فن وثقافة
ما هي ملامح الفيلم الذي سيفوز بالنجمة الذهبية في مهرجان مراكش؟
01/12/2025 - 12:49
SahafIA
يبرز مهرجان مراكش الدولي للفيلم كمنصة مختلفة في خريطة السينما العالمية، إذ يتجه سنويا نحو تكريس رؤية فنية وإنسانية تدعم الأصوات الجديدة والسينمات المهمّشة. وعبر تتبع مسار الجائزة الكبرى، أو «النجمة الذهبية»، منذ انطلاق المهرجان في 2001 وحتى 2024، يتّضح أن هناك ملامح ثابتة تتكرر في الأعمال الفائزة، تشكّل ما يشبه «بروفايلاً» دقيقًا للفيلم الذي يحظى بهذا التتويج الرفيع.
يستند هذا المقال الموسّع إلى دراسة تحليلية معمّقة لبيانات المهرجان التي تؤكد توجّهًا ثابتًا نحو سينما جريئة، اجتماعية، سياسية، ومنحازة للإنسان.
وتكشف قراءة تاريخية للجوائز أن المهرجان يمنح أهمية استثنائية للأعمال القادمة من الجنوب، سواء من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، أو من آسيا وأميركا اللاتينية وأوروبا الشرقية. فبعد مرحلة أولى اتسمت بتنوع جغرافي بين أوروبا وآسيا، بدأت كفة السينما العربية تميل تدريجيًا لصالح التتويج ابتداءً من 2012، قبل أن يترسخ هذا الحضور بقوة مع إطلاق «ورشات الأطلس» في 2018، التي لعبت دورًا محوريًا في تطوير مشاريع سينمائية عربية وإفريقية، وأخرجت أعمالاً حصدت الجائزة أو نافست عليها بقوة. ويبيّن هذا التحول أن المهرجان تبنى دورًا ثقافيًا وسياسيًا يتجاوز مجرد عرض أفلام، ليصبح منصة لتمكين مبدعي الجنوب ومنحهم زخمًا عالميًا.
ويمنح المهرجان جائزته لأول أو ثاني فيلم لمخرجه، حيث تميل هذه الأعمال إلى اعتماد أساليب جمالية بسيطة لكنها مؤثرة: كاميرا قريبة من الشخصيات، اعتماد على الضوء الطبيعي، حضور ممثلين غير محترفين، وإيقاع سردي يتراوح بين البطء التأملي والانغماس في تفاصيل الحياة اليومية. وتساهم هذه العناصر في خلق تجربة حسية تقرّب الجمهور من الشخصيات، وغالبًا ما تكون شخصيات من فئات مضطهدة أو مهمّشة، ما يمنح الفيلم قوة عاطفية وسياسية في آن واحد.
أما على مستوى المضامين، فتظهر خمس موضوعات رئيسية تكاد تكون مشتركة بين معظم الأفلام الفائزة: الهجرة، والهوية، والعنف السياسي، وأزمات النساء، والذاكرة. وغالبًا ما يتقاطع موضوع الهجرة مع قصص البحث عن الذات، كما في «Northless» و«Inch’Allah Dimanche». ويهيمن العنف السياسي، سواء عبر الحرب أو الديكتاتورية أو الإرهاب، على أفلام مثل «Gori Vatra» و«Valley of Souls» و«The Attack». وتتصدر النساء واجهة كثير من هذه الأعمال، لا بصوتهن فقط بل بصفتهن محورًا للصراع، كضحايا للنظام الاجتماعي أو كرائدات في مواجهة العنف. أما الذاكرة فتُستعاد في كثير من هذه الأفلام بوصفها جرحًا جمعيًا، كما في «The Mother of All Lies» الذي أعاد قراءة أحداث 1981 في المغرب عبر أسلوب بصري وتجريبي.
وتعكس هذه الموضوعات اختيارًا واعيًا لمهرجان مراكش بدعم سينما تكشف المستور وتدافع عن القضايا الإنسانية. فمن خلال تتبع اختيارات اللجان عبر السنوات، يتضح أن المهرجان يفضّل الأفلام التي تنبع من سياقات سياسية مضطربة، أو تلك التي تتناول هوامش المجتمع بتعاطف وحساسية عالية. فالفيلم الفائز غالبًا ما يقدّم حكاية صغيرة لكنها غنية بالدلالات، تجعله قادرًا على تمثيل واقع أوسع من حدود قصته. ومن اللافت أن هذا النهج يتزامن مع تحولات عالمية كبرى في عامي 2023 و2024، حيث أصبحت السينما منصة لطرح أسئلة حول الهوية والعدالة والحرية، وهي أسئلة تتبناها اللجن بوضوح.
كما يشجّع المهرجان في السنوات الأخيرة على سينما هجينة تمزج بين الوثائقي والروائي، وتستخدم تقنيات تجريبية تعيد تشكيل الذاكرة والخيال. وقد ظهر هذا التوجّه بوضوح في أفلام مثل «Joy» و«Valley of Souls» و«The Mother of All Lies». وتسمح هذه المقاربة بتقديم واقع معقّد بطريقة تجمع بين الصدق العاطفي والقوة البصرية، ما يمنح الفيلم قدرة أكبر على التأثير.
وعلى مستوى الإنتاج، تتسم أغلب الأفلام الفائزة بكونها إنتاجات محلية أو مشتركة بين بلدين أو ثلاثة، ما يعكس قدرة المخرجين الشباب على استثمار شراكات محدودة لتحقيق مشاريع كبيرة. ومع ذلك، تظهر بين الحين والآخر أعمال ذات تمويل أوسع، كما في «Happy Holidays» الذي شاركت في إنتاجه خمس دول، مما يدل على اهتمام عالمي متنامٍ بسينمات الجنوب. لكنه يظل استثناءً في سياق إنتاجات بسيطة وذات موارد محدودة. هذا البعد الإنتاجي يؤكد أن المعايير الفنية والموضوعية تطغى على الإمكانات التقنية والميزانيات الضخمة.
إن البروفايل الكامل للفيلم الفائز بالنجمة الذهبية يعكس سينما مقاومة، ذات صوت إنساني واضح، ومرتبطة بقضايا ملحّة تتعلق بالحرية والهوية والذاكرة. وهذه السينما، رغم محدودية مواردها، تنجح في الوصول إلى المتلقي عبر الصدق والجرأة والتجريب. ويبدو أن مهرجان مراكش سيستمر في تبني هذا الاتجاه، ما سيجعل النجمة الذهبية فضاءً دائمًا لتتويج سينما جديدة، تُعيد صياغة رؤيتنا للعالم.
مقالات ذات صلة
فن و ثقافة
فن و ثقافة
فن و ثقافة
الأنشطة الأميرية