فن وثقافة
فيلم "ميرا".. حين يعود نور الدين الخماري إلى نفسه
02/12/2025 - 17:02
جمال الخنوسي
يأتي فيلم "ميرا" لنور الدين الخماري كعودة واعية إلى المنبع الأول الذي تفجرت منه شاعرية المخرج منذ بداياته، وكاستعادة لخط جمالي بدا، في مرحلة معينة، كأنه انقطع.
من "نظرة" إلى "كازانيغرا" وصولا إلى "Burn Out"، ظل سؤال العلاقة بين الفرد والمجتمع، وبين الذات ورمزيتها، هو محور الاشتغال، وإن كانت كل مرحلة تتخذه بزاوية مختلفة. أما "ميرا"، فهو ليس فقط استعادة لذلك السؤال، بل هو إعادة صياغة جذرية لطريقة طرحه، عبر صورة أكثر صفاء، أكثر هدوءا، وأكثر جرأة في الاعتماد على النظرة بدل الحدث، وعلى الإيقاع البصري بدل الحبكة، وعلى الاستعارة المتجسدة بدل الخطاب.
ومع عرضه الأول في المغرب (وبشمال إفريقيا والشرق الأوسط ككل) ضمن فعاليات الدورة 22 للمهرجان الدولي للفيلم بمراكش، بدا واضحا أن الفيلم لا يتوجه فقط إلى الجمهور المغربي، بل إلى جمهور عالمي قادر على التقاط طبقات المعنى الكامنة في صوره، خصوصا بعد مشاركته في المسابقة الرسمية لمهرجان تالين الليالي السوداء (PÖFF) في نونبر الماضي، في عرضه العالمي الأول، وهو واحد من أهم المهرجانات المصنفة.
حين يصبح الماضي شرطا لقراءة الحاضر
يُقرأ "ميرا" على المستوى الجمالي كرسالة صامتة يوجهها الخماري إلى ذاته كفنان. فمنذ "نظرة"، كان الرهان على العين أكثر من الكلمة، وعلى العفوية البصرية أكثر من بناء المشاهد بطريقة كلاسيكية. لكن هذه الحساسية انكسرت تدريجيا تحت ضغط الصناعة وضرورات السرد في الأعمال المتتالية. لذلك يبدو "ميرا" كأنه عودة إلى نقطة الصفر الجمالية: العودة إلى السينما المؤسسة على المشهد لا على الحكاية، وعلى ما تسميه نظريات الصورة بـ"الفعل البصري البديل".
هذه العودة تتجلى في اختيار طفلة (صفاء ختامي) كمرآة للعالم. فالخماري يدرك أنّ الطفل، كما يقول دولوز، هو "الكيان الأكثر استعدادا لاستقبال الصورة البصرية الخالصة"، لأنه غير مسلح بأجهزة الفهم الاجتماعي التي تروض العين. ولذلك تصبح ميرا اليتيمة، الصامتة، الساكنة بمثابة حامل جمالي للموقف الفلسفي للفيلم، لا مجرد شخصية سردية.
إن "ميرا" قريب من سينما الواقعية الشعرية، ومن بعض تجارب المخرجين الذين اشتغلوا على العلاقة بين الضوء والهوية، مثل تيرينس ماليك أو فيكتور إريثي، دون الوقوع في المحاكاة. فالخماري، رغم انفتاحه على هذه المرجعيات، يظل وفيًّا لجغرافية المكان المغربي ولرموزه الثقافية.
الصورة التي تقيّد الجسد
يشكل القفص رمزا قويا في "ميرا" وحاضرا على مستويات عدة. لكنه ليس رمزا جاهزا ولا استعارة بسيطة، بل هو بنية بصرية متكررة تشتغل داخل مستويات متعددة: فعلى مستوى الإطار: تتعمد الكاميرا تضييق الكادر حول الطفلة في لحظات الاضطراب. على مستوى الرموز: يد ميرا وهي تفتح قفص الطيور ليست مجرد فعل؛ إنها مقاومة صغيرة ضد نظام رمزي أكبر منها. فاليد هنا "جهاز تفكير"، أو لنقل إن اليد تفكر حيث يمنع الفم من الكلام.
أما على مستوى البنية السردية: فكل قرار تحاول ميرا اتخاذه يُعاد تموضعه داخل شبكة من الأعراف، وكأنّ المجتمع يعيد بناء أقفاصه كل مرة، وهو ما يحيل إلى ما يسميه إميل دوركهايم بالعنف الرمزي، ذلك العنف الذي لا يحتاج إلى سلاح لكي يستمر. وعلى مستوى الصوت: فصوت الأجنحة وهي ترفرف في الفضاء يقدم كأحد الأصوات المحرِّرة في الفيلم، مقابل الأصوات البشرية المشحونة بالحكم الأخلاقي.
جسد يتكلم بصمت
يُعد أداء الممثلات الثلاث (صفاء ختامي، فاطمة عاطف، زينب علجي) أحد أكثر عناصر الفيلم نضجا. فالخماري، بخلاف عدد من المخرجين المغاربة، لا يعتمد على الأداء الانفعالي أو الخطابي، بل على ما يمكن تسميته "التجسيد الهادئ" — أي القدرة على خلق معنى من خلال الاقتصاد في الحركة. فصفاء ختامي تقدم ميرا بطريقة مميزة: جسد منخفض الحركة، عينان كأنهما تحملان ألف سؤال، وطريقة مشي توحي بشخص يبحث عن أرض آمنة.
أما الكبيرة فاطمة عاطف فتمنح الجدة ثقلا رمزيا يربط بين الأرض والذاكرة؛ لأنها شاهد على نظام اجتماعي مختلّ، لكنها ليست قادرة على تغييره، ما يمنحها حضورًا مزدوجا: قوة وخوفا.
أما زينب علجي، في دور الأستاذة لمياء، فتقدّم أهم معادلة في الفيلم: امرأة تتكلّم باسم التغيير لكنها محاصرة بـ"قواعد اللعبة" التي ترفض الاعتراف بصوتها.
يشتغل الأداء النسوي هنا كصدى موزع للبطولة، بحيث لا تصبح ميرا وحدها في مواجهة المجتمع، بل تتقاطع مصائر نساء ثلاث، يمثلن ثلاثة مستويات من العلاقة مع السلطة: المقاومة، الحكمة، التعليم.
حين تصبح القرية مختبرا للعالم
رغم ارتباط الفيلم بفضاء الأطلس المتوسط، فإنّ "ميرا" لا يعيد إنتاج "الفيلم المحلي" كما يُصوَّر عادة في السينما المغربية. فالقرية هنا ليست موقعا فولكلوريا، بل مختبرا مصغرا للعلاقة بين الفرد والمؤسسة الاجتماعية. وهنا تكمن قوّة التكثيف: إنّ الحكاية التي تبدو بسيطة، فتاة تتمرد على القيود، تتحول إلى سؤال فلسفي حول الحرية والرغبة والهوية.
وما يمنح الفيلم بعدا كونيا هو أنه يطرح الحرية ليس كحق قانوني فقط، بل كخيار وجودي. فميرا لا تملك أدوات التغيير، لكنها تملك خيال الطفلة الذي يسمح لها بتصور احتمالات الحرية. وهذه الإمكانية التخييلية هي ما يجعل الفيلم قادرا على التحاور مع سياقات أخرى خارج المغرب: من سينما أمريكا اللاتينية التي اشتغلت على الطفولة السياسية، إلى سينما آسيا الشرقية التي اشتغلت على الطفولة كمرآة للسلطة.
أما من المنظور السوسيولوجي، يمكن قراءة "ميرا" كفيلم عن العنف البطيء، ذلك العنف الذي لا يضرب، لكنه يضغط، يتراكم، ويحول الطفلة إلى شاهد على بنية اجتماعية لا تتسامح مع الاختلاف. هنا يتقاطع الفيلم مع أفكار باحثين مثل بيير بورديو أو ألان تورين حول إعادة إنتاج الهيمنة. فميرا تغلق عليها هوية لم تخترها: الأنثى ككائن قابل للضبط، للسيطرة، للتطويع. فيما التمرد، في هذا السياق، لا يكون عملية صاخبة، بل عملية بطيئة تشبه نمو الشجرة: صامتة، لكنها عنيدة.
انعتاق الطيور
في واحد من أجمل مشاهد الفيلم، تدخل ميرا قفص الحمام، تمتد يدها الصغيرة في لقطة قريبة، ثم تُفتح البوابة. هنا يحتفظ المخرج بكاميراه ساكنة، كأنه يريد اختبار صدق الفعل. وعندما تنطلق الطيور، لا تكتفي الكاميرا بمتابعة حركتها، بل تعود إلى وجه الطفلة، تلك النظرة التي لا تحسد الطائر على حريته بقدر ما تعيد تشكيل رغبتها الخاصة في الانعتاق. إنه مشهد دولوزي بامتياز حيث الحدث يقع في العين، لا في الحركة.
إن "ميرا" نور الدين الخماري ليس مجرد فيلم عن طفلة تبحث عن الحرية؛ إنه فيلم عن الحرية كفعل إدراكي، فيلم يعلن أنّ الرؤية، حينما تُمارَس بصدق، قد تكون أكثر ثورية من كل الأفعال المباشرة. ولذلك يبدو الخماري هنا كأنه عاد إلى نفسه، إلى تلك المنطقة التي يجد فيها السينما لا بوصفها صناعة، بل بوصفها طريقة في النظر إلى العالم. وبين عرضه العالمي الأول في تالين وعرضه الأول في مراكش، يقدّم "ميرا" نموذجا للسينما المغربية التي تنفتح على العالم دون أن تفارق تربتها، وتطرح أسئلتها الكبرى دون أن تغرق في العهر الفكري، وتعيد التفكير في الهوية دون أن تتخلى عن شاعريتها وأصالتها.
جمال الخنوسي
مقالات ذات صلة
فن و ثقافة
فن و ثقافة
فن و ثقافة
فن و ثقافة