اقتصاد
عوائق أمام تطور مطاحن المغرب .. كيف يفسرها مجلس المنافسة؟
09/12/2025 - 18:03
وئام فراج
سلط مجلس المنافسة الضوء على مجموعة من الإشكالات التي تعيق تطور قطاع المطاحن بالمغرب، سواء على مستوى الإطار القانوني، أو بنية السوق، أو الطاقة الإنتاجية، أو الولوج إلى المواد الأولية، مقدما مجموعة من التوصيات الرامية إلى إعادة التوازن وتحسين شروط المنافسة.
تنقسم سوق المطاحن الوطنية إلى مطاحن صناعية وأخرى تقليدية، وتقوم المطاحن الصناعية (146 مطحنة) بطحن الحبوب قصد تسويق منتجات مثل الدقيق والسميد، ويمثل هذا المسلك حوالي 65 في المائة من إجمالي كمية القمح المطحون بالمغرب، معتمدة في ذلك على واردات القمح على نطاق واسع.
أما المطاحن التقليدية، تضم عددا يتراوح بين 10 آلاف و12 ألف مطحنة تقليدية، وتتمركز أساسا في المناطق القروية. وتوفر هذه المنشآت الصغرى خدمات الطحن لفائدة الأفراد. كما تبلغ نسبة الطحن نحو 35 في المائة من الحجم الإجمالي من الحبوب المسحوقة، أي ما يناهز نصف الإنتاج الوطني وحسب مواسم الحبوب.
فعالية الدعم
ركز مجلس المنافسة، في رأيه الصادر الاثنين 08 دجنبر 2025 حول "السير التنافسي لسوق المطاحن بالمغرب"، على المطاحن العصرية التي تخضع لإطار قانوني صارم، مشيرا إلى أن هذا الإطار لم يعد يواكب التحولات التي يعرفها قطاع المطاحن ولا ينسجم كليا مع توجه المغرب نحو فتح السوق وتعزيز المنافسة.
كما أبرز المجلس أن تدخل الدولة في تحديد أسعار بعض المواد الخام، ولا سيما القمح اللين الموجه لإنتاج الدقيق الوطني والدقيق الممتاز، إضافة إلى النظام الجمركي الوقائي، قد يؤدي إلى إضعاف آليات السوق، وإلى كلفة متزايدة على الميزانية العامة.
وتفيد معطيات المجلس بأن "دقيق القمح اللين الممتاز" يستحوذ على نحو 47 في المائة من المبيعات، "ما يعكس التركيز الشديد للإنتاج على هذا المنتوج الذي تفضله الأسر ويُوجه، في غالب الأحيان، إلى المخابز والحلويات". وتأتي في المرتبة الثانية "نخالة القمح اللين" بنسبة مبيعات تصل إلى 20 في المائة، مشيرة إلى استخدام واسع النطاق للمنتجات الثانوية في سوق لا تنحصر فقط في الاستهلاك البشري.
وبلغت مبيعات المنتجات المتأتية من القمح الصلب (السميد والدقيق) 11 في المائة تقريبا، مؤشرة على طلب جد محدود مقارنة بالقمح اللين.
من جانبها، سجلت مبيعات "الدقيق الوطني للقمح اللين"، المستفيد من الدعم، 8 في المائة فقط. ومن ثم، يستنتج مجلس المنافسة أنه "لا تمارس هذه الحصة تأثيرا كبيرا على السوق ككل، عكس القطاع غير المدعم الذي يتمتع بدينامية تنافسية قوية".
سوق مفككة وتركيز متفاوت جهويا
سجل مجلس المنافسة أن سوق المطاحن يتسم بتفكك شديد، خاصة في سلسلة القمح اللين، حيث تتقاسم المطاحن حصصا صغيرة تحد من قدرة الفاعلين الصغار على التموقع، رغم أنها تشجع تنوع المتدخلين. وفي المقابل، تعرف بعض سلاسل الحبوب، مثل الشعير، درجة أعلى من التركيز، بما يسمح لعدد محدود من الفاعلين بممارسة نفوذ أكبر.
كما أن توزيع الحصص السوقية يختلف من جهة إلى أخرى، ما ينعكس على مستوى المنافسة محليا؛ إذ تكاد تنعدم المنافسة في بعض الجهات التي يهيمن فيها فاعل واحد، مقابل توازن نسبي في جهات أخرى.
ومن بين أبرز الإشكالات التي توقف عندها مجلس المنافسة، وجود طاقة إنتاجية مفرطة وبنيوية تتجاوز بكثير الطلب الفعلي على المنتجات المحولة.
ويرجع المجلس هذا الوضع أساسا إلى سياسات الدعم، خاصة برنامج الدقيق الوطني للقمح اللين، "الذي شجع على توسع غير متحكم فيه في طاقات السحق بهدف الاستفادة من الدعم العمومي، ما أضعف قدرة القطاع على ملاءمة العرض مع الطلب".
اعتماد كبير على الواردات
أشار المجلس إلى أن تكلفة الإنتاج في قطاع المطاحن تخضع بشكل كبير لأسعار المواد الأولية، التي يعتمد تموينها أساسا على الأسواق الدولية، مما يجعل القطاع عرضة لتقلبات الأسعار العالمية. كما أن تنامي الاعتماد على الواردات ساهم في تهميش الإنتاج الوطني، وأضعف قدرة القطاع على الصمود أمام الصدمات الخارجية.
وفي الوقت ذاته، سجل المجلس تباينا في تطور أسعار المنتجات النهائية، حيث ارتفعت أسعار بعض منتجات القمح اللين، مثل السميد الرقيق والفينو، في حين ظلت أسعار الدقيق المدعم والدقيق الممتاز أكثر استقرارا بفعل الدعم العمومي واتفاقيات ضبط الأسعار.
إعادة التوازن
أمام هذه "الاختلالات"، دعا مجلس المنافسة إلى مراجعة شاملة للإطار القانوني والتنظيمي لسوق المطاحن، بما يشمل تعديل القانون 12.94 ونصوصه التطبيقية، ومراجعة الاتفاقيات التي تحدد أسعار بعض المنتجات، وتكييف النظام الجمركي بما يضمن مرونة أكبر في تدبير الإمدادات.
كما أوصى بتبني تنظيمات تراعي الخصوصيات الجهوية، خاصة في المناطق التي تعرف فائضا كبيرا في الطاقة الإنتاجية، مع اعتماد مقاربة تدريجية لتنسيق تنظيم المطاحن الصناعية والحرفية، عبر آليات مبسطة للتتبع وضمان الحد الأدنى من الجودة والسلامة.
وفي ما يخص فائض الطاقة الإنتاجية، دعا المجلس إلى تشجيع التوجه نحو التصدير وتنويع الإنتاج، من خلال تطوير منتجات ذات قيمة مضافة عالية، واستكشاف أسواق جديدة، خاصة في إفريقيا جنوب الصحراء.
كما شدد على ضرورة تعزيز القدرة التنافسية للفاعلين الصغار، عبر دعم الكفاءة التشغيلية، وتشجيع التجميع في تعاونيات، وتسهيل الولوج إلى التمويل والتكنولوجيا، إلى جانب مراقبة وضعيات التركيز المرتفع لمنع أي إساءة لاستخدام الوضع المهيمن.
وخلص رأي مجلس المنافسة، في الشق المتعلق بالمطاحن، إلى أن إصلاح قطاع المطاحن يمر عبر ترشيد تدخل الدولة، وتحسين حكامة السوق، وضمان منافسة عادلة وفعالة، بما يعزز أمن التزود ويضمن استدامة هذا القطاع الحيوي للاقتصاد الوطني.
مقالات ذات صلة
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد