فن وثقافة
في الذاكرة… حضور لا يغيب لرواد الفن السابع في مهرجان مراكش
05/12/2025 - 19:05
خولة ازنيزني
في حضرة الغياب، حين تخفت الأضواء وتنصت القاعات لصدى الرحيل، يحضر الفنانون من خلال أعمالهم ومواقفهم ومساراتهم الطويلة، كأنهم لم يغادروا. لا يُستحضرون بوصفهم أسماء من الماضي فحسب، بل كقامات راسخة في ذاكرة الوجدان المغربي، وأصوات وصور وحكايات ما تزال تخدم الفن المغربي برصيد غني من الأعمال. خصصت مؤسسة المهرجان الدولي للفيلم بمراكش، وقفة عرفان لفنانين مغاربة رحلوا عن عالمنا هذا العام، عندما جرى عند استحضار ذكراهم خلال ليلة تكريم الممثلة القديرو المغربية راوية.
اختار المهرجان الدولي للفيلم بمراكش، في دورته الثانية والعشرين، استحضار ذكراهم وتكريمهم، في فقرة "في الذاكرة"، اعترافا بما أضاؤوه عبر عقود من مسيرة السينما والمسرح والتلفزيون، في لحظة يلتقي فيها الوفاء بالفن.
علي حسن.. سيد "سينما الخميس"
اشتهر علي حسن طيلة عقود كوجه سينمائي وسينيفيلي بامتياز على شاشة التلفزيون، إذ اقترن اسمه ببرنامج "سينما الخميس" لأكثر من عشرين عاما. اعتاد المغاربة الجلوس أمام التلفاز كل خميس لاكتشاف ما اختاره لهم علي حسن من أفلام، جاعلا من برنامجه نافذة للمتابعة السينمائية، ومقدما تحليلا فنيا رصينا عزز من ثقافة السينما لدى الجمهور.
اشتهر الراحل محمد حسن الوالي، المعروف باسم علي حسن، بتقديمه لبرامج تلفزيونية وإذاعية متنوعة، مما مهد له الانتقال نحو البرامج المتخصصة، وأهله ليصبح صوتا مرجعيا في المشهد السمعي البصري بالمغرب.
وقد تولى إنتاج وتقديم برنامج "سينما الخميس" بين 1991 و2003، ثم واصل هذا النهج عبر برنامج "نادي السينما" من 2003 إلى 2014، الذي حافظ على صلة الجمهور بالمستجدات السينمائية. كما قدم برنامجه الإذاعي "Entr Acte"، وشارك كممثل في أعمال بارزة مثل "ابن السبيل" و"الحاج المختار الصولدي" و"الأحرار".
محمد الخلفي.. فارس التشخيص في الذاكرة
تميز محمد الخلفي كأحد أعمدة الأداء في الدراما والكوميديا، وعلى خشبة المسرح والسينما والتلفزيون مستفيدا من موهبته المتقدة منذ بداية سبعينيات القرن الماضي مع المخرج عبد الله المصباحي في فيلمي "الضوء الأخضر" و"الصمت اتجاه ممنوع".
ينتمي الخلفي إلى الجيل الذهبي الذي تفتقت موهبته مع فرقة "المسرح العمالي" للطيب الصديقي، وشارك إلى جانب رواد الفن المغربي مثل ثريا جبران، ونعيمة المشرقي وأحمد الناجي.
برع في دور الكوميسير في سلسلة "لا فاطمة"، الشخصية التي اتقن تجسيدها والتي ترسخت في الأذهان إلى جانب خديجة أسد وعزيز سعد الله، كما لمع في الأعمال التاريخية العربية مثل "ملوك الطوائف"، ورفض الانتقال للعمل في لبنان رغم طلب المخرج جورج غياط تقديرا لأدائه المميز.
ترجل الخلفي عن صهوة الحياة، وماتزال نظرته تجاه للفن تعني الشيء الكثير للممثلين الشباب الحالمين بركوب صهوة التمثيل.
عبد القادر مطاع ..صوت ووجه لا ينسى
يعد عبد القادر مطاع إحدى القامات البارزة في تاريخ الدراما المغربية، بمسيرة امتدت أكثر من ستة عقود، حيث تنقل بين المسرح والتلفزيون والسينما والإذاعة.
مجسدا أدوارا متعددة نقلت أنماطا وحالات نفسية متنوعة للرجل المغربي، من الأب الحنون إلى المحتال والسياسي، وتقلب الفنان الراحل في أدواره التمثيلية بين ترف الأثرياء وضنك الفقراء.
كما عرف بصوته المؤثر والمشهور في الإعلانات الإذاعية والتلفزيونية.
اشتهر بدوره في "الطاهر بلفرياط"، وشارك في أعمال مغربية وأجنبية عدة مثل "أبواب النافذة"، و"أولاد الناس"، و"دواير الزمان".
على خشبة المسرح، أبدع ابن حي "درب السلطان" في الدار البيضاء، في مسرحيات خالدة مثل "الصحافة المزورة"، و"أمجاد محمد الثالث".
مصطفى الزعري.. مسار فني غني بين الركح والشاشتين
تميز الزعري في المسرح والتلفزيون والسينما، ورافق رواد الفن المغربي من عبد العظيم الشناوي في فرقة "الأخوة العربية"، والفنان الطيب الصديقي، والمسرحي أحمد الطيب لعلج.
شارك في مسرحيات بارزة مثل "بنت الحراز"، و"حلوف كرموس"، و"العائلة المثقفة"، ومسلسلات مثل "ستة من ستين" و"بيوت من نار". كما ظهر في أفلام مغربية وأجنبية مثل "الطفولة المغتصبة" و"الرسالة"، وظهر في مسلسلات عدة منها "ستة من ستين"، و"بيوت من نار"، و"سعدي ببناتي".
وفي السينما، برز في "الطفولة المغتصبة" لحكيم نوري، وشارك في الفيلم التاريخي "الرسالة" لمصطفى العقاد، كما اشتهر كثنائي كوميدي مع الراحل مصطفى الداسوكين خلال ثمانينيات القرن الماضي.
كانت آخر مشاركاته التلفزيونية مسلسل "رحلة العمر" للمخرجة لميس خيرات، الذي عُرض قبل رحيله.
محمد الشوبي.. الممثل الذي تقمص الحياة كما الأدوار
لم يكن يوما مجرد مؤد للأدوار، بل كان راويا لقضايا الإنسان المغربي في كل تجلياته، عرف الشوبي كإنسان يحب الحياة بعين فنان، إذ رآها مليئة بالتفاصيل التي تستحق العيش والكتابة، هكذا بدا في كل لقاء، وفي كل مهرجان سينمائي، أو جلسة فنية.
كما وصف بالفنان المثقف، الذي لم يتردد في الخوض في السياسة، والثقافة، وقضايا المجتمع، إذ رفض أن يكون مجرد ديكور في المشهد، وأصر على أن يكون جزءا من النقاش.
بدأ رحلته على خشبة المسرح، وانتقل إلى الدراما التلفزيونية والسينما، مشاركا في أعمال مثل "منديل صفية"، و"عود الريح"، و"جوق العميين". كما تألق في الإنتاجات العربية مثل "ربيع قرطبة" و"ملوك الطوائف" التي أسهمت في تعزيز حضوره كأحد أبرز الوجوه المؤثرة في المشهد الفني العربي. وكان آخر ظهور له في الجزء الثاني من مسلسل "أحلام بنات"، وفيلم "طاكسي بيض" ودور البطولة في الشريط السينمائي "الممثلة" للمخرج حسن غنجة.
برحيله، لا يغيب الشوبي عن المشهد، بل يخلد حضوره من خلال أدوار صنعت له مكانة خاصة في قلوب الجمهور، وأثرا ممتدا في ذاكرة المسرح والتلفزيون والسينما.
نعيمة بوحمالة.. سيدة المسرح والشاشة
تميزت بوحمالة بعفويتها وبساطتها، مقدمة أدوار الأم والمرأة البسيطة، لكن القوية والصارمة والمتسلطة أحيانا، حيث جسدت شخصيات مركبة تجمع الكوميديا والدراما، وتمثل فئات مختلفة من المغاربة دون مساحيق أو أي تكلف، متمكنة من كسب حب الجمهور طيلة رحلتها التي تجاوزت 5 عقود.
قدمت أعمالا شهيرة في التلفزيون مثل "أولاد الناس"، و"حديدان"، و"ستة من ستين"، ومسرحيات عدة من بينها "أبو الفنون"، وساهمت في تأسيس فرقة "تكادة" المسرحية.
أما في السينما، فشاركت في أفلام ذات صدى جماهيري، منها "الملائكة لا تحلق فوق الدار البيضاء"، و"الطفل الشيخ"، و"الدار الكبيرة"، و"اللعب مع الذئاب".
محمد الرزين.. البرزانة في الأداء
كان له من اسمه نصيب وهو يقدم برزانة وصدق شخصيات درامية مركبة تلامس هموم المواطن المغربي، ولا زالت حاضرة في وجدانه، بصم حضوره بنعومة وذكاء على المتفرج بملامحه شديدة المرونة من دور إلى آخر، وبراعته في تجسيد المشاعر الإنسانية بصدق ودون تكلف كما في أعمال "وجع التراب"، و"سرب الحمام"، و"من دار لدار"، كما تألق في المقابل في أعمال كوميدية مثل "دار الورثة" و"الربيب".
وشارك منذ مرحلة الهواية في المسرح، قبل أن يلتحق بالمعهد الوطني للموسيقى والرقص والفن المسرحي، حيث كان جزءا من فرق مسرحية مرموقة مثل "القناع الصغير" و"المسرح الوطني محمد الخامس". كما كان فيلمه الأخير "يوم طويل" للمخرج حكيم قبابي آخر محطاته السينمائية.
عبر الراحل عن قيمة احترام الفن كمنبر لإثارة الوعي والنقد النقد البناء، واعتبره رسالة تحمل مسؤولية تجاه المجتمع، لا مجرد وسيلة للكسب أو الشهرة، من خلال أعماله في التي جمعت بين متعة الترفيه وعمق المحتوى الفكري.
أمينة بركات… سيدة الأداء
أمينة بركات، واحدة من الوجوه التي رافقت تطور الفن المغربي لأكثر من أربعين سنة، تنقلت خلالها بين المسرح والتلفزيون والسينما، وظل حضورها ثابتا وقريبا من الجمهور.
بدأت مسيرتها أواخر السبعينات، وبرزت من خلال أعمال مسرحية ناجحة مثل "الفرملية والدكتور"،" و"بنت الحاج"، اشتغلت مع روّاد المسرح المغربي، من البدوي إلى حسن الجندي والطيب الصديقي.
وعلى الشاشة الصغيرة، تألقت في أعمال رسخت في الذاكرة، من بينها "خمسة وخميس"، و"عز الخيل مرابطها"، "ومن دار لدار"، "والأبرياء" و"الأخطبوط".
منعم كباب… الطفل الذي حمل صدق الشارع إلى السينما
عرفه الجمهور بلقب “كويتا” أكثر من اسمه الحقيقي منعم كباب، الطفل الذي خطف الأنظار في فيلم "علي زاوا"، أحد أبرز الأعمال التي لامست قضايا الهشاشة والطفولة في المغرب.
لم يكن أداؤه مجرد تمثيل أو تجسيد لشخصية من الواقع، بل كان انعكاسا لحياة يعيشها آلاف الأطفال، فقدم شخصية تنبض بالصدق، دون تكلف أو اصطناع، حتى بدا وكأن الكاميرا التقطت حياته كما هي، لا دورا كما يكتب في السيناريو.
جسد "كويتا" محور الفيلم وروحه، واعتبر كثيرون أن جزءا كبيرا من نجاح "علي زاوا" يعود إلى حضوره الطاغي وملامحه التي تحكي قصصا لا تروى بالكلمات.
وبرغم الشهرة الواسعة التي رافقت ظهوره، ظل منعم بعيدا عن الأضواء، يعيش في الظل، إلى أن غاب عن الحياة السنة الماضية، في رحيل أعاد للواجهة هشاشة واقع الأطفال بلا سند.
ترك خبر وفاته أثرا واسعا على منصات التواصل الاجتماعي، حيث عبر الكثيرون عن حزنهم لفقدان موهبة فريدة حلت ضيفة على السينما مرة واحدة، لكنها صنعت أثرا بارزا.
مقالات ذات صلة
فن و ثقافة
فن و ثقافة
فن و ثقافة
فن و ثقافة