلوغ الحياد الكربوني في أفق سنة 2050.
وأوضح أن هذا التوجه، يرتكز، على وجه الخصوص، على الاستراتيجية الوطنية منخفضة الكربون، التي تتضمن تدابير استباقية من شأنها مواكبة آلية تعديل الكربون على الحدود الأوروبية، والتخفيف من آثارها على الصناعات المصدّرة، مشددا على أن هذه الاستراتيجية تؤكد، كذلك، على الإرساء التدريجي لضريبة وطنية على الكربون، وعلى تطوير سوق وطنية للكربون بما يتوافق مع المعايير الدولية.
وأشار إلى أن السلطات العمومية بادرت، منذ الإعلان عن هذه الآلية سنة 2023، إلى إطلاق سلسلة من المبادرات والمشاريع الرامية إلى مواكبة الصناعيين في تكييف صادراتهم مع المتطلبات التقنية والبيئية الجديدة.
تحديات أمام التكيف
غير أن رأي المجلس يلاحظ أنه ما تزالُ هناك تحديات رئيسية، ينبغي رفعها، لضمان تكيف النسيج الصناعي الوطني على النحو الأمثل مع متطلبات هذه الآلية.
وأوضح أن أنّ عدداً من الأوراش المُهيكلة المرتبطة بالانتقال نحو اقتصاد منخفض الكربون، من قبيل توسيع نطاق الولوج إلى الكهرباء المولَّدة من مصادر متجددة، لاسيما على مستوى الجهد المتوسط، وتقليص الاعتماد على الطاقات الأحفورية ذات الانبعاثات المرتفعة، لا تزال في حاجة إلى تسريع وتيرة تنفيذها بما ينسجم مع متطلبات التنافسية التي تفرضها الآلية المذكورة.
وشدد على أنّ كلفة تحديث أدوات الإنتاج لدمج حلول منخفضة الكربون، ما تزال مرتفعة حسب الصناعيين الوطنيين، وخاصة بالنسبة إلى المقاولات الصغيرة والمتوسطة.
ونبه إلى التحديات المرتبطة بالخصاص المسجل في الموارد البشرية والخبرات التقنية المتخصصة في مجال تحديد انبعاثات الغازات الدفيئة وفق المعايير الأوروبية.
توصيات للتكيف
ويؤكد رئيس المجلس على أهمية اعتماد مقاربة مندمجة ومنسّقة، تُمكَن من تعزيز جاهزية المصدّرين الوطنيين بشكل فعّال للمتطلبات التي تفرضها الآلية الأوروبية على حدودها، وتسريع إزالة الكربون من القطاعين الطاقي والصناعي في إطار الاستراتيجية الوطنية منخفضة الكربون في أفق 2050. كما تشمل هذه المقاربة تعبئة التمويلات اللازمة، وتعزيز القدرات التقنية والمؤسساتية لبلادنا، مع تطوير التعاون الإقليمي والدولي مع الشركاء التجاريين للمغرب.
وعبر عن التطلع إلى تمكين المغرب، على المدى البعيد، من التموقع كقاعدة لصناعة وتصدير المنتجات منخفضة الكربون، بما يتوافق مع التزاماته الوطنية بخفض انبعاثات الغازات الدفيئة، ومع المعايير الدولية ذات الصلة.
ويقترح الرأي إحداث آلية وطنية لمواكبة تنفيذ آلية تعديل الكربون على الحدود، مع إحداث صندوق خاص لدعم ومواكبة المقاولات الصغيرة والمتوسطة، لاسيما تلك المصدّرة إلى الاتحاد الأوروبي، يهدف إلى التخفيف من كلفة إنجاز حصيلة انبعاثاتها الكربونية و دعم استثماراتها الموجهة إلى إزالة الكربون من أنماطها الصناعية، وتعزيز قدرتها التنافسية داخل السوق الأوروبية.
ويرشد إلى إحداث مسارات تكوينية متخصصة لتطوير الكفاءات في احتساب الحصيلة الكربونية . ويشدد على ضرورة تسريع استخدام الطاقات المتجددة على الصعيد الوطني، وضمان ولوج جميع المقاولات إلى الكهرباء الخضراء مع تتبّع دقيق لمسار التزويد، لاسيما على مستوى الجهد المتوسط، مع تسريع الانتقال إلى الغاز الطبيعي لفائدة الصناعات المعنية بالآلية بهدف تقليص اعتمادها على الطاقات الأحفورية الأخرى عالية الانبعاثات.
ويؤكد على ضرورة التعجيل بمباشرة المفاوضات مع الاتحاد الأوروبي بشأن الحصول على الاعتماد الأوروبي للنظام الوطني للتحقق من انبعاثات الغازات الدفيئة المرتبطة بآلية تعديل الكربون، بما يتيح للمصدّرين الاستفادة من هيئة وطنية معترف بها من طرف الاتحاد الأوروبي، ويُسهم في خفض تكاليف التحقق من الانبعاثات.
ويلح على إنجاز دراسات معمّقة، بتشاور مع جميع الأطراف المعنية، حول تأثيرات أدوات تسعير الكربون المختلفة، قصد استباق انعكاساتها على الاقتصاد الوطني وعلى تنافسية الصادرات.
ويدعو إلى دراسة إمكانية تطوير نظام وطني لتداول حصص الكربون بتشاور مع الأطراف المعنية، بهدف تسريع إزالة الكربون من القطاعين الطاقي والصناعي، مع إحداث آلية للتعديل على الحدود خاصة بالمغرب، على غرار آلية تعديل الكربون على حدود الاتحاد الأوروبي ((MACF،وذلك بما يضمن منافسة متكافئة بين المنتجات الوطنية والمستوردة.
ويطالب بتعزيز التعاون المغربي-الإفريقي من أجل تطوير قدرة تفاوضية إقليمية مشتركة بخصوص آلية تعديل الكربون على الحدود، بما يتيح الدفاع عن مصالح الدول الإفريقية ذات الانبعاثات المنخفضة، والتفاوض بشأن الاستفادة من معاملة تفضيلية (التعليق المؤقت أو تطبيق نسب خاصة، أو غير ذلك من التدابير المناسبة) لمنتجاتها، انسجاما مع المادة الثانية من اتفاق باريس للمناخ ومبادئ العدالة البيئية.
مقالات ذات صلة
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد