فن وثقافة
في يومه العالمي.. كيف يعاد إحياء التراث الشفهي؟
27/10/2025 - 16:07
حليمة عامر
"كان يا ما كان..." بهذه الكلمات كان الحكواتي يفتتح الحكايات، أو ما يعرف بـ"الحجاية"، عبر القرون. فقد كانت تجمع الأطفال حول الأجداد، تأسر أذهانهم بسحر القصص والأساطير، وتشوقهم لمعرفة أحداثها، بينما تتلألأ أعينهم شوقا لما سيأتي بعد. غير أن التحولات الاجتماعية وانتشار وسائل التواصل الحديثة وتطور التكنولوجيا قلل من حضور الحكاية في الحياة اليومية.
في هذا السياق، تجيب نجيمة طاي طاي غزالي، كاتبة الدولة لدى وزير التربية الوطنية والشباب المكلفة بمحو الأمية والتربية غير النظامية السابقة، ورئيسة الأكاديمية الدولية "مغرب الحكايات" للتراث الثقافي اللامادي، عن التحولات التي طرأت على فن الحكي في المغرب، وذلك بمناسبة اليوم العالمي للتراث السمعي، الذي يصادف 27 أكتوبر من كل عام.
كيف ترون فن الحكي الشعبي اليوم؟
يشهد فن الحكي الشعبي بالمغرب اليوم نهضة كبيرة، إذ يعد فنا أصيلا مرتبطا بالساحات الشعبية والأسواق الأسبوعية منذ قرون، وأصبح جزءا من الهوية المغربية. وممارسة هذا الفن ما زالت متداولة إلى اليوم، ففي الوقت الذي تراجع فيه الفداوي والربابي في معظم المجتمعات العربية، يواصل الراوي "الحلايقي" أو "شيخ الكلام" أداء دوره في الساحات الشعبية، مثل ساحة الهديم بمكناس، وساحة سيدي عبد الوهاب بوجدة، وساحة بوجلود بفاس، وساحة باب الأحد بالرباط، والعين الزرقة بتزنيت، وعلى رأس تلك الساحات ساحة جامع الفنا بمراكش، المصنفة عام 2001 ضمن قائمة التراث العالمي لدى اليونسكو.
هل ما تزال الأجيال الحالية تهتم بالتراث الشفهي؟
في فترة معينة توارى جمهور فن الحلقة، وانكبت الأجيال الصاعدة على استهلاك الثقافة الغربية، بينما استثمر الغرب الحكاية في الصناعة الثقافية والاقتصادية، كما ظهر ذلك في سلسلة أفلام ديزني والألعاب المرافقة لها، والتي تابعها شباب المغرب في تلك الحقبة.
أما اليوم، فأنا متفائلة جدا بالأجيال الصاعدة، التي أظهرت اهتماما بالتراث الوطني، فانتعش فن الحكي وتأسست جمعيات ومؤسسات متخصصة منذ أكثر من خمس وثلاثين سنة، أبرزها الأكاديمية الدولية للتراث غير المادي، التي نظمت أول مهرجان دولي لفن الحكي عام 1994، بهدف إعادة الاعتبار لرواد الحلقة والحفاظ على الذاكرة الشعبية والوطنية.
وبفضل توجيهات صاحب الجلالة التي تؤكد على الرأسمال اللامادي ودور التراث غير المادي في التنمية، شهدنا صحوة جديدة واهتماما بالتراث المغربي الأصيل. وساهمت التكنولوجيا والوسائط الرقمية في تعزيز الانتماء والهوية لدى الشباب، وجعلت الحكايات الشعبية والأمثال والألغاز محط اهتمام الجيل الجديد، لتصل إلى جمهور أوسع وأصغر سنًا.
كما عملت الأكاديمية على تأهيل الرواة المحترفين من خلال دورات تكوينية لتعليمهم استخدام التكنولوجيا والرقميات، وأنشأت فن الحلقة الافتراضي الذي يلتقي فيه رواة من المغرب ودول أخرى، وتمكينهم من الحكي عبر منصات رقمية مثل "يوتيوب" و"تويتر". خلال جائحة كوفيد، تم تنظيم دورة كاملة على المنصات الرقمية لعرض الحكايات بطرق مبتكرة، مما ساهم في إعادة إحياء التراث الشعبي وتعزيز تفاعل الجمهور مع الراوي وجعل التجربة أكثر جاذبية.
هل ساهم التقدم التكنولوجي في تراجع هذا التراث؟
لا أنكر أن التقدم التكنولوجي ساهم في تراجع بعض جوانب التراث الثقافي، خاصة مع انفتاح الشباب على الثقافات الأجنبية وتراجع الاهتمام باللغة العربية والتراث المحلي. ومع ذلك، وفرت التكنولوجيا فرصا للحفاظ على التراث، مثل رقمنة المخطوطات والصور والوثائق، ونشر التراث عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وإنشاء مواقع إلكترونية مخصصة له. وهكذا، رغم بعض التحديات، يمكن للتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي أن تكون وسيلة فعالة لحفظ التراث الثقافي للأجيال القادمة.
ما الذي يبذل من جهود للحفاظ عليه؟
يبذل المغرب جهودا كبيرة للحفاظ على تراثه الثقافي اللامادي، من خلال التوثيق والرقمنة، وإنشاء مؤسسات متخصصة مثل المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث، فضلا عن تعزيز التعاون الدولي مع اليونسكو والإيسيسكو. كما يدعم المغرب الفنون التقليدية وتنظيم المهرجانات الثقافية، مثل مهرجان فاس للموسيقى الروحية، ومهرجان الملحون بمكناس، ومهرجان أحواش بورزازات، ومهرجان "مغرب الحكايات" الذي يعيد الاعتبار لفن الحلقة والراوي، ويعزز التراث الشفهي المغربي.
مع ذلك، تواجه الحفاظ على التراث تحديات، أبرزها غياب إدراجه في المناهج الدراسية وندرة الكليات المتخصصة، وهو ما يستدعي إرادة قوية لإنشاء برامج تعليمية مؤسساتية للتراث المغربي.
ورغم أن التكنولوجيا ساهمت في تراجع بعض جوانب التراث، فإنها وفرت أيضا فرصا للحفاظ عليه وتعزيزه، ما يجعل الاستفادة الفعالة منها ضرورية لحماية التراث الثقافي للأجيال القادمة.
مقالات ذات صلة
فن و ثقافة
فن و ثقافة
فن و ثقافة
مجتمع