مجتمع
العدول يضربون عن العمل .. لماذا يرفضون مشروع قانون تنظيم المهنة؟
17/02/2026 - 22:01
خولة ازنيزني
أعاد مشروع القانون رقم 16.22 المتعلق بتنظيم مهنة العدول ملف التوثيق العدلي إلى واجهة النقاش، بعدما خلق موجة احتجاج واسعة داخل أسرة العدول، الذين اعتبروا أن الصيغة المصادق عليها حكوميا لا تعكس خلاصات الحوار الذي جمعهم بوزارة العدل، ولا تستجيب لانتظاراتهم بعد قرابة عقدين من العمل بالقانون رقم 16.03 المنظم لخطة العدالة.
وفي خطوة تصعيدية، أعلنت الهيئة الوطنية للعدول عن خوض إضراب شامل عن تقديم الخدمات العدلية يومي 18 و19 فبراير 2026، احتجاجا على ما وصفته بـ”تمرير مشروع قانون بصيغة غير متوافق عليها”، ما أعاد طرح تساؤلات حول خلفيات هذا الجدل؟
التوثيق العدلي
في هذا السياق، قال عبد الرزاق بويطة، الكاتب العام للجمعية المغربية للعدول: "إن القانون بصيغته الحالية لا يرقى إلى مستوى انتظارات المهنيين ولا يعكس حجم الأدوار التي يقوم بها العدول في تأمين المعاملات وصون الحقوق"، معتبرا أن عددا من مقتضياته يكرس اختلالات بنيوية ولا يحقق التطوير الحقيقي الذي كان منتظرا.
وأوضح بويطة، في تصريح لـSNRTnews أن خطوة التوقف الإنذاري جاءت بعدما وصفه بغياب التجاوب مع المقترحات التي تقدمت بها الهيئة خلال المسار التشريعي، رغم تسجيل توافق مبدئي لبعض الفرق البرلمانية مع عدد من مطالب العدول.
وأضاف أن قيادة الهيئة كان من الضروري أن تتخذ موقفا دفاعيا برفض المشروع والمطالبة بسحبه، بعد مسار طويل من الانتظار ومنح الفرصة الكاملة للنقاش التشريعي أملا في إدخال تعديلات منصفة.
ومن بين أبرز النقاط التي يرفضها العدول، عدم اعتماد تسمية “التوثيق العدلي” والاكتفاء بعبارة “مهنة العدول”، معتبرين أن في ذلك تقليلا لدورهم داخل منظومة التوثيق.
كما يثير المشروع تحفظات بشأن المادة 107 التي تخول للوكيل العام للملك، بإذن من وزير العدل، توقيف العدل مؤقتا لمدة لا تتجاوز ثلاثة أشهر في حالة اختلالات مهنية، إضافة إلى مقتضيات المادة 118 المتعلقة بالتوقيف كعقوبة زجرية، وهو ما يعتبره المهنيون تكريسا لـ”قرينة الإدانة”.
وتشمل الملاحظات أيضا تشديد الرقابة على المكتب العدلي في عدد من المواد، إلى جانب رفض المادة 67 التي تنص على حضور 12 شاهدا، وهو شرط يعتبره العدول متجاوزا في ظل التحولات الاجتماعية والتقنية، فضلا عن عدم التنصيص الصريح على شهادة المرأة.
كما ينتقدون رفع مدة الأقدمية المطلوبة لتولي رئاسة الهيئة الوطنية والجهوية إلى 10 و15 سنة (المادتان 152 و182)، ما قد يحد من فرص ولوج النساء إلى مواقع المسؤولية.
الحق في الإيداع
ومن بين النقاط التي أثارت استياء واسعا داخل الجسم المهني، ما يتعلق بإسقاط الحق في الإيداع، الذي كان واردا في الصيغ الأولى للمشروع قبل حذفه في النسخة النهائية. ويقصد بهذا الحق أهلية العدل لإيداع المحررات والوثائق العدلية لدى الجهة المختصة قصد حفظها وتقييدها وإضفاء الحجية القانونية عليها.
واعتبر بويطة أن حذف هذا المقتضى شكل صدمة، لأنه يحرم المهنة من آلية اشتغال أساسية تؤهلها لمواكبة التحولات وتلبية الحاجيات التوثيقية للمواطنين، مشددا على أن التوثيق العدلي يشكل خدمة عمومية متجذرة في المجتمع المغربي، سواء في الزواج أو الوكالات أو المعاملات العقارية.
مطلب المساواة بين مهنيي التوثيق
من جهته، أكد سعيد الصروخ، عضو المكتب التنفيذي للهيئة الوطنية للعدول، أن من بين أهم مطالب الهيئة تحقيق المساواة بين مهنيي التوثيق، في ظل وجود مهنتين تمارسان نفس الوظيفة، مشددا على ضرورة احترام المبادئ الدستورية المرتبطة بتكافؤ الفرص والمنافسة المشروعة والمساواة والتوازن بين الحقوق والواجبات.
وأوضح الصروخ، في تصريح لـSNRTnews، أن الهيئة تستند في مطالبها إلى دستور 2011 وميثاق إصلاح منظومة العدالة، وإلى متطلبات تحديث الإدارة باعتبار مرفق التوثيق جزءا من إدارة الدولة.
وأشار المتحدث إلى أن حذف ديباجة القانون يشكل أحد أبرز عناصر الرفض، باعتبارها المرجعية القانونية والفلسفية والاجتماعية للنص، مؤكدا أن المطلب الأساسي هو التعامل مع المهنة من منطلق كونها جزءا من منظومة التوثيق وخدمة للمصلحة العامة، دون تمييز بين المرتفقين أو منح امتيازات غير مبررة لمهن أخرى.
وشدد الصروخ على أن العدول “لن يقبلوا بالتمييز”، وأنهم سيواصلون الدفاع عن مهنتهم وحقوق المواطنين، مؤكدا أن مختلف تمثيليات العدول تتفق على ضرورة سحب المشروع وإعادة صياغته في إطار مقاربة تشاركية تؤسس لإصلاح متوازن وعادل.
واعتبر أن التوقف عن العمل رسالة مسؤولية وليست رسالة تعطيل، هدفها فتح حوار جاد قبل المضي في مسار تشريعي يدعو إلى قبول مهني واسع.
حضور المرأة العدل
من جانبها، اعتبرت نادية الشرقاوي، عدل باستئنافية الرباط ورئيسة الجمعية الوطنية للمرأة العدل، أن الإضراب يأتي بعد المصادقة على مشروع القانون، مشيرة إلى وجود مواد تعكس، بحسب تعبيرها، مظاهر تحيز وتغيب الهدف الأساسي الذي نصت عليه خطة العدالة 16.03، والمتمثل في توثيق الحقوق والمعاملات.
وقالت الشرقاوي، في تصريح لـSNRTnews، إن حذف صفة التوثيق عن العدول، والاستغناء عن الديباجة وتعويضها بمذكرة تقديم، يضعف الإطار المرجعي للمهنة، إذ تشكل الديباجة ضمانة قانونية مهمة.
كما انتقدت ما وصفته بالتغاضي عن خيار التلقي الفردي، مطالبة بتمتيع المرأة العدل بنفس الامتيازات التي تتمتع بها النساء في مهن مماثلة، بما يساهم في رفع شأن المهنة وتجاوز الطابع النمطي المرتبط بها.
وأضافت أن مشروع القانون لم يحقق “الأمن المهني” المنشود، ولم يمكن العدول من مواكبة التحولات التنموية والاقتصادية والاجتماعية التي يعرفها المغرب، مشددة على أن النص الحالي، في نظرها، لا يوفر الضمانات الكافية لحمايتهن من الإكراهات والتمييز المرتبط بمساطر التوثيق وتعدد المتدخلين.
وأكدت أن من بين المطالب الأساسية سحب مشروع القانون 16.22، والرجوع إلى الصياغة المتوافق بشأنها بما يضمن المنافسة الشريفة وحق المواطن في اختيار الجهة التي يريد توثيق معاملاته لديها، إلى جانب تفعيل آلية الإيداع بما يخدم المرتفقين والمهنيين، خاصة في ظل شروط مستجدة نصت عليها قوانين أخرى.
واعتبرت أن المقاربة التشريعية المعتمدة تمس بمصلحة المرتفقين والأمن القانوني والتعاقدي، كما قد تعرقل انخراط العدول في ورش الرقمنة وتعزيز النجاعة القضائية.
وكانت الهيئة الوطنية للعدول قد أكدت، في بلاغ رسمي، أن التوقف الإنذاري لا يستهدف تعطيل مصالح المواطنين، بل يروم لفت الانتباه إلى خطورة المرحلة التي تمر بها المهنة، داعيا إلى فتح حوار مؤسساتي جاد ومسؤول يفضي إلى مراجعة المقتضيات المثيرة للجدل، وملاءمة النص مع مقتضيات دستور 2011 وتوصيات ميثاق إصلاح منظومة العدالة.
مقالات ذات صلة
مجتمع
مجتمع
مجتمع
مجتمع